8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

من استقلال الـ43 الى انتفاضة 14 آذار

(تتمة المنشور ص1)
في السنوات الثلاثين الماضية، وربما قبل ذلك، كان لنا، ان نثبت، بالصوت والفكرة والصورة والوعي وربما بالالزام وربما بالالتزام، أننا لا نستطيع أن نعيش بلا استقلال، من خلال اعترافنا بأننا مستقلون، ونتمتع بممارسة ارادتنا الحرة في شؤوننا ومصيرنا، من دون أن نكون مستقلين. فأجمل الاستقلال هو الاستقلال الافتراضي. والاستقلال الافتراضي يجعلك كالشاعر الذي عليه أن يُصدّق أخيلته أو مشاعره الملتبسة. وعليك أن تقارن بين الاستقلال الافتراضي الموجود في مخيلاتنا، وعلى امتداد الحروب، وبين الاستقلال المفترض أنه حقيقي قبل الحروب. بل وكان عليك أن تقارن بين الاستقلالين وتفضل الاستقلال الافتراضي. الوهمي. أو فلنقل الاستقلال ـ الذريعة الذي ينفي الاستقلال "الحقيقي". ولأن الاستقلال عادة من عادات الشعوب. أو هكذا يجب أن يكون، فكان علينا، وحتى في ظل كل الوصايات والاحتلالات الجاثمة، أن نعتاد استقلالاً من دون استقلال. أن نعتبر المسألة عادة لغوية أيضاً. أو عادة فكرية تجريدية. فأجمل الاستقلال هو الاستقلال التجريدي. وفي السنوات الثلاثين الماضية مرت ثلاثة أجيال وربما أربعة، لا تعرف إلا هذا الاستقلال الافتراضي أو التجريدي. لم تلمسه. لم تره. لم تتنسمه. لم تتذوقه. وعليها ألا تحلم به، لأنه، بكل بساطة، موجود وإن كان غير موجود، ويجب على هذه الأجيال الشابة أن تقول انها تتنعم بهذا الاستقلال الذي لا تعرف عنه شيئاً. باعتباره كائناً "خرافياً". إذاً، فأنت لا تحتاج الى استقلال لأنك تمتلكه. وعندما تبحث عنه ولا تجده، فعليك أن تعلن أنه في متناولك. قربك. في الشارع. في البيت. في الطريق. في القرية. في الغابة. في المدرسة. وفي دفاتر المدرسة. وفي البرامج. وفي التلفزيون. وفي الاذاعة. وفي الجرائد. والمجلات. وفي الانتخابات وحتى في المباريات الرياضية، والاستعراضات الكشفية. هكذا فأنت مستقل من دون أن تكون مستقلاً. وقد تكون من المرات القليلة في تواريخ البشر التي يجب أن تقتنع فيها بأنك مستقل من دون أن تكون مستقلاً. وأن تحتفل مع من أخذ منك الاستقلال، بالاستقلال. وهو، قبلك، يحتفل باستقلال أخَذَه، وصادره، وامتهنه. فسارقو الاستقلال أولى من أهله بالاحتفال به. ولا بأس ان احتفلوا به من دون أن يكون لك أن تحتفل به. ذلك أن الاستقلال يحتفل به أهلوه. وعلى أهليه، يعني أهل الاحتلالات والوصايات والانتدابات، أن يحتفلوا باستقلالك، حتى في غيابك. وهذا شيء رائع! وحضاري، وانساني، ووطني، لأنه كان عليك، وعلى مدى ثلاثين عاماً، أن تصدق أن الاستقلال يعني ضرورة وجود وصاية خارجية عليك. ويعني تالياً، أنه إذا غابت أو رحلت الوصاية غاب الاستقلال، ورحل. فالاستقلال مرتهن بعدم الاستقلال. والوصاية شرط من شروطه. بل ولأنك نسيت ربما، وهذه هي حال الاجيال الجديدة، ما هو شكل الاستقلال، وما نكهته، وما ملامحه، فقد كدت تصدق أن الوصي عليك هو بطل استقلالك، وان العملاء هم أبطال الاستقلال الناجز تحت الوصاية. فمثل هذه الأمور قد تكون حدثت في بلدان أخرى، وفي أزمنة أخرى.
إذاً، كان عندنا استقلال افتراضي ووصاية حقيقية. وكانت الأيام تمر كما أريد لها أن تمر. وأن نستطعمها كما أريد لنا أن نستطعمها، وكانت كل الأفكار تمر من تحت عباءة هذا الاستقلال "المفروض" عليك من أهل الوصايات.
هكذا كان الاستقلال الخاضع للوصاية: شيئاً لا يشبه نفسه. ولا يشبهك، ولا يشبه ناسك. ولا الأجيال المتعاقبة. ولا سماءك. ولا أرضك. ولا كلماتك. ولا حياتك. وحتى لا موتك. استقلال يشبه الموتى. والقطعان. والقتل. والالغاء. والمحو. والاذلال. والانتهاك. والسجن. والأغلال. فأي استقلال هذا كان عليك أن تحتفل به ليجدد قتلك. أي استقلال هذا كان عليك أن تفرح به ليجدد "استقلال" الوصاية عليك.
هكذا كان الاستقلال: خوفاً من الاستقلال، وخوفاً على الوصاية والأوصياء. خوفاً من الحرية. وخوفاً على مصادريها.
هكذا كان. وها نحن اليوم عشية اليوم المعتاد. الثلثاء في الثاني والعشرين من تشرين الثاني. ننتظره. وها نحن نبكر إليه، على غير عاداتنا. ذلك أنه، هذا العام، نريد أن نحتفل بالاستقلال باعتباره استقلالاً. باعتباره كائناً مختلفاً. وليداً جديداً لا تتعدى سنّه الأشهر. استقلالاً جديداً، طازجاً، نضراً، كفاكهة بلادي، حيّاً كالفصول، حقيقياً كالهواء. هذا الاستقلال، وربما ككل استقلال، انبثق من لحظات العذاب، من المأساة. من القتل. من الدم. تتذكر 14 شباط واستشهاد الرئيس رفيق الحريري. فما كان أفدح الخسارة. وما كان أغلى الضحية. وما كان أعز الشهادة. تتذكر ظهراً، أنك سمعت الانفجار. وخفت. وتوجست. ثم تتذكر أنك بكيت عندما عرفت أن أهل الوصاية اغتالوا الحريري بألف كيلو من المتفجرات. ألقوا قنبلة ذرية صغيرة على رجل. يا للهول؟ يا للاجرام؟ ما كان يريد أهل الوصاية وعملاؤهم من رموز النظام الأمني العسكري أن يبقى من الحريري أي أثر. لا شيء. هكذا بممحاة "ذرية" يمسحونه، كأنه لم يكن. تتذكر. ثم تتذكر أن الذين فجروه، (وهم مجرمون بالفطرة والوراثة والاكتساب)، وأرادوا محو كل أثر له، نسوا شيئاً ينساه عادة الطغاة والسفاحون: وهو الروح، لم يفطنوا أنهم إذا أبادوا البدن، فلن يُبيدوا الروح. لكنهم عادوا وفطنوا عندما كان للانتفاضة، انتفاضة الاستقلال، أن تتفجر من روح الشهيد، أن الروح أحياناً هي التي تصنع المعجزات. وهكذا كان. فجأة، وكمن فتح في لحظة واحدة، كل شبابيك هذا الوطن وأبوابه، وطرقاته وجباله وسهوله، اندفع أهل الانتفاضة من كل حدب وصوب. من كل الأعمار والطبقات والطوائف والمناطق، لينتصروا للحقيقة ويطالبوا بالاستقلال وبسقوط النظام الأمني وكان 14 آذار المليوني طالعاً من مأساة 14 شباط، وكان انبعاث الانتفاضة منبثقاً من الشهادة. وكان يوم الملايين، وكان يوم الاعلام. اللبنانيون، آنئذ، اكتشفوا ان عندهم علماً رائعاً، شفيفاً، يجمع بين نقاء الأبيض وقوة الأحمر، وعراقة الأخضر في الأرزة. اكتشفوا ان علمهم ما زال موجوداً برغم تعرضه للتغييب، والانتهاك، والجحود (منهم بالذات). اكتشفوا علمهم كما اكتشفوا اصواتهم الواحدة. اكتشفوا ان لهم علماً واحداً ذابت فيه كل الاعلام الثانوية والمصطنعة. اكتشفوا انهم اكتشفوا حضورهم، وموقفهم، وموقعهم، وفضاءاتهم، كما اكتشفوا علمهم. لهذا اعلوه، وسنّموه الذرى، وجعلوه فوقهم، كغيوم ملونة تمشي، وأقواس قزح مفتوحة بكل شفافياته، كيف جاءت كل هذه الاعلام فجأة، كيف تناسلت كأشجار الزيتون والشوح والصفصاف والسنديان؟ وكيف امتزجت بالأجساد، والعيون، والأعناق، والأفواه، والقامات التي كانت كلما رفعت علماً ازدادت ارتفاعاً اليه. بل كيف غزت هذه الاعلام الشوارع، والأسطح. والشرفات، والمقاهي، والمصانع، والبيوت، والسيارات، والدراجات، كأن تلك الأماكن صارت بدورها اعلاماً خفاقة.
يوم 14 اذار المضيء بدم الشهداء. بدم رفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما، والذي سيستمر سطوعاً بدم الشهيدين سمير قصير وجورج حاوي، كان المفتتح الكبير، كان الاستقلال الآخر. صحيح اننا اخذنا استقلالنا الأول وكان له ابطاله. لكن هذا الاستقلال جاء من أمكنة اخرى. لم يأت من نضال نخبة سياسية وثقافية، وانما طلع من الناس كلهم. كل واحد صنع الاستقلال. كل طفل. كل عجوز، كل فتى، كل شاب، كل عامل، وطبيب، وطالب، وفقير وغني، كل امرأة، كل شيء، بل كل درب، كل نافذة. وكل رصيف، وكل شمعة. كل ما تحرك، وما يتحرك. صنعت يوم الاستقلال. وحدّ البشر. ووحد الامكنة لتمشي كلها في الملحمة في مسيرة الحرية، إلى ساحة الحرية. بل كل ساحة من ساحات لبنان صارت ساحة من ساحات الحرية.
انه الاستقلال الآخر. النكهة الأخرى. الفجر الآخر. بل قل فاكهة "الجنة" الأخرى.
من هذه الامكنة المشرفة، ومن هؤلاء المشاركين (صانعي الحدث) الشرفاء، كان للوطن ان يكون مستقلاً. ما عادت فكرة الاستقلال تعني الخوف. (هكذا وضعوا معادلة الاستقلال قبالة الخوف من الحروب). وما عادت تعني الاكتفاء بالامان (ثمن الامان الذي فرضته الوصايات هو الحرية)، وما عادت تعني كسر توازن الرعب بين اهل البلد الواحد، وإفلات الامور في حروب، غريب ان يصدق كثيرون ان فكرة الاستقلال تعني الفتنة. وفكرة الحرية تعني العمالة، وفكرة خروج أهل الوصاية تعني الانجرار في المؤامرة، وأي مؤامرة أعظم من استمرار شعب بكامله في التنازل عن حريته واستقلاله وقراراته وحياته وكرامته!
أهل 14 آذار، قالوا بالصوت العالي: الاستقلال نحن نصنعه. والحرية نحن نصنعها. والتحرر نصنعه. والديموقراطية نصنعها. انها ليست "هبة" من هبات الغيب، ولا صنيعة من صنّاع الأقدار. ولا ارثاً يفيض علينا من المجهول. الاستقلال يُصنع كما يصنع الخبز. وكما تنسج القميص. وكما تفلح الأرض. وكما تُبذر وكما تقطف. يصنع الاستقلال وتراه أمامك بعينيك. وتسمعه بأذنيك. وتتذوقه بفمك. وتتحسسه بحواسك. لم يعد الاستقلال كائناً خرافياً، او فكرة تجريدية، او لعبة لغوية سفسطائية. انه امام الجميع، وفي الجميع.
موجود في كل لوحة يرسمها الرسامون، وفي كل قصيدة يصوغها الشعراء، وفي كل مشهد يصوره السينمائيون، وفي كل منطق يتمنطق به الفلاسفة. ذلك أن الاستقلال هو الحرية.
وقبل ذلك، اي قبل الاستقلال الذي صنعه الناس، كان كل شيء ناقصاً: كان عندنا حرية ناقصة ومبتورة ومهددة. كان عندنا ديموقراطية هامشية ومناسبية. كان الكلام مشوباً بالصمت بل كأن كل الكلام كله صمت. فالخوف يأكل الكلام كما يأكل الصمت. والاستبداد كالوحش يفترس الأخضر واليابس والأحمر والأخضر والأبيض. اذ ان الأشياء والألوان والكائنات تنمسخ من تلقائها أحياناً، عندما يكون للاستبداد أن يسود. فالاستبداد يعني نقصان العالم. يعني موته المعلن.
الثلثاء عيد الاستقلال، اليوم الواقع في 22 تشرين الثاني. استقلال الأربعينات النخبوي (قيادات وزعامات) الذي مشى خلفه الشعب. واستقلال 14 آذار الشعبي الذي مشت خلفه القيادات.
ذلك أن النخبوي والشعبي عندما يلتقيان في لحظات نادرة، فيعني أن ثمة زمناً جديداً يولد. فلا النخب تُنجب وحدها. ولا المجموعات. نعيّد منذ اليوم. نبكر في الاحتفال بذكرى الاستقلال لأنه الأصل. والخميرة وسنُعيِّد 14 آذار لأنه الابن. لكن افتقدنا في يوم الاستقلا ل الثاني، اي انتفاضة 14 آذار أن يفرح الجميع به. أن يفرح الجميع بالاستقلال كما فرحنا جميعاً بتحرير الجنوب والبقاع من الاحتلال الصهيوني.
ذلك أن التحرير، كل تحرير، هو مقدمة الاستقلال، أي استقلال. تماماً كما هو التحرير والاستقلال مقدمتان اساسيتان للحرية والديموقراطية. ولهذا من الصعب ان نصدق من فرح بالتحرير ألا يفرح بالاستقلال. وعندها يكون المعنى ناقصاً، أو على الأقل في حاجة الى الاكتمال. نقول هذا ونحن نعرف أن لا مجال لوضع تحرير الجنوب والاستقلال من الوصاية على مستوى واحد. هذا صحيح، لكن الصحيح أيضاً ان لا التحرير يتجزأ (وها نحن ما زلنا مع المقاومة نطالب بتحرير مزارع شبعا) ولا الاستقلال ايضاً يتجزأ (أو يتعارض أو يتنافس مع التحرير)، وها نحن مع أهل الانتفاضة نحاول استكمال عدة الاستقلال بترسيخ المجتمع المدني، واحياء ادواته النقابية والحزبية والثقافية والسياسية. اذ أن 14 آذار الاستقلالي هو الوجه الآخر للحرية والديموقراطية. هو الوجه الآخر لممارسة المواطن حقوقه كلها، من دون قمع، أو منع، أو قوانين طوارئ، أو أحادية سلطوية، أو وحدانية حزبية او طائفية، أو طغيانية، عسكرية أو أمنية أو مخابراتية. ذلك أن 14 آذار قبل كل شيء هزيمة للنظام الأمني الذي طغى وعاث فساداً وفتح ملفات وطارد الناس وشهر سيف الملفات، وسرق البنوك، وفرض خوات على المرافق العامة. اذ لا يستقيم استقلال اذا انتقلت السلطة من أيدٍ غريبة إلى أيدٍ محلية لقيام بنى قمعية أو فئوية أو بيروقراطية فوقية.
الاستقلال يعني أن يتسلم الشعب مقاديره بحرية عبر الوسائط الديموقراطية. فالاستقلال الذي يرعاه نظام استبدادي استقلال ناقص ومشوه. ذلك أن النظام الاستبدادي يغتصب السلطة، كما يغتصب المعتدي أو المحتل الأرض.
الفارق بينهما: ان ذلك آتٍ من الخارج، وذاك طالع من الداخل. وهذه المقارنة ليست مبرراً لأن نَصَفِّق لكل طاغية يطغى باسم الوطن والعروبة والقومية والشعب، ويستولي على خيرات البلد مع طغمة عائلية أو مذهبية أو حزبية أو قبلية...
انها المعاني التي تقطفها من الانتفاضات الشعبية طارحة القيم الاستقلالية، والسياسية والاجتماعية كخلفيات اساسية من أفكارها وممارساتها وآفاقها.
ربما هذا التزاوج لم يتم في المرحلة الاستقلالية الأولى لأسباب كثيرة. لكن، هل نترك اليوم الفرصة تفوتنا، لنُرسي، انطلاقاً، من انتفاضة 14 آذار نظاماً عادلاً، نظاماً ديموقراطياً، يكون الوطن فيه فوق الجميع أي فوق الطوائف والمذاهب والأحزاب والقبائل والعائلات؟ وطن للجميع بلا فوارق ولا امتيازات ولا نرجسيات. وطن يصنع فيه المجتمع نظامه؛ ليكون هذا الأخير في خدمة الوطن والشعب، وليس الوطن والشعب في خدمة هذا النظام.
نقول هذا ونحن نعرف مدى العوائق والصعوبات التي تواجه مثل هذه الأمور. نحن نعرف أن "حفناً متناثرة آلمها أن تؤدي الانتفاضة إلى الحرية والاستقلال، لأن وجودها ومصيرها ومواقعها مرتبطة بالوصايات. بالأمس كانت مرتبطة بالوصاية السورية وقبلها بالوصاية الفلسطينية، وما بين هذه وتلك بالاحتلال الاسرائيلي. هذه الحُفن لا تفهم معاني الاستقلال لأنها ترفضه وتمجه باعتباره يهدد مصالحها الآنية.
هذا شيء حزين ان تجد في بلد ما من يواجه الاستقلاليين ويتهمهم بالعمالة. شيء حزين ان تجد في بلد ما من يسفه شعبه كله، ويتهمه بالقصور والتخلف والعجز عن سياسة أموره تبريراً لاستمرار الوصاية، أي وصاية!
بالطبع وكما أن استقلال 14 آذار لم يُقدّم على طبق من ذهب، بل على أطباق من الدم والعذاب والآلام، فإن المحافظة عليه تتطلب أيضاً جهوداً ونضالات طويلة لكي لا يسترده أو يشوهه أو يحطمه أهل الارتباط، والارتزاق والعمالة خدمة لوصايات قديمة أو جديدة. فـ 14 آذار ليس يوماً عَبَر نطوي اعلامه، ونعود إلى قيلولاتنا. والاستقلال أي استقلال لا يؤخذ مرة واحدة، ثم نكتفي بها. كل يوم يصنع الاستقلال، كل يوم يتطور، كل يوم يتأكد. انه كاللوحة التي لا تنتهي. واستقلال 14 آذار الذي جُبل بدماء الشهداء، وبآلام المضطهدين، وبعذاب الناس، لا يمكن أن يُصبح مجرد يوم تذكاري. لوحة جامدة نحج اليها في كل مناسبة ثم ننكفئ، وكأن الاستقلال الذي صنعه الناس، يكمل تاريخه وحده. ويصنع تاريخه وحده. وعندها، نقع في ما وقع فيه أهل الاستقلال الأول. وعندها نقع في ما وقع فيه الاستقلاليون العرب الذين ما إن انتزعوا الاستقلال حتى تحولوا إلى سلطات قامعة وفاسدة وتابعة، إلى درجة بتنا نسأل فيها اليوم: هل نحن فعلاً أمة مستقلة بوجود أنظمة استبدادية بوليسية، افقدت الشعب ارادته، وسلبته حقوقه، وارتبطت بالمرجعيات الخارجية.
ونحن نكتب هذه الكلمات طلعت أصوات المتضررين من الاستقلال، ومن رحيل نظام الوصاية، ووراءها خطوط رسمت لها في الخارج، لتدمير هذا الانجاز واعادة العقارب إلى الوراء، ومحاولة تهديم المجتمع بالتهديد بحروب أهلية، وباثارة الفتن الطائفية، واستكمال عدة النصب التاريخية المتمثلة بالتمترس وراء شعار العروبة، والقومية والتقدمية (يا عين)، لممارسة افعال التخوين والتقتيل والاغتيال والتفجير. عملاء الوصاية "الأبرار" يتهمون الاستقلاليين بالخيانة! لصوص نظام الوصاية وفاسدوه وزمره السود، وسراقوه، ونهابوه، يحاضرون بالعفة، وبالطهارة وبالوطنية، ويُبدون حرصاً ما بعده حرص على الفئات الاجتماعية المحرومة (!) وهم حرموها من الحرية واللقمة والكرامة والديموقراطية. اعداء الاستقلال يحاضرون في الاستقلال ويعلنون بالأفواه الملآنة قبحاً وقذارة انهم يرفضون ان ينتقل البلد من وصاية إلى وصاية. اما لماذا قبل هؤلاء العملاء بالوصايات السابقة. ولماذا جعلوا أنفسهم عبيداً لهذه الوصايات، ولماذا خانوا أهلهم وشعبهم خدمة لهذه الوصايات، فهذه أسئلة يعرف الكل أجوبتها.
اذاً، لا مشوار 14 آذار كان مفروشاً بالحرير بل بالدم. ولا مشوار الاستقلال الجديد سيكون مفروشاً بالحرير. ونظن أن على اللبنانيين، كل اللبنانيين، جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً ان يعرفوا أن الاستقلال لا يمكن أن يكون مطلباً فئوياً ولا طائفياً ولا حزبياً. فالاستقلال إما أن يكون للجميع أو لا يكون. فحزب الله لم يحرر الجنوب كرمى لحزبه أو للطائفة الشيعية. وأهل 14 آذار لم يخوضوا معركة الاستقلال كرمى لتجمع البريستول. وكما أن تحرير الجنوب كان جزءاً من استقلال لبنان، فان استقلال 14 آذار كان استقلالاً لكل لبنان، إلاّ اذا اعتبر بعضهم أن تمسكهم بالاستقلال يفقدهم أوراقاً خارجية، وارتباطات خارجية تضعفهم على الساحة السياسية. عندها لا يكون لا للتحرير ولا للاستقلال سوى معانٍ نظرية وشكلية. بل يكون لهما معانٍ تكمن وراءها نزعات خطيرة ومرضية للخيانة والارتهان.
فإما ان يكون الاستقلال، درباً للوطن، والتزاماً بناسه، واما لا يكون. فالاستقلال لا يقوم لنخدم فيه الآخرين على حساب الأرض والناس. والاستقلال لا يضحى بالأرواح لنيله ليوظفه من يطمعون بهذا الوطن، ويستميتون لإضعافه وضربه للسيطرة عليه.
الثلثاء المقبل عيد الاستقلال و14 آذار المقبل عيد الاستقلال، لدينا إذن استقلالان.
شيء رائع أن يكون لدى شعب واحد استقلالان أو عدة استقلالات لأن في ذلك برهاناً على أن هذا الشعب، يصنع كل يوم استقلاله؟ لأن في ذلك برهاناً على أن هذا الشعب شغوف بالاستقلال. لأن في ذلك ان الشعب يبتكر كل يوم استقلاله، ويحافظ كل يوم على استقلاله، مهما طالت الانتظارات أحياناً، ومهما قست المعاناة... وطغى الطغاة وتآمر المتآمرون والعملاء!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00