كان عام 2005 بمئة عام: كأنه العام الذي لن ينصرم، لأنه العام الذي سيختزل، كما اختزل، تواريخ وأحداثاً وتحوّلات لا تستنفد.
في هذا العام، كان لرفيق الحريري أن يستشهد: الكارثة، الزلزال، التراجيديا. لكن كان أيضاً لرفيق الحريري، في استشهاده، أن يعبئ الفضاء والأمكنة والناس للخروج من حالات "الانتظار"، والذهاب الى الحرية والتحرير. كأنما "البوصلة" التي طلعت من دمه المسفوك، أشارت الى القابعين في الخوف والذل والحذر الى أن يهبوا ويصنعوا مصيرهم بأنفسهم، ويتمردوا على "القدر" المفروض عليهم، وينتفضوا على الوصايات وأسلحة الرعب، والتخويف، والترويع، والقمع والارهاب، والانضمام الى الوطن. الوطن كله كفضاء موحد، كمكان لا بديل منه، كمكان متحرر من كل ما يكبل إرادته. بمعنى آخر، كان لرفيق الحريري، لكي تصل الحرية إلينا كما وصلت، أن يذهب الى الموت. نعم! أن يذهب الى الموت. ذلك أن الحرية لا تنتظر أحداً. بل على كل واحد أن يذهب إليها. وكل ذهاب إليها، يعني، أحياناً كثيرة، وفي مثل الظروف التي كنا نعيشها ضربَ موعدٍ مع الموت والشهادة. في أي مكان. وفي أي زمان. وكان هذا درساً للبنانيين ودرساً للقتلة أيضاً. اللبنانيون حفظوا الدرس. أما القتلة، البلا ذاكرة، والبلا ذكاء، والحمقى، والموتورون، والطامعون، والتافهون، فكان لهم أن يقفزوا فوق الدرس: أن يكملوا مهنة القتل التي احترفوها في مدارسهم الفكرية والانقلابية والطائفية والعائلية.فكان للزميل الصديق والأخ الحبيب الشهيد سمير قصير أن يكون الضحية الثانية في لعبة القفز فوق الحقائق، باعتماد التصفيات سبيلاً الى نفيها. وكان سمير لنا، البوصلة الثانية المشرقة بدمها نحو الحرية. ثم كان للمجرمين الانبعاثيين من جرائمهم أن يطبقوا قوانينينهم وايديولوجيتهم على مناضل كبير لم يسلم في الماضي، لا هو ولا الحركة الوطنية ولا المعلم الكبير كمال جنبلاط، ولا حتى المقاومة من شرور النظام الموتور، هذا المناضل هو جورج حاوي. صفوّه كما سبق أن صفوا المقاومة الوطنية البطلة التي قدّمت ألوف الشهداء في مواجهتها العدو الصهيوني المحتل. المقاومة التي طردت اسرائيل من بيروت. وباستشهاد جورج حاوي (أبو أنيس) الذي افتقده في مقهى "الغندول" كلما ذهبت الى هناك، كان لنا بوصلة أخرى من بريق دمها، أنْ توّجت الانتفاضة بضوء الحرية. ثم كان لهؤلاء القتلة (هل عندهم سوى القتل الذي هو جزء من تفكيرهم وأكلهم وشربهم وحياتهم وملبسهم وأحلامهم) أن يمعنوا في ضلالهم، فاختاروا أخيراً (لا آخراً) "فتى الانتفاضة الأغر" جبران تويني: الفتى الشغوف، الجريء، المواجه، الذي قرر، (كما الحريري وحاوي وقصير) أن يذهب الى الموت كقدر يواجه به أقدار الطغاة، فكان لنا بوصلة أخرى تشير كل عقاربها وإشاراتها وأرقامها الى أن معركة التحرر لم تبدأ لكي تنتهي. وأن معركة التحرر مقبلة باستمرار. أمامنا. وأن الحرية لا يصنعها الآخرون لنا، وإنما نصنعها بدمنا، وأجسادنا، وأحلامنا، وأطفالنا، بل كأن جبران مع قافلة الشهداء يقولون: "لا يرث الشهيد سوى الشهيد"، و"لا يرث الحرية سوى أهل الحرية"، و"لا يرث الوطن سوى مستحقيه"...
عام بمئة عام، عام 2005. جمع كل المتناقضات والمفارقات، وصقلها في معركة الاستقلال، وكشف "الحقيقة" وإسقاط النظام المخابراتي المفروض، برموزه وقتلته وسَفَلَتِه وفَسَدَته. جمع الدمعة والفرحة. التراجيديا والملحمة. القتل والانبعاث (انبعاثنا وليس استبعاثهم غير المنبعث إلا من روائح الاجرام) السواد والرجاء. الدم و"نهر الحرية"، الرحيل والعودة. جمع ما لا يجمع إلا في اللحظات التاريخية القصوى. اللحظات الحاسمة بلا تردد. ولا خضوع للتهديد والارهاب. وكان لهذه المتناقضات أن تفتح كل الأبواب والنوافذ والطرقات والشوارع والأرصفة والشرفات، وكأنها تفتتح زمناً جديداً. زمناً ينفي العبودية، والذل، والمصادرة، والخوف، والسكوت، زمن الصرخة المدوية بأصوات الشباب والكهول والنساء والأطفال، من كل دسكرة، ومدينة، وبقعة من بقاع الوطن. فكأن هذا الزمن الذي بزغ في الانتفاضة، هو "زبدة" الحقب. زمن جمع صفوة الشهداء في موكب مفتوح. وجمع وراء هذه الصفوة ما كان مستحيلاً جمعه. أو الأحرى ما كان ممنوعاً جمعه. ذلك أن عام 2005 كان تلك اللحظات التي اخترقت الخطوطَ الحمراء المرسومة بالارهاب. كان تلك اللحظات التي اخترقت المحظورَ الذي سنَّت "قوانينه" الوصاية السافرة، أو المقنَّعة بالعملاء واللصوص والمجرمين. عام الخروج على "القواعد". القواعد التي تُبرر ما تبرر من فرض وقمع وهيمنة. بل كان تلك اللحظات التي انتفض فيه "المسجونون" على "سجانيهم"، كسروا أقفال السجن الكبير، وحطموا جدرانه "الباستيلية"...
عام 2005 كان بمئة عام. عام الذين، وبعد ثلاثة عقود من الوصايات والاحتلالات، قرروا أن يضعوا الوطن على صورتهم. على صورة المجتمع الذي تململ طويلاً ثم انتفض لنفسه بما يشبه المعجزة، أو الرؤيا، لا على صورة النظام الدكتاتوري البائس، الذي أراد أن يصنع المجتمع على صورته البائسة. عام الذين، وفي تقدّمهم الى التحرير وضعوا حياتهم قرابين على مذبح وطنهم. فهو عامهم. عام شهداء الثورة البيضاء من شدة تلاوينها، عام شهداء الانتفاضة الواحدة من قوة تعدديتها، عام شهداء الديموقراطية من شدة ما في نفوسهم من إيمان الديموقراطية.
عام 2005 عام القتل! نعم! لكنه عام الشهداء وفي مقدمهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، هؤلاء الشهداء الذين أشعلوا ما أطفأه نظام الوصاية، وكسروا الحواجز والأسوار التي رفعها، وانضموا طويلاً طويلاً الى ينبوع الوطن، ذلك الينبوع الذي تفجر ليصنع أيضاً كل نهر من أنهار الحرية...
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.