معرض بيروت العربي والدولي للكتاب صمد طويلاً، على امتداد حروب بعض النظام العربي واسرائيل وأميركا على لبنان واللبنانيين. صمد وسط الحروب والمعارك والضغوط وارهاب المسلحين، وتنامي الطوائف والطائفيين، واشتداد هيمنة الذين مروا بنا، مرور غير الكرام. بمعنى آخر، صمد ا لمعرض، حتى عندما انهار المجتمع حوله، وانهارت الثقافة، والسياسة، وتفككت البنى والوشائج، وزالت الدولة، واختزلت في "كانتونات" وغيتوات مسيجة بالقتل، والعنف، والخوف، والعزلة... كأنه، كان، النقطة التي تبعث لتجمع ما لا تجمع، أو البقعة التي تلم بقايا الهوامش، وبقايا الابداعات، وبقايا ا لحريات المهدورة. كأنما كان مساحة حية لكل مما تبقى من آثار الخراب. أو ضوءاً يجذب شظايا الكلام والقول والفكرة.
على امتداد ثلاثة عقود، كأن معرض الكتاب كان رداً من ردود قليلة على سياسات الهيمنة المضرجة بالدماء والقمع والتسلط. كأنه كان "حرية" ما، وسط قضبان وسلاسل عندما حول الوطن كله، من اقصاه الى اقصاه، عرساً دموياً، وسجناً مكتمل الجدران والجلادين و... السجناء.
كأن هذا المعرض الذي تمرد على تصنيفات الحروب الطائفية والمناطقية، والايديولوجية، الوجه اللبناني ـ العربي الآخر. الوجه اللبناني الذي "انتفض" بصمت، على لبنان الطوائف، والمذاهب، والوجه العربي الذي انتفض بصمت أيضاً على قسمات النظام العربي، الذي تجلى عندنا، وعبر مختلف المراحل، "بأبهى" صور الاستبداد، والتآمر والقوة، والاستباحة. كان على كتبه وأوراقه ان تتنفس "خفية" أحياناً. كان على عناوينه ان تظهر بوجل أو بخفر أحياناً أخرى. كانت ممراته وواجهاته كأنها من ممرات سرية أو سراديب، يتحرك فيها الناجون من الحروب اما ناسه فكانوا يعلنون كل مرة أنهم ما زالوا في قلب الحياة. أي في قلب الثقافة. أي في الوطن. ناسه من أطفال وصبية ونساء وشبان وكتاب وشعراء وفنانين كأنهم كانوا آخر ما "نجا" أو أول من يطل من ملاجئ الخوف، واليأس.
هذا المعرض كأنه كان يبحث عن حرية ما في زمن انتهكت فيه الحرية. ويؤكد ديموقراطية في زمن سادته.
"الدكتاتوريات" الصغيرة، وعن عروبة في زمن صادر فيها النظام العربي العروبة، وحولها ذريعة للقتل والاغتصاب والسيطرة والفساد. وعن انتماء في زمن اختزلت فيه الانتماءات الى مما هو ضيق في العائلة، والمذهب، والقبيلة، والعشيرة، والمنطقة، والحزب، والتنظيم، والمنظمة.
هذا المعرض كأنه يحيا اليوم، لحظات حياته الأخرى تلك التي لم تتذوقها أجيال كاملة. تلك التي كدنا نقول انقرضت الى غير رجعة. كأنه اليوم، الأول، يأتي أولاً لا أخيراً. الأول بعد انهيار نظام القمع الوصي. الأول بعد الاستقلال. الأول بعد انتفاضة 14 آذار... والأول بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، أي الأول أيضاً بعد تبيان الحقيقة، حقيقة من اغتال الزعيم الوطني الكبير ورفاقه، ومن اغتال رموز الاستقلال كسمير قصير وجورج حاوي. فطعمه اليوم كأنه الطعم الأول. طعم أن ترى الحرية أمامك من دون حواجز الوصايات الأمنية. طعم أن ترى الاستقلال ولا من ينتهك أمامك، ولا من ينتهكك أمامه. ان ترى علمك يرفرف وكأنه ولد مع الانتفاضة. لأنه الكتاب الأجمل بين الكتب، والصفحة الأجمل. والغلاف الأجمل. والعنوان الأجمل. والمعنى الأجمل. وعندما تدخل الى قاعات المعرض في بيان، تحس كأن كتبه باتت انقى. كالهواء، وأن جدرانه أوسع كالهواء، وكأن مصابيحه أرحب. كالهواء ذلك أن كل شيء فيه، تحسه، اليوم، وللمرة الأولى يتنفس، لا يتنفس بالسر، أو بالتقسيط. أو بالخفية. وانما يتنفس بحرية من اكتشف كل رئاته دفعة واحدة، بحيث ان الهواء بات، في هذه الرئات، وكأنه أصغر منها، بل وكأنه منها. فما أجمل أن تتنفس الحرية وكأنك تتنفس نفسك. هذا العالم، بات للكتاب، ان يكون في معرض الكتاب، كائناً يحتفل بنفسه بقدر ما يحتفل به الناس. هذا العالم، بات للكتاب ان يكون، كتاباً، بعدما كاد يكون على امتداد 30 عاماً ورقاً، وجماداً، أو على الأقل، شيئاً يخاف نفسه، بقدر ما يخافه الآخرون. فلا عين معدنية ترصدك ضمن الكلمات. ولا قبضة تهددك وراء المعاني، ولا وصاية تستميح "تسلطها" وراء الصرخة. ولا رقابة تجعلها من نسيج ما تفكره، وما تكتبه، وما تحجبه، وما تشطبه. وما تنشره. وما تشعره. وما تهجسه. وما تتملاه.. رقابة الأجهزة، وقضاة الأجهزة. وعسس الأجهزة. وسخف الأجهزة اذ كدنا، نخاف، احياناً كثيرة، من أن يكون معرض الكتاب، على امتداد المراحل السابقة، وكأنه شهادة حسن سلوك لنظام فاشي، أو لسلطة غاشمة، أو فيترينة "نظيفة" لدولة المافيات والعمالة، والارتهان، والوصاية... اليوم، يمكن أن نقول ان كل شيء عاد كل شيء. عاد المعرض الى المعرض. والكتاب الى الكتاب. والقارئ الى القارئ. وليس بينها، ما يفسدها، وليس بينها ما يشوهها. وليس بينها ما يرهب، أو يفزع، أو يخيف. اذ ان الوصايات التي تعاقبت على امتداد الـ 30 عاماً، من وصايات بعض النظام العربي المشؤوم الى الاحتلال الصهيوني الغاشم، كأنها كانت وصايات كل هذه الأشياء الجميلة والجريدة والكتاب والمنشور. والشاشة. والمذياع. والشارع. والمقهى. والجامعة. والكلية. والمدرسة. والمصنع. والحقل... كل هذه الأمكنة كأنها كانت مصادرة تماماً كالكتاب. والقلم. والتفكير. ولهذا سيحس الزائر وهو يطوف بين أجنحة المعرض بحرية جديدة، وكأنه يطوف في كل بقعة من الوطن. في كل قمة من قمم الجبال. في كل حقل، وسهل، وقرية ومدينة، وحي، وكأن من أمكنة الوطن. بل سيحس وكأن هذا المعرض انفتح هذا العام، على جهات الوطن كله. فلا غربة. ولا غصة. ولا أسف. ولا ألم. ولا حذر. ولا ريبة. ذلك أن الأمكنة لا تفتح على بعضها إلا بالحرية. والكلام لا يفتح على بعضه إلا بالديموقراطية والوطن لا يصل الى كل أطرافه إلا بالاستقلال. والمشاعر لا تتحرك بملء تفجراتها إلا بالتحرر من القياد. في السابق كان ثمة كتب. وأمسيات. وندوات. وتواقيع. وافتتاح. ومثقفون. ومئات الوف من الزوار. في السابق، لأن كل شيء كان موجوداً، بحكم الاستمرار، والمرمى على الاستمرار. كأن كل شيء كان موجوداً بحكم التحدي ربما. وبحكم المواجهة، وربما بحكم اليأس. او الامتثال للأمر الواقع الذي بدا وكأنه ابدي. أو قدري.
في السابق كان هناك معرض، ورائع! لكن كأنما كان خلف المعرض، ما يُهدد المعرض، وما يُهدد الورق، وما يُهدد الحوار، وما يُهدد السجال، وما يُهدد الكلام. كان المعرض واجهة رائعة على خلفية مجهولة، تخفي ما تخفي، من القتل والرعب والاستيعاب. بل كأن المعرض الذي كان موجوداً (وبقوة) سائر الى وجهات لا يتحكم بها أهلوه وصناعه، بقدر ما يتحكم به، وإن وراء الكواليس، من هم غير سكانه وأهليه وناسه. كأنما شيء غير طبيعي يشوب هذه الظاهرة "الطبيعية".
هذه المرة كل شيء طبيعي، المعرض طبيعي، ناسه طبيعيون، أروقته مكشوفة. ستانداته شفافة، زواره واضحون، ذلك أن الحرية هي انكشاف قبل كل شيء، وشفافية، ووضوح ذلك أن الاستقلال لا يعني التحرر من الوصاية أو الاوصياء فحسب، وإنما ايضاً ان يعود كل شيء الى طبيعته. أي الى حقيقته، أي يتحرك كل شيء إلى حيث يجب أن يتحرك من دون عقبات أو اكراه أو حواجز.
فالزوار، هذا العام، لا يستمتعون بالكتب فقط. ولا باللقاءات، ولا بالتواقيع، ولا بالجولان ولا بالندوات، يستمتعون بهذا كله انما بمشاعر طازجة، مشاعر تجمدت عقوداً. وكتبت عقوداً فالاستمتاع بالكتاب بات ايضاً استمتاعاً بالحرية والاستمتاع باللقاء بات استمتاعاً ايضاً بكشف الحقيقة والاستمتاع بالمقهى بات استمتاعاً ايضاً بمعاني التحرر والانعتاق.
بات المعرض حقيقة موازية لحقائق جديدة. حقيقة ملموسة لحقائق ملموسة. وها هي أجنحة الشهداء، شهداء الاستقلال من الرئيس رفيق الحريري، (شيخ الشهداء) ورفاقه، إلى باسل فليحان، وسمير قصير وجورج حاوي. إنها أجنحة الحياة التي يصنعها الشهداء. هذه الأجنحة كأنها من كل الكتب التي كتبت ومن كل الكتب التي ستكتب. رفيق الحريري صانع الاستقلال الجديد، ها هو يبتسم في "كتاب الحياة" على امتداد مسيرة قصفها المجرمون من أهل الوصاية والقتل؛ ها هو يحيي العهد الجديد في مواكبة الآخرين منه، والناس والمشاريع والانجازات... ها هو، كأنه يرفع من عينيه، واصابعه ووجهه وجسمه وصمته اشارات النصر. فهو انتصر. ونصره تراه أمامك، تراه في كل أرجاء الوطن، وتراه أمامك في المعرض، وجوده هنا، وبهذه الشفافية، وبهذه القوة، دليل انتصاره... فالمعرض بات ايضاً من علامات الانتصار، تظلّله روح الشهيد الكبير. وتنفخ فيه اشارات الأمل والرجاء والأماني الكبار.
وها هو سمير قصير، كأنما لم تغادره. كأنك انتهيت من توك من قراءة مقال له، أو كتاب، أو حديث. ها هو أيضاً، في المعرض، ومنه واليه، علامة أخرى من علامات اجتياز المراحل السود، مراحل الاستبداد وجميل السيد وغازي كنعان، ورستم غزالة وسائر اللصوص والمجرمين والمافيات...
جورج حاوي، مؤسس المقاومة الوطنية، وكاتب أول بيان لانطلاقها كأن وراء عينيه تاريخاً من النضال الخصب، تاريخاً من الكفاح من أجل التغيير والتحول والعدالة... ها هو بابتسامته العريضة، كأنه يبتسم لنا... يبتسم للأحرار.
لأهل 14 آذار. لأهل الانتفاضة ذلك أن المعرض، ليس محط تذكر، فحسب، وانما محط انطلاق، اشارة مرور للعابرين بالعبور نحو مستقبل نملكه، ونطوره ونصنعه، او ليس هذا ما استشهد من أجله جورج حاوي؟ وباسم فليحان، كأنه ايضاً كتاب (أو شراع كما سماه الصديق الياس عطالله)، صدر حديثاً، كتاب عن معاني التضحية والفداء والتجرد والعلم وحب الوطن.
ذلك أنك لا تقصد المعرض، هذا العام، لمجرد أن تتبضع بالكتب فقط، ولا تقصد المعرض لتتفقد أجنحته، وتلتقي ناسة فقط، انت تقصد المعرض هذا العام، كما تقصد كل مكان تحرر. وكل بقعة انضمت إلى ناسها. تقصده لتعرف من جديد، ماذا يعني أن يكون الكتاب حُراً والزائرحراً، والأمكنة حرة والهواء حراً، والأنفاس حرة.
تقصد المعرض هذا العام، لترى الحقيقة كلها، أمامك، حقيقة سقوط النظام الأمني، وزوال عصر الوصاية، وظهور الحقيقة، حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد الحريري، لترى كم أن الحرية جميلة الجميلات بين الكتب، وكم أن الاستقلال فارس الفرسان بين الكتب، وكم أن الديموقراطية شفيعة الثقافة والسياسة والناس والمعرفة، وكم أن شهداء الوطن موجودون موجودن حولنا وقدامنا وفينا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.