النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك خطط ودبَّر ونفَّذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هذه هي الحقيقة التي أعلنها تقرير ميليس بالتواريخ والشهادات والأرقام والوقائع والأمكنة بوضوح شديد، ليدخل "أركان" هذا النظام، من أمنيين وسياسيين، في اللائحة الأكثر سواداً ودموية وتآمراً في تاريخ البلدين، بل وليدخلوا في السلسلة الارهابية الرسمية وغير الرسمية، التي لا بد من أن تفضي الى ما وراء القضبان، والى محاكمة دولية، ليس لأن القضاء اللبناني غير قادر (آنياً) على إجرائها فقط، بل ولأنها جريمة أكثر من لبنانية، ومن سورية، ومن عربية، بل جريمة دولية مدوية.
في الدوافع الاجرامية أن الرئيس الشهيد بات يشكل عبئاً عى نظام الوصاية، لا سيما، وبحسب التقرير، بعد القرار 1559. وبالتالي، وما دام "النظامان" "متوحدين" فإن الحريري بات يشكل أيضاً "عبئاً" لا يحتمل على نظامنا برموزه ولصوصه وفاسديه وسراقيه وعلى رأسهم اميل لحود المشمول بالادانة والاشتباه والتهمة تخطيطاً وتنفيذاً أوعلماً أو تواطؤاً...
ولذا بات لزاماً على سفاحي النظاميين من الأعلى الى الأسفل، إزاحة الحريري، ليس بالطرق الديموقراطية (وهم فاشيون)، ولا عن طريق الناس (ورموز النظامين يستبيحون ناسهم)، ولا حتى عن طريق التفاهم (وهم أهل الفرض والخوّة والعسف)، ولا حتى عن طريق الابعاد أو النفي، لا! بل الابادة الجسدية الكاملة. المحو. الازالة من الوجود. وهكذا يستريح اميل لحود وأفراد نظامه الأمني: جميل السيد، ومصطفى حمدان (حميد الرئيس وخله)، وعلي الحاج، وريمون عازار، ليتسنى لهم، بمؤازرة النظام الأمني الشقيق وعلى رأسه حتى الآن فاروق الشرع (كرمز سياسي) ورستم غزالي (كمعادل أمني عندنا)، وآصف شوكت كعقل مدبر، وكمساعدين بدءاً من عنصر المخابرات وصولاً الى بعض السياسيين العملاء كناصر قنديل وعبد الرحيم مراد، من دون أن ننسى بعض الزملاء الصحافيين الذين كانوا جزءاً من عملية القتل بلعبهم أدوار التشويش والتضليل على الحقيقة. فالتهمة إذاً ليست "تهمة" تصيب نظاماً أمنياً مستقلاً هنا، عندنا، وهناك عندهم، في بلاد الصمود والتصدي و"جبهة الطوق" والثوابت الاستراتيجية والممانعة العروبية في وجه العدو الاسرائيلي، وإنما لتصيب النظام السياسي المشترك، والذي لا فصل فيه، بين أمن مُسْتَوْلٍ على القرار السياسي، وبين سياسي مخلوط بالأمني. وهنا بيت القصيد، هذه الادانة "الرسمية" من تقرير ميليس هي إدانة سياسية بالدرجة الأولى. وعبثاً يحاول المتورطون عبر أبواقهم فصل المسألة بحيث تبدو وليدة إرادة أمنية معزولة عن الارادة السياسية العليا والسفلى. ونظن أن التطابق في الوقائع والشهادات، والأدلة، التي أشار إليها التقرير تعكس، أولاً وأخيراً تطابقاً عضوياً بين النظامين، اللذين، ربما "حققا" وحدة "المسارين". ووحدة "السلطتين"، لتمحي الحدود بين أي تمايز فيهما: نظام أمني أمّ ينجب نظاماً أمنياً "ابناً" والأمني هو ابن السياسي، وإن كان السياسي عندنا هو ابن الأمني. وتنكشف عبر كل ذلك عورات كثيرة، تشكل عورة النظامين الأساسية. فالمشترك بينهما حتى التماهي انهما يكرسان فاشية "قديمة"، لا تؤمن بغير الاستبداد والفساد والقتل والالغاء والتخوين. أي ان النظامين السياسيين الأمنيين اختزلا النظام العربي برمته على امتداد نصف قرن، بمخابراته وسجونه واغتيالاته ونهبه لشعوبه، وقمعه، وقصر نظره، وتكلس طموحاته، واجتزاء قضاياه (القومية والوطنية)، وتحويل الأنظار عن المعركة الأساسية مع العدو الحقيقي، الى جعل الناس بُدلاء منه، ليعامَلوا كما يفترض أن يعامل ذلك العدو الذي ما زال يحتل مزارع شبعا والجولان، وما زالت جيوشه تحاصر أكثر من حدود عربية، وتفتك بالفلسطينيين على أرض فلسطين.
فأن يصبح رفيق الحريري عبئاً على النظامين لينسيا "أعباء" العدو، وأن يصبح رفيق الحريري "لا يُحتمل"، ويُحتمل في الوقت ذاته الاحتلال، فهذا يعني، أن "بتوع" النظام الأمني وضعوا الحريري في "صلب" أولوياتهم، واسرائيل في منزلة النسيان والاهمال لكي لا أقول التواطؤ وتضليل الواقع وحرف "النضال" الى مكان آخر. والواقع انه ليس رفيق الحريري من لم يعد يحتمله النظامان كشخص فحسب، وإنما كتعبير عن الوجه الآخر للواقع، أو الأحرى كصورة دامغة للمجتمع، وإشارة موحية لاعتمالات عميقة تتفاعل داخل الناس، وتنضح، بالرفض، والممانعة، لهذين النظامين المتوأمين بالقوة والاستبداد وأكثر: لم يكن رفيق الحريري مجرد "عائق" لاستكمال النظام البائد حلقات الفساد والنهب والقمع فحسب، وإنما لأنه كان أيضاً تعبيراً مباشراً هنا أو ضمنياً هناك عن إعلان نهاية هذا النظام، ولكن بالطرق التي لا تؤدي الى لجوء هذا النظام لتدمير الانجازات وتفكيك الوحدة الوطنية، وتهشيم المجتمع المدني، وافتعال فتن طائفية ومذهبية. ولهذا عندما اكتشف أهل النظام البائد "خطورة" الحريري، عليهم، ودوره في إعادة تأكيد الوحدة الوطنية، وتمتين الارادة الجماعية، سعياً للاستقلال، (أي خروج نظام الوصاية) وجدوا أنفسهم أمام خياراتهم المعروفة والتقليدية: القتل. فقتلوه، وظنوا أنهم استراحوا، وظن اميل لحود أن عبء الحريري انزاح عن كاهله. وظن النظام الأمني أنه بمحوه الرئيس الشهيد إنما يمحو معه كل ما حاول فعله، بل ويمحو معه كل احتمال اجتماعي أو سياسي قد يهدد بقاءهم العبثي واللامجدي في لبنان. بل وظنوا أن تصفية الحريري هي تصفية لكل الحيويات داخل المجتمع، وأن الجريمة لا بد أنها دفنت مع الراحل. لكن خاب فألهم (وهم الى أفول لا الى فأل). وكانت الانتفاضة. وكان الرئيس الشهيد في كل منتفض. وفي كل صوت. وفي كل صرخة. وفي كل علم. كان موته اشارة الى أن "أكملوا مسيرة الاستقلال"... وهكذا كان. أن "أكملوا الوحدة الوطنية" وهكذا كان. أن أكملوا معركة كشف الحقيقة وهكذا كان. وكانت معركة الحقيقة مستلة من روح 14 آذار. وظن هؤلاء أن هذه الحقيقة لن يكون مصيرها بأفضل من مصائر "الحقائق" السابقة التي بقيت مجهولة ـ معلومة. فناموا على حرير النعم المسروقة والسلطة المنهوبة واستفاقوا كلهم على النفير. نفير ميليس: وكانت بداية النهاية. وها هي بداية الحقيقة. على أن هذه الحقيقة الساطعة التي تعلن عن نفسها بقوةِ مَنْ يعلن عنها، وتضيء وقائعها بقدر ما أضاءتها وقائعها، إنما تشق طريقها الى أبعد من مسألة جنائية، وأكثر من جريمة سياسية، وأكبر من مجزرة أمنية. إنها تقدم نفسها، بواقعها وخلفياتها وامتداداتها، كعيّنة جديدة في عالمنا العربي توحي انهياراً لنظام أمني، متكامل في ذهنيته، وفي سلوكه، وفي أنماط تعاطيه مع المجتمع والعالم. والادانة اليوم تتجاوز هؤلاء الأشخاص الموجودين على مرمى الاشتباه والاتهام، الى ما يحركهم، وما يدفعهم، وما يجرهم الى التعامل بمثل هذه الطرق والأساليب. فجنرالاتنا: حمدان، السيد، الحاج، عازار ليسوا إلا القبضات والأذرع "لمخوخ" ولعقليات تستخدمهم (ويستغلونها بالطبع) لتدمير احتمالات انتقال المجتمع من حالات الحروب والطوارئ غير المعلنة، ومن العسكرة، والمخابرات الى رحاب الديموقراطية، ومن حالات الوصاية والقهر والاستبداد الى حالات الاستقلال والحرية والعدالة. ونظن أن رستم غزالة ليس إلا واجهة فاسدة لذهنيات تتحكم بالمصائر، وليس إلا "برغياً" في آلة السلطة، توكله تنفيذ سياستها في لبنان. فالمسألة سياسية. والمسألة السياسية هي مسأل النظام عندنا، والنظام عندهم. ولهذا يطرح التساؤل: كيف ينجو (حتى الآن) شخص كاميل لحود هو التعبير الأول عن هذا النظام السياسي ـ الأمني الذي يُحمّل برمته جريمة اغتيال الحريري. كيف يدان "الأمني" ويبرأ السياسي؟ أي كيف يدان المنفذ ويبرأ المخطط والآمر؟ وما نقوله عن حالنا نقوله عن حال الاخوان، واقتصار الأمور على الادوات (ومنهم ناصرنا وقنديلنا المشع بثقافته القومية والتقدمية والعروبية! وكل ناصر آخر "مقندل" بالطهارة الفاسدة، وبالعروبة المزيفة كأداة للعمالة وقناع للخيانة)، كأنما لتجزئة النظام المتوأم وإنقاذ رؤوسه الكبيرة (الفارغة إلا من طنين الغباء والحماقة والشعارات المستنقعة).
ونظن أن تحييد هذه الرؤوس المتضخمة بادعائها، يعني تحييد النظام الذي يحتضنها وتحتضنه، وتمديد أجل بناه المغلقة، والقاتلة، مما يجعل استرداد البلد ديموقراطيته، ونظامه الحر، وأدواته، وروح مجتمعه المدني، صعباً. فنظام استبدادي هنا يعني نظاماً استبدادياً بكل ما "ينبض" فيه، وبكل من يعمل ضمنه، وبكل من يهيمن عليه. ومن الصعب أن يترك هذا النظام المستبد أي نظام آخر الى جواره بالتحرّك الى الحرية والديموقراطيية. وهذا تحديداً ما حمل بتوع النظام الدكتاتوري المشترك على قتل الرمز، أي رفيق الحريري. لأن الرموز أحياناً ينتقلون كالعدوى من أمكنتهم الخاصة الى الأمكنة الأخرى. قتلوه كتدبير وقائي في بلده، لكي لا تنتشر عدو اه، وكتدبير وقائي هناك لكي لا تنبت رموز مشابهة تطالب بالحرية والعدالة والديموقراطية حتى الشهادة. وعلى هذا الأساس ربما، خشي أهل نظام الوصاية، من أن تصبح ثقافة رفض الواقع، والأمر الواقع، والانتهاك الواقع، ثقافة تخترق الحصارات المفروضة على مكونات المجتمع، وتشي، وأكثر، بانتفاضات تؤدي الى انهيار وجودهم "الافتراضي" بالاستفتاءات والانتخابات المزيفة.
وحسناً فعل ميليس عندما ركز تقريره على الدافع السياسي في ارتكاب الجريمة، وإن بطريقة محددة. وحسناً فعل بالاشارة الى ناصر قنديل وفاروق الشرع كتعبير عن الخلفية السياسية للجريمة الأمنية، وهذا يفتح على كل من شارك من غير الأمنيين، وخطط، وقرر، وصولاً الى عمق الدلالات حتى الايديولوجية في النظام المتوأم ككل. بل وحسناً ان تلقف بعض المحللين هذه النواحي المهمة، للإيماء بأن التحوّل الذي تحقق بعد 14 آذار، من عودة السيادة الى عودة الحياة السياسية، الى عودة الحراك الاجتماعي في لبنان، أكد على فصل التوأمين الأمنيين، بعملية غير قيصرية، لتأكيد أن المحاولات التي كانت تتم (ومنه قتل الحريري ومن بعده سمير قصير وجورج حاوي) لتغيير نظامنا اللبناني والحاقه بالنظام العربي عموماً، ونظام الوصاية خصوصاً، قد باءت بالفشل. فالوحدة المزيفة، بين مسارين تتحكم فيهما طبقة فوقية، قد انهارت، كما انهار نظام عبد الحميد السراج أيام الوحدة "الشعبية" بين مصر وسوريا. ولا نظن أن استرداد البلد "نظامه" عبر السيادة، قد يصيب عروبته أو منحاه القومي. على العكس: فالنظام الأمني المشترك ربط العروبة بالمخابرات (فأي عروبة) وصفى اليسار، وكل الحركات والأحزاب القومية والديموقراطية، وأعطب النقابات، ليحل محلها نظاماً أمنياً قائماً على توازن "الرعب" بين الطوائف والمذاهب. فلا يسار.. ولا يمين. ولا وسط. ولا ليبرالية. ولا صراع أفكار. فقط طوائف. وعندما يضع الطوائف قبالة بعضها (يا قاتل يا مقتول)، يعني أن هذا البلد لن يستقيم إلا بوصاية تحول دون تقاتل الطوائف والمذاهب، ودون اندلاع حروب "أهلية" بينهما. إنها اللعبة الاستعمارية المعروفة استخدمها كل من وفد الى لبنان بمطامع ومطامح من العثمانيين الى الفرنسيين فالى الاسرائيليين وصولاً الى بتوع القضايا والنضال والعروبة المستبدة... فأي عروبة هذه تقتل رمز العروبة المدنية أي الحريري.. وهي عروبة تغتال الحركات القومية والتقدمية. وأي عروبة تسرق المصارف وتفرض خوات على القطاعات الاقتصادية وعلى الأفراد؟ وأي عروبة تفتك بالأحرار؟ وأي عروبة تحيّد العدو وتستبد بالقريب.
وعندما نقول ان اليوم (أمس الجمعة) هو يوم الحقيقة، فيعني أنه يوم رفيق الحريري، ليس لشخصه فقط، ولا انتقاماً من قتلته فقط، ولا احقاقاً للحق فقط، ولا عقاباً لمجرمين فقط، ولا تحقيقاً للعدالة فقط، وإنما، والى كل ذلك، هو يوم الحقيقة الأخرى: إعلان سقوط النظام الأمني هنا، وإدانة النظام الأمني هناك. إعلان سقوط سياسة كاملة هنا وهناك. سياسة النظام العربي المتمثلة بالنموذجين المتهاويين. هذا هو المعنى الآخر للحقيقة. وهذا هو المعنى الجوهري لاستشهاد الحريري ورفاقه وسمير قصير وجورج حاوي... بل ان استشهاد الحريري ويوم 14 آذار هما التوأمان الجديدان اللذان سينبثق منهما أكثر من ربيع هنا، وربيع هناك، والحقيقة التي كشفها ميليس، سطع فيها 14 آذار سطوع يوم استشهاد الحريري... ليكونا، إيذاناً بولادة لبنان آخر من جهة، وإدانة سافرة لذهنية كاملة قائمة على الالغاء، والاستبداد، والوصاية، والسرقة، والنهب، والخبث، والطمع، والتواطؤ...
إنها ذهنية النظام العربي الآيلة الى الزوال قريباً وقريباً جداً.
وعسانا نسأل من باب التساؤل: لماذا ما زال اميل لحود موجوداً في بعبدا؟ لماذا ما زال هذا الرئيس المرؤوس التابع، والمدرج في وقائع الاتهام، في منأى مباشر عن الادانة؟ نتساءل ونحن نعرف: أن ساعته قد أذنت أيضاً... ولا نستبعد أن يكون ميلوسوفيتش ينتظره وينتظر سواه على أحرّ من الجمر.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.