8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

من مسرحيات هارولد بنتر الأخيرة 2

ربيكا: آه، نعم، هناك شيء نسيت ان اقوله لك. كان جد غريب. كنت انظر من النافذة، كنت انظر إلى الحديقة من النافذة، في عز الصيف، في هذا البيت في كورسي، هل تذكر؟
أوه، لا، لم تكن هنا. أظن انه لم يكن أحد آخر موجوداً. كلا. لم يكن سوى سوواي. كنت وحيدة. وبينما كنت أنظر من النافذة، رأيت جمعاً من الناس كان يعبر الغابة، نحو البحر، في اتجاه البحر، كانوا يبدون مبرّدين، كانوا كلهم بمعاطف، ومع هذا كان نهاراً رائعاً. أحد نهارات الصيف الرائعة في كورسي. كانوا يحملون امتعة. كان ثمة ادلاء يقودونهم يواكبونهم.
عبروا الغابة، وكنت أراهم في البعيد، يحاذون الجرف وينزلون حتى البحر. وثم لم أعد أراهم. اخذني الفضول، فصعدت عندها إلى الطابق الأخير في المنزل. ومن النافذة، كنت أرى فوق ذرى الاشجار، كنت أرى الشاطئ. الادلاء... يواكبون كل هؤلاء الناس على امتداد الشاطئ... نهار رائع جميل، هدوء كبير. كانت الشمس تلمع.. ورأيت كل هؤلاء الناس يدخلون البحر. البحر المرتفع كان يغطيهم ببطء. كانت امتعتهم تطفو هنا وهناك على الأمواج.
ديلين: متى حدث ذلك؟ متى عشت في دورسي؟ انا لم أعش اطلاقاً في دورسي.
(صمت)
ربيكا: في المناسبة، اخبرني احدهم في ذلك اليوم ان هناك مرضاً يسمى الالفنتيازية العقلية.
ديلين: وماذا يعني هذا "احدهم قال لك" وماذا يعني "في ذلك اليوم؟" ماذا تخبرين؟
ربيكا: "الالفنتيازية العقلية" يعني عندما نقلب ملعقة المرقة مثلاً، تتمدد مباشرة، وتتحول محيطاً من المرقة. محيطاً من المرقة. محيطاً من المرقة يحيط بك من كل الجهات ويخنقك في هذا المحيط الواسع من المرقة. هذا رهيب. لكنها غلطتك، اثرتها بنفسك. انت لست "الضحية" بل "السبب"، لأن انت من بدأ بقلب المرقة، انت من ترك كل العلبة.
(صمت)
ديلين: الـ"ماذا"؟
ربيكا: العلبة.
(صمت)
ديلين: عال، إذاً ما هو السؤال: أأنت مستعدة للغرق في مرقتك الخاصة؟ أأنت مستعدة لتموتي من أجل وطنك؟ اسمعي. ما رأيك يا رفيقتي؟
ماذا لو نذهب إلى المدينة لنحضر فيلم سينما؟
ربيكا: هذا غريب، أحدهم يمضي في حلم... منذ زمن طويل... سمعت أحدهم يناديني برفيقتي.
(صمت)
رفعت عيني. كنت حلمت. لا أعرف إذا كنت رفعت عيني وأنا أحلم أو كان ذلك بعدما افقت. لكن في هذا الحلم كان ثمة من يناديني. هذا أنا متأكدة منه. ذلك الصوت كان يناديني. كان يدعوني رفيقتي.
نعم.
(صمت)
ذهبت إلى ا لمدينة. كل شيء كان مجلداً. حتى الوحل كان مجلداً. وكان للثلج لون غريب. لم يكن أبيض. نعم، كان ابيض، لكن كانت هناك ألوان اخرى ممزوجة. كما لو انها مثلمة بالعروق ولم يكن املس، كما هو الثلج عادة، كما يجب ان يكون الثلج. كان محدباً. وعندما وصلت إلى المحطة رأيت القطار. كان هناك اناس آخرون.
(صمت)
وأفضل صديق لي، الرجل الذي وهبته قلبي، الرجل الذي فهمت من أول لحظة انه كان مصنوعاً من أجلي، رفيقي الاعز، الأغلى... رأيته يحاذي الساحة وينتزع كل الأطفال من اذرع امهاتهم اللواتي كن يصرخن.
(صمت)
ديلين: رأيت كيم والأطفال؟
(تدير رأسها نحوه)
لا بد انك تلتقين كيم والاطفال اليوم.
(تنظر اليه بثبات)
اختم كيم وأطفالها.
ربيكا: اه، كيم! وأطفالها، نعم.نعم. نعم طبعاً رأيتهم. تناولنا الشاي معاً. الم اكن اخبرك بهذا؟
ديلين: كلا.
ربيكا: بالتأكيد رأيتهم.
ديلين: كيف كانت أحوالهم؟
ربيكا: بن يتكلم.
ديلين: حقاً؟ ماذا قال.
ربيكا: اشياء مثل "انا ادعى بن" اشياء مماثلة و"أمي تدعى امي" اشياء مماثلة.
ديلين: وبيتسي؟
ربيكا: تزحف على الأربع.
ديلين: كلا، ليس صحيحاً؟
ربيكا: اظنها ستحبو قبل ان يكون عندنا الوقت لنقول اوف بجدية.
ديلين: انها تتكلم ايضاً، اراهن على ذلك. تقول اشياء مثل "ادعى بيتسي".
ربيكا: نعم، بالطبع رأيتهم. تناولنا الشاي معاً. لكن آه، اختي المسكينة... لم تعرف ماذا تفعل.
ديلين: كيف هذا؟
ربيكا: هو، يريد ان يعود، هل ترى.. لا يتوقف عن الاتصال تلفونياً ليتوسلها لتستعيده. قال انه لم يعد يستطيع ان يتحمل المزيد، قال انه قطع علاقته بالآخر، قال انه يعيش وحده، قطع علاقته بالآخر.
ديلين: فعلها؟
ربيكا: هذا ما قاله. قال انه مشتاق للأطفال. (صمت)
ديلين: وزوجته، هل يشتاق اليها؟
ربيكا: قال انه قطع علاقته بالآخر. قال ان المسألة لم تكن اطلاقاً جدية، هل ترى، كانت العلاقة محض جنسية.
ديلين: آه!
(صمت)
وكيم؟
(صمت)
ربيكا: لن تكرر ذلك ابداً. ابداً. قالت انها لن تتركه ابداً يشاطرها سريرها. ابداً.
ديلين: لماذا؟
ربيكا: ابداً بـ ابداً كبيرة.
ديلين: لكن لماذا؟
ربيكا: بالتأكيد قابلت كيم والأطفال. تناولنا الشاي معاً. لماذا تسأل؟ اتظن اني لم اقابلهم؟
ديلين: كلا! لا أعرف شيئاً عن الموضوع. صحيح ما قلته بأنكم كنتم تريدون تناول الشاي معاً.
ربيكا طيب، تناولنا الشاي معاً. الم يكن يجب ان افعل ذلك! انها اختي.
(صمت)
احذر إلى اين ذهبت بعد ذلك؟ إلى السينما. شاهدت فيلماً.
ديلين: ماذا؟
ربيكا: كوميديا.
ديلين: آه.. ها؟ كان مسلياً؟ ضحكت؟
ربيكا: ناس آخرون ضحكوا. مشاهدون آخرون. كان مسلياً.
ديلين: لكن انت لم تضحكي!
ربيكا: الناس الآخرون، نعم. كانت كوميديا. كان هناك فتاة... هل ترى.. ورجل. كانا يتغديان في مطعم جد راقٍ في نيويورك. اضحكها.
ديلين: كيف؟
ربيكا: يعني... روى لها نكاتاً.
ديلين: آه. صحيح.
ربيكا: وفي المشهد التالي، اخذها برحلة إلى عمق الصحراء. قافلة. لم تكن قد عاشت في الصحراء حتى الآن، تفهم ذلك. كان عليها ان تتعلم كل شيء.
(صمت)
ديلين: يبدو ذلك مسلياً بشكل قاسٍ.
ربيكا: لكن كان هناك شخص جالساً أمامي، إلى يميني. بقي جامداً كلياً أثناء كل الفيلم. بلا أي حركة، كان جامداً كجثة. لم يضحك مرة واحدة، ظل كمومياء. ابتعدت عنه، ابتعدت بقدر ما استطعت (صمت).
ديلين: عال، اسمعي، فلنبدأ من جديد من الصفر. نحن نعيش هنا. انت لا تعيشين... في كورسي. ولا في مكان آخر. انت تعيشين هنا معي. عندك اخت لطيفة جداً. تسكن بالقرب منك. لديها طفلان رائعان. انت خالتهما هذا يسرك.
(صمت)
عندك حديقة رائعة. تعبدّين حديقتك. صنعتها وحدك. انت يدك خضراء فعلاً. وإلى ذلك، يداك ساحرتان..
(صمت)
هل سمعت ما قلت؟ وجهنا إليكِ إطراء وجهت إليك باقة من الإطراء فلنبدأ من الصفر.
ربيكا: لا أظن اننا نستطيع ان نبدأ من جديد.. فقد بدأنا... منذ زمن طويل. قد بدأنا. لا نستطيع ان نبدأ "مرة اخرى". نستطيع ان ننتهي مرة اخرى.
ديلين: لكن لم "ننته" اطلاقاً.
ربيكا: آه، بلى بالطبع. مرة بعد مرة بعد مرة. ونستطيع ان ننتهي مرة اخرى. مرة مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة.
ديلين: اللا تخطئين بشأن كلمة "ننتهي". النهاية تعني النهاية. لا نستطيع ان ننتهي مرة اخرى. لا نستطيع ان ننتهي إلا مرة واحدة.
ربيكا: لا. نستطيع أن ننتهي مرة وان ننتهي مرة اخرى (صمت تدندن بهدوء)
"من التراب وإلى التراب" "Ashes To Ashes"
ديلين: And dust To dust
ربيكا: if The Women dont Get you"
ديلين: The Liquor must"
صمت
"إذا لم تنل منكِ النساء.. فالكحول تنال..."
لطالما عرفت بأنك تحبينني.
ربيكا: لماذا:
ديلين: لأننا نحب الأغاني ذاتها.
(صمت)
اسمعي.
(صمت)
لماذا لم تكلميني اطلاقاً عن.. هذا.. عن عشيقك حتى هذا المساء؟ من حقي ان اغضب كثيراً. هل تعين ذلك! من حقي فعلاً ان اغضب كثيراً كثيراً. هل تفهمين ذلك؟
(صمت)
ربيكا: بالمناسبة، هناك شيء كنت أريد ان أقوله لك. كنت في غرفة في بناية جد عالية في وسط المدينة. كانت السماء مليئة بالنجوم. كنت أهم باسدال الستائر، لكنني بقيت لحظة في النافذة لانظر إلى النجوم. ثم نظرت إلى اسفل رأيت عجوزاً وصبياً يمشيان في الشارع، وكان كل منهما يحمل حقيبة. حقيبة الصبي كانت اضخم من حقيبة العجوز. كان الليل جلياً. بسبب النجوم. كان العجوز والصبي يمشيان في الشارع. كان كل منهما بيد حرة يمسك يد الآخر. تساءل إلى اين تراهما ذاهبان؟ مهما يكن، وما إن هممت باسدال الستائر حتى رأيت فجأة امرأة كانت تتبعهما وفي ذراعيها طفل.
(صمت)
قلت لك ان الشارع كان مجلداً؟ وهكذا كانت تمشي بحذر. لتتجنب المطبّات. كانت السماء مليئة بالنجوم. تبعت العجوز والصبي إلى ان انعطفا واختفيا.
(صمت)
المرأة توقفت. قبلت الطفل. كان الطفل فتاة.
(صمت)
قبلته
(صمت)
اصغت إلى نبضات قلب الطفل. كان قلب الطفل ينبض.
(الضوء ينوس في القاعة. لكن المصباحين الكهربائيين يلمعان. ربيكا جامدة كلياً.
الطفل كان يتنفس.
(صمت)
ضممته إليّ. الطفل كان يتنفس. قلبه كان ينبض.
(ديلين تقترب منها. ينتصب بكل قامته ويخفض عينيه نحوها.
يضم قبضته ويشهرها أمام وجه ربيكا. يضع يده اليسرى على عنقها ويمسكها، جاذباً وجهها نحو قبضته اليمنى. قبضته تلامس شفتي ربيكا).
ديلين: قبلي قبضتي.
(لا تتحرك. يفتح قبضته ويلصق يده بفم ربيكا. لا تتحرك).
تكلمي، قوليها "دع يدك حول رقبتي".
(لا تجيب)
اطلبي مني ان اضع يدي حول رقبتك (لا تتحرّك ولا تجيب. يلف عنقها بيده. يشد شداً خفيفاً. ربيكا تقلب رأسها إلى الوراء. يبقيان جامدين. ثم تتكلم. هناك صدى. ضغط يد ديلين يتلاشى.
ربيكا: اخذونا حتى القطار.
الصدى: حتى القطار.
(ديلين يسحب يده)
ربيكا: اخذت طفلي ولففته بشالي.
الصدى: شالي.
ربيكا: صنعت منه حزمة.
الصدى: حزمة.
ربيكا: وشددته تحت ذراعي اليسرى:
الصدى: ذراعي اليسرى.
(صمت)
ربيكا: ومررت مع طفلي.
الصدى: طفلي.
(صمت)
ربيكا: لكن الطفل اخذ يبكي.
الصدى: يبكي.
ربيكا: وذاك الرجل ناداني.
الصدى: ناداني.
ربيكا: وقال ماذا عندك هناك.
الصدى: عندك هناك.
ربيكا: مدّ يده نحو الحزمة.
الصدى: الحزمة.
ربيكا: وكان لا بدّ ان أترك الحزمة.
الصدى: الحزمة.
ربيكا: وهي المرة الأخيرة التي حملت فيها الحزمة في ذراعي.
الصدى: الحزمة في ذراعي.
(صمت)
ربيكا: وصعدنا في القطار.
الصدى: في القطار.
ربيكا: ووصلنا إلى هذا المكان.
الصدى: هذا المكان.
ربيكا: ورأيت امرأة كنت أعرفها.
الصدى: كنت أعرفها.
ربيكا: وقالت ماذا فعلت بطفلك.
الصدى: طفلك.
ربيكا: أين طفلك.
الصدى: طفلك:
ربيكا: وأجبت أي طفل.
الصدى: أي طفل.
ربيكا: ليس عندي طفل.
الصدى: عندي طفل.
ربيكا: لا أعرف أي طفل.
الصدى: أي طفل.
(صمت)
ربيكا: لا أعرف أي طفل.
(صمت طويل)
عتمة

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00