...والعروبة أيضاً لها مقابل. ودائماً كان لها مقابل. تماماً كالحرية، والاستقلال، والأمن، والاستقرار، والبقاء على قيد الحياة. ذلك أنها أيضاً باب من أبواب الارتزاق، والتجارة الموسمية، ومصدر من مصادر الاستثمار، وسلعة من سلع معروضة لمنطق العرض والطلب. فلم تعد عند بعضهم، وتحديداً عند أحزاب وأنظمة، انتماءً ولا مشروع انتماء، ولا هوية، ولا مشروع هوية، أو فكرة، أو مشروعاً فكرياً، ولا عاطفة أو شغفاً أو حلماً، كما كانت على امتداد جزء كبير من القرن الماضي، وعلى امتداد المرحلة النهضوية. ذلك أن العروبة، في تلك المرحلة، لم تكن فقط استبطاناً لقسمات، ولأصول، ولتجذر فحسب، وإنما أيضاً طرائق تفكير، وخصوصاً من وسائل التحرر والتحرير والاستقلال والحرية. كانت درباً كثيرة السبل والمفترقات والأهداف. بمعنى آخر، لم تكن من ثورة تحرير لتقوم من دون فكرة العروبة. ولم يكن من هاجس تقدم، أو تطوّر بعيداً من فكرة العروبة. ولم يكن من سبيل للعدالة الاجتماعية كالاشتراكية والصراعات الاقتصادية، وحتى الطبقية، والمناطقية والجغرافية، من دون فكرة العروبة. إذ أنها لم تكن فكرة تجريدية فحسب، ولا محضاً ميتافيزيقياً، ولا ماضوية تشيع في الحاضر والمستقبل، بقدر ما كانت عند كثيرين من المثقفين والمفكرين والأحزاب سبيلاً الى التحقق، أكثر فأكثر، طريقة عيش، ونظام حكم، وأفق التزام محسوس.
هذا ما رأيناه وقرأناه عند الكبار من عروبيي النهضة، والاستقلال، والتحرير، من الطهطاوي الى محمد عبده. الى مصطفى وعلي عبد الرازق، وفرح أنطون، وناصيف اليازجي، والبساتنة... وهذا ما ظهر في المجتمعات. إذ إن العروبة، (وفكرتها المباشرة ومنظورها القومية العربية) لم تكن طبقة فوقية، أو سطحاً يركب فوق المجتمع. كانت فكرتها طالعة من التاريخ الاجتماعي. من خلفيات الناس. وبقدر ما كانت تاريخيتها متأصلة أو ممتدة، كانت في الوقت ذاته عابرة الضمائر، وأشكال الوعي وتعابيره ومضامينه، من حيث إنها فكرة جماعية تتبناها النخبة، ومن حيث هي كذلك فكرة نخبوية تعبر تجارب المجتمع. بمعنى آخر كانت العروبة خروجاً دائماً من ذاتها، سواء من خلال التفاعلية الحية بالواقع (وبالحلم) أو الحوار، أو الجدل أو أي تماس بالعيش، وأنماطه ومسائله. وفكرة الخروج تعني المجتمع أولاً وأخيراً بقدر ما تعني المثقف والكاتب، والملتزم. ولذا كانت العروبة حركة خروج من ذاتها أولاً، من معطياتها الموروثة، ومن تقاليدها، ومن أنماطها الألفية، ووقائعها التاريخية. وفكرة الخروج جعلت العروبة ملازمة للنهضة، وللتنوير، وللتطوّر، وللتقدّم، من دون تقنين أو تأطير أو توجيه أحادي أو ما شابه ذلك. وهذا يعني أنها ملازمة لكل تغيير. ولكل ثورة. ولكل انتقال من حالة جاهزة الى حالة مفتوحة.
هكذا كان للعروبة أن تخصب. وأن تتعدد. ذلك أن العروبة بقدر ما هي "مفاهيم"، بقدر ما هي مجافاة للأحادية. أي للتعصب، والانغلاق، والدوغماتية. والتقوقع، والشوفينية، وللهوية القاتلة. هوية العروبة أن تكون مفتوحة على مختلف هوياتها أي على مختلف مكوّناتها. لهذا انفتحت على كل الأفكار الوافدة وغير الوافدة، على الاشتراكية، والماركسية، والليبرالية، والديموقراطية، والدين، وحتى الانتماءات الضيقة. إنها العباءة التي تظلل كل الحيويات، وكل الارهافات، وكل التناقضات. والاختلافات، والخلافات، والتماسات، والتطلعات، والتعابير. بهذه التفتحات كنا مع عبد الناصر العروبي. النهضوي، الاشتراكي، الشرقي، الغربي، وبها كنا مع أحزاب كثيرة، كحزب البعث (ليس كما هو اليوم) بل عندما كان مشروعاً طليعياً وثورياً، ينحو في فضاءاته الى الديموقراطية، والحرية، والاستقلال، أي عندما كان انخراطاً في المجتمع والتاريخ.
هذا عندما كان للعروبة أن تكون عروبة، لا شعاراً ولا مجرّد لقب، أو قناع أو ذريعة، أو يافطة، أو صفة مبهمة، أو نعت ببغائي...
اليوم، أقصد ابتداء من نهاية الستينات، بدأت العروبة مع الأحزاب والتنظيمات التي وصلت الى السلطة باسمها، مجرّد لقب. وكان على هذه الأحزاب التي انقلبت على الأوضاع، بالقوة، أن تضع على دباباتها (الليلية) وبنادقها، ومدافعها شارة العروبة. وكان على هذه الأحزاب التي اغتصبت السلطة أن تضع معادلات جديدة للعروبة، معادلة العروبة تساوي القتل، العروبة تعادل القمع. العروبة تعادل الاستبداد. العروبة تعادل الظلم. العروبة تعادل الدكتاتورية. العروبة تعادل الخوف، والرعب. العروبة تعادل تكريس التسلط. والبوليسية. والمخابرات. والسجون المفتوحة. وضرب مقوّمات الدولة. والنخبة العسكرية المختارة. أي معادلة العروبة ضد العروبة. العروبة التي تنفي العروبة.
فعندما تكون شارة على دبابات الانقلاب، فمن الطبيعي، أن تستمر وبقوة شارة على جدران السجون، والمعتقلات والنفي، والفساد، والترويع، ومصادرة الحريات، وقمع الديموقراطية. كل هذا أدى الى معادل عمومي: العروبة تعني اللاعروبة. العروبة لكي تستمر شارة، عليها أن تستمر كشعار فحسب. فكان على الأحزاب الحاكمة باسم العروبة، أن تُصفّي العروبيين أولاً، والقوميين العرب، ومختلف مكوّنات هذا الانتماء المفتوح، من أفكار اليسار واليمين والليبرالية وتقضي على حرية التعبير، والتنوير، ورموز التنوير، لكي تحل محلها عُصب معسكرة، وعُصب طائفية، وعائلية، وقبلية، وحزبية مفرغة من مضامينها. تحوّلت العروبة بزة عسكرية. وحذاءً عسكرياً. وعلامة طائفية. ونسباً مذهبياً. وانتماء سلالياً. وتحول "كبار" العروبيين من "حالمين" بالوحدة العروبية (الحرة، والمتكافئة والشعبية) الى رؤوس كانتونية، انعزالية، وتحوَّل "كبار" العروبيين من دعاة الى التحرر، الى طغاة. وتحوّلت الشفافية الجماهيرية الى نرجسية فردية، وتحوّلت التعددية الى أحادية الحزب الواحد، والطائفية الواحدة، وصولاً الى العائلة الواحدة "المقدّسة" و"المؤلّهة". فأين هي العروبة؟ أين صارت مع هؤلاء؟ وأي مآلٍ ينتظرها؟
عندما تتحوّل الأنظمة "المفترض" أنها وصلت (وإن بالقوة) الى الحكم، الى شراذم طائفية ومذهبية وعائلية، فمن الطبيعي، وفي ظل غياب الأدوات الأهلية من أحزاب ونقابات وديموقراطية مما يجرِّد المجتمع من كل مقاومة أو ممانعة أو حتى حضور فاعل، فمن الطبيعي أن يصير المجتمع أو جزء منه على صورة الطبقة الحاكمة: مشرذماً طائفياً، ومذهبياً وعائلياً وقبلياً. أي مجتمعاً يطفو على كل ما يُهدّد وحدته، وانتماءه، ومصيره ومصالحه. فعندما كانت الناس على امتداد ما سميناها لحظات الخروج تحاول أن تجعل من عروبتها سلاحاً تغييرياً وتنويرياً وعقلانياً ومدنياً وتحريرياً، باتت اليوم، وتحت إلزامات القشور الطبقية الحاكمة، تجد نفسها مستسلمة لتتبنى نموذج "نخبها" المتسلطة. فلا حرية. ولا وحدة. ولا اشتراكية. ولا اقتصاد. ولا ديموقراطية. ولا "انتماء". أي تجد نفسها، مدفوعة بمشاعر الاحباط والخوف والرعب والهزيمة الداخلية، الى الارتداد على كل ما صنع أحلامها المشتركة، وطموحاتها التاريخية، وأفكارها التوحيدية. أي الارتداد الى "وحداتها" الصغيرة، الى العائلة، والطائفة، أو الى الأديان، بمناخاتها الحاكمة بلجوئها أيضاً الى مكعباتها الاثنية والمذهبية، مهدت الطريق لتفشي هذه الظواهر داخل المجتمعات. وهذه الطغم، التي أنجزت من الهزائم العسكرية (المظفرة بإذنه تعالى والمُكَلَّلة بالغار والنصر والفتح) ما أنجزته من قهر ونهب وظلم وسرقة وخيانة، تحاول أن تكرّس حضورها عبر تفكيك هذه المجتمعات، ولكن بشعارات أفرغت من محتواها وقوتها، لا سيما العروبة. بعض العائلات "الثورية" الحاكمة تخلّت حتى عن فكرة العروبة لتجد شعاراً آخر ربما "أجدى" لها، شعار الدين. فمن المتاجرة بفكرة العروبة ومصيرها، جاء دور الدين كسلعة سلطوية هنا، وكسلعة أصولية هناك، وكعامل تفرقة بين الأديان وصراعات بينها هنالك.
إذاً بات عندنا سلع عدة. للعرض والطلب. الدين كسلعة في أيدي المسلعين. والعروبة كسلعة في أيدي الأنظمة. ولهذا يمكن القول ان "العروبة" الملزقة كيافطة على قشور الأنظمة، تخضع، كأي تجارة أو سمسرة، لمنطق العرض والطلب، وأحياناً لمنطق الأوكازيونات الموسمية. هنا ترفع "أسعارها"، وهناك تخفضها. على أن تكون بضاعة وطنية في هذا الظرف، وبضاعة مستوردة في ظرف آخر. وهكذا تصبح العروبة على أيدي الأنظمة الحاكمة سلعة تُصنَّع، كصناعة الأحذية، والمواد الاستهلاكية. أو لم يحدث ذلك عندما كان للعروبيين أن يصنعوا "طائفية عروبية"، أو مذهبية عروبية، أو عائلية عروبية، بحيث فازت صناعتهم هذه بكل الرتب والرواج، في زمن قضوا فيه على كل شيء، ما عدا الاستبداد، وبأي ثمن، والسلطة بأي ثمن، والنهب بأي ثمن، وسحق المجتمع المدني بأي ثمن.
هذه الأنظمة، وبسبب هذه "الصناعات" الرخيصة الاستهلاكية لأنواع العروبة الفئوية والاثنية، كأنها صنعت أيضاً مُرَكَّباً جديداً أرادت تسويقه وكان له فاعلية في تدمير الوشائج، وتفكيك البنى، وتبديد الانتماء، وخلق أشكال من العنصرية (التي أشرنا إليها)، مما ينطبق عليها وصف "العروبة المتصهينة". أقصد عروبيات الأنظمة التي لا تنتمي الى جوهر العروبة ولا الى تجلياتها، ولا الى مفاعيلها.
لبنان الاستثناء، كان له وبقوة الجوارين الاسرائيلي و"العروبي" (المشار إليه أعلاه)، أن يستهلك وعلى مدى ثلاثين عاماً بضاعة هذه "العروبة" الطائفية المتصهينة. وكان سوقاً رائجة لها، تجلت في مناخات التقسيم والمذابح وأشكال التهجير، التي خدمت "صُنّاع" تلك "المخدّرات" و"الممنوعات" (القومية)، من "ممثلي" النظام العربي، والذي بفضلها أرادوا الهيمنة أو السيطرة... أو الوصاية. إذاً باسم عروبة متصهينة وسعت تخوم الاستبداديات العربية لتعم لبنان. وإذا كانت معارك التحرير العربية جرت بقوة الانتماء العروبي، فكانت العروبة ملازمة للاستقلال، فإن "بتوع" النظام العربي الجدد، جعلوا عندنا فكرة الاستقلال تبعية. كل مطالبة برفع كل وصاية كان يرد عليها بالتخوين والارتباط بالخارج، ومعاداة السيادة. تأملوا أن السيادة صارت نقيضاً للعروبة! والاستقلال صار نقيضاً للعروبة. بل أكثر: المطالبة بالاستقلال صارت شعاراً ضد السيادة! ولأن النظام العربي الوصي من المختبرات الأساسية لفكرة العروبة الموسمية الأوكازيونية والمسلعة والأدرى بأسواقها وقنوات ترويجها، فقد جعل من نفسه ليس وصياً على البلد فحسب، بل وصياً على العروبة ومالك مفاتيحها، وجناتها وجنانها ونياشينها وجوائزها. فهو الذي يصنف الناس. هو ينزع عنهم "عروبتهم" وهو يمنحهم إياها. والقاعدة الأساسية، أن العروبة يجب أن تمر بجمركه، أو بدوائر أمنه، واستخباراته، أو بسجونه، فأنت عروبي، بالنسبة لهذا النظام المستوصي نفسه عليك، يعني أن تقبل (وبشغف وبفخار قوميين) الوصاية. أن تتخلى عن الحرية. أن تكون عميلاً ضد الوطن. أن تكون متخلفاً، أن تكون طائفياً. أو مذهبياً. ولا أظن أن أحداً (إذا استثنينا اسرائيل) عمل على ضرب فكرة العروبة العلمانية أو المدنية أو الفكرية بقدر ما ضربها الناطقون باسم العروبة، من فاشيي النظام العربي. ولا أظن أن أحداً رَوَّج لفكرة العروبة المذهبية بقدر ما روّج لها أهل الوصاية الذين ينصبون أنفسهم مرجعيات للعروبة. ولا أظن أحداً هجس القضاء على فكرة التغيير واليسار والديموقراطية والوطنية بقدر ما هجس "بتوع" نظام الوصاية. ولا أظن أن أحداً عمل على تفكيك أواصر المجتمع وتكاوينه وتلاوينه، بقدر ما عمل أدعياء العروبة. ولا أظن أن أحداً رأى في العروبة عدواً له ومنافساً وعقبة بقدر ما رأى المتشدقون بشعاراتها. ذلك أنهم يريدون مجتمعات مقسمة لا يجمعها سوى هشاشة "مذهبيات" تكون معيناً لهم في الهيمنة. ولأن فكرة العروبة توحد الجذور، فقد رأوا فيها خطراً على سلطتهم المذهبية، وامتداداتها عندنا في لبنان. وكان عليهم أن يتبنوا هذه الطائفة تارة، لتكون في مواجهة الطائفة الأخرى، لكي يستمر الصراع أو سمات الصراع، لا فكرية ولا سياسية، ولا اجتماعية وإنما طائفية. وهكذا وباسم العروبة كان عليهم أن يديموا حالات من الكانتونية المذهبية، وتفشيات من أمراض التعصب المفتعل، ومناخات يأس من كل احتمال بخلاص عن طريق التوحد، أو الحرية أو الاستقلال. أي محاولة التيئيس من العروبة باسم العروبة. والتيئيس من الوطنية باسم الوطنية، والتيئيس من التغيير باسم التغيير، والتيئيس من السيادة باسم السيادة. وعندها تكون العروبة وشعاراتها المستتبعة قناعاً للوصاية، والاستبداد، والتمزق، والكانتونية، والظواهر الطائفية المتصهينة. وهكذا يضربون عدة عصافير بحجر واحد: خدمة الظواهر المتصهينة التي تصب في الحلم الاسرائيلي القائم على وجود مجتمعات غير مدنية مفككة عندنا، ثم خدمة المخططات الاستعمارية الشتى التي لا تختلف في جوهرها عن تلك التي تعمل عليها الدوائر الصهيونية، ثم خدمة الاتجاهات الاستسلامية بالتخلي عن الأراضي مقابل التمسك بالنظام، أو بأبواته وأخواته وأقربائه، ثم خدمة كل من لا يريد لهذا البلد (أو لكل بلد عربي) أن يكون له دور فاعل في عملية التحرير والتغيير والنمو والانماء والاعمار.
ونظن أنه لهذه الأسباب وسواها اغتالوا الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وسمير قصير وجورج حاوي... ونظن أن "خطيئة" الحريري بالنسبة إليهم أنه أراد أن يوحد البلاد تحت شعار السيادة، والعروبة، والتغيير، والتحديث، والديموقراطية، وفي ظل إحياء لأدوات المجتمع المدني. فهذه كلها تهدد توجهاتهم "الخوارجية"، ومخططاتهم التقسيمية، وتواطؤاتهم المستريبة المتعلقة بالقضايا المركزية. ونظن أن الخطيئة "المميتة" الأخرى التي "ارتكبها" الحريري، عندما أراد أن يُعيد لوطنه دوره النهضوي والسياسي الفاعل. أي بالكف عن اعتباره مجرّد طوائف ومذاهب وكانتونات متناحرة، غارقة في الانحطاط الحضاري والثقافي والاقتصادي. ولو استعرضنا الأسماء التي تم اغتيال أصحابها، فسنجدها كلها منتمية الى العروبة، والى الجتمع المدني، والعلمانية، ومن دعاة الديموقراطية. وهذه كلها لا بد أن يجد فيها نظام الوصاية سهاماً موجهة إليه كنظام محا العروبة من ممارساته وأفكاره، وأجهض فكرة التغيير، والتوحيد، والانفتاح.
اليوم، وبعد 14 آذار الطالع من 14 شباط، وبعد استرداد السيادة، كان على نظام الوصاية أن يكرر سيناريواته التاريخية. أن يحاول تجديد حالات الانقسام (الظواهر المتصهينة)، والطائفية، ويدير اسطوانات الحروب الأهلية، ويُذكر بأن هذا البلد، وبسبب "بعده" عن العروبة غير قابل لحكم ذاته أو لتكوين قسماته الوطنية. وفي هذياناته "اللازمنية" البليدة بالطبع، كان عليه أن يجمع بين "انتصاره" لعروبة متصهينة أنهى مفاعيلها 14 آذار، وبين أدواته الارهابية يهدد به المجتمع والمصير ورموز الاستقلال، وهكذا نراه يوزع الاتهامات الى كل صوب؛ يتهم العروبيين بالتنصل من العروبة. وأهل العروبة بأنهم أعداؤها وأهل السيادة بأنهم مأجورون، وأهل الحرية بأنهم مرتبطون، والخارجون من حالات التمزّق التي انتعلها بالخوارج.
ذلك أن ما فجع أهل الوصاية، أو أكثر ما فجع أهل الوصاية، أن أهل الحرية والاستقلال إنما انتصروا، أولاً وأخيراً، بفكرة العروبة. بل كأن العروبة التي وأدتها هذه الأنظمة، واضطهدتها، وشوهتها، ومسحت بها قذاراتها وجرائمها، وجعلتها يافطات لمذهبياتها، ولبناها السلالية، هذه العروبة طلعت مظفرة، جديدة "خلنج" من ظاهرة 14 آذار الى درجة يمكن اعتبار "انتفاضة الاستقلال" هي انتفاضة العروبة. العروبة الديموقراطية، التعددية، الشعبية، المدنية، أي كرد على عروبياتهم الشعبوية والطائفية والاستبدادية والدكتاتورية والاستغلالية، المتوجة بالهزائم وبتبريرات الهزائم، بل المتوجة بحرص هؤلاء على اعتبار الهزائم والبقاء في حالات الهزائم شرطاً من شروط البقاء في كرسي التسلط.
بل وأكثر: يمكن اعتبار انتفاضة العروبة في 14 آذار بعثاً (لا أقصد الحزب بالطبع) لأحلام النهضة العربية التي قامت أساساً على فكرة العروبة التنويرية، العقلانية، التوحيدية، الشعبية، الديموقراطية، والتي أطفأتها طلقات الأنظمة "الظلامية" المتوحشة والدكتاتورية.
ونظن أن على مَنْ يريد "امتحان" عروبته أو فحصها، أن يتوجه الى أهل الانتفاضة، وليس الى مكان آخر؛ وعلى مَنْ يريد أن يرى "العروبة" بعيون جديدة، عروبة الشباب التغييري الاستقلالي، عليه أن يتوجه الى أهل الانتفاضة، وليس الى مكان آخر. ولهذا، لا نرى مبرراً ليكون أهل 14 آذار في مواقع الدفاع عن "عروبتهم" التي يشكك فيها أهل اللاعروبة وقَتَلَتها.
ونظن أن الخطوة الكبيرة التي خطتها الانتفاضة إنما مهّدت الطريق واسعاً للعبور من عروبة الجاهلية (والجاهليين والجهلة) الى عروبة متجددة، أي من عروبة الجاهلية المختزلة بالأنساب والأفخاذ والبطون والطوائف، الى عروبة حضارية، وطنية، متفتحة وحديثة.
الطريق في أوله؟ نعم! صعب؟ نعم! غالٍ؟ نعم! ذلك أن أعداء العروبة، لن يوفروا سبيلاً، لضرب فكرة هذه العروبة الديموقراطية، باسم العروبة بالطبع! أقصد باسم أنظمة العروبة البائدة!
فنحن لسنا في مرحلة الوصول. بل الانطلاق! إذ إن العروبة لا تصل إلا بقدر ما تتجاوز نفسها.
وها هي تصل ثم لا تصل. ها هي تترسخ لكنها تمشي كالنهر قاطعة المستنقعات وأشكال الجمود والتخلف والاستبداد والتبعية!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.