تتّسع دائرة الضغوط الأميركيّة على لبنان، من المؤسّسات السياسيّة والعسكريّة إلى التمثيل الدبلوماسيّ، في وقت تقترب فيه البلاد من استحقاق أمنيّ بالغ الخطورة مع انتهاء مهمّة قوّات "اليونيفيل"، واستمرار إسرائيل في فرض وقائع عسكريّة جديدة على الأرض. وجاء قرار واشنطن إعلان القنصل اللبنانيّ في ديترويت إبراهيم شرارة "شخصًا غير مرغوب فيه" ليضيف عنصر توتّر جديدًا إلى العلاقات اللبنانيّة الأميركيّة، بالتزامن مع تشدّد دوليّ بشأن نزع سلاح حزب الله، وتحذيرات دبلوماسيّة من أنّ أيّ تفاهم لا ينهي قدراته العسكريّة قد لا يصمد أمام الحكومة الإسرائيليّة المقبلة. وبين المفاوضات المجمّدة، والفراغ المحتمل في الجنوب، وعجز الدولة عن ضمان عدم انخراط الحزب في مواجهة إقليميّة جديدة، يواجه لبنان مرحلةً قد لا تقتصر تداعياتها على المناطق الحدوديّة، بل تمتدّ إلى عمق الجنوب، في ظلّ تقديرات تتحدّث عن احتمال اندلاع جولة حرب ثالثة.
طرد القنصل: رسالة أميركيّة تتجاوز التغريدة
لم يكن قرار وزارة الخارجيّة الأميركيّة إعلان القنصل العام اللبنانيّ في ديترويت إبراهيم خليل شرارة "شخصًا غير مرغوب فيه"، ومنحه مهلة 48 ساعة لمغادرة الولايات المتّحدة، تطوّرًا دبلوماسيًّا عاديًّا. فالقرار، الذي تبلّغته السفارة اللبنانيّة في واشنطن رسميًّا، جاء على خلفيّة منشورات قديمة منسوبة إلى شرارة، أشاد فيها بتفجير مقرّ مشاة البحريّة الأميركيّة في بيروت عام 1983، الذي أودى بحياة 241 عسكريًّا أميركيًّا.
وكان موقع "واشنطن فري بيكون" قد أعاد نشر تغريدة منسوبة إلى شرارة تعود إلى عام 2021، تحدّث فيها عن إنهاء "الاحتلال العسكريّ الأميركيّ لبيروت بضربة واحدة"، وهو ما أثار جدلًا سياسيًّا وإعلاميًّا في الولايات المتّحدة، خصوصًا بعد تداول صورة جمعته بالسيناتور الديمقراطيّ المنتخب عن ميشيغان عبدول السيّد.
لكنّ مصادر مقرّبة من القنصل قدّمت روايةً مختلفة. إذ أكّدت أنّ الحساب الذي نُشرت عبره التغريدة قديم وتعرّض للاختراق الإلكترونيّ قبل سنوات، وأنّ شرارة لا تربطه أيّ علاقة بالسيّد، موضحةً أنّ جلوسهما متجاورَين خلال العشاء السنويّ لإحدى المؤسّسات العربيّة الأميركيّة كان مصادفةً. ووصفت المصادر القرار الأميركيّ بالمفاجئ، مشيرةً إلى أنّه لم تسبقه أيّ ملاحظات على أداء القنصل أو اعتراضات رسميّة على عمله، ومستغربةً صدوره بعد انتهاء دوام الخارجيّة الأميركيّة. وأكّدت أنّ شرارة سيعود إلى لبنان يوم الأحد.
غير أنّ التوقيت يطرح تساؤلات سياسيّة تتجاوز صحّة التغريدة أو ملابسات الصورة. فإعادة فتح ملفّ منشورات قديمة، بعد اعتماد القنصل وممارسته مهمّاته، تتزامن مع تحوّلات سياسيّة داخل الولايات المتّحدة، ومع تشدّد واشنطن في مقاربتها للملفّ اللبنانيّ. وإذا كان القرار يستند رسميًّا إلى المنشورات المنسوبة إليه، فإنّ تداعياته السياسيّة تتّصل أيضًا بحساسيّة العلاقة الأميركيّة مع حزب الله، وبحدود التعبير السياسيّ المسموح به للممثّلين الدبلوماسيّين.
واشنطن تضغط: لا تسوية من دون نزع السلاح
وفي موازاة هذه الحادثة، تتقدّم الضغوط الدوليّة على الدولة اللبنانيّة في ملفّ السلاح. إذ تحذّر مصادر دبلوماسيّة من أنّ أيّ تفاهم لا يتضمّن نزع سلاح حزب الله وتفكيك قدراته العسكريّة لن يحظى، وفق تقديرها، بالتزام أيّ رئيس حكومة إسرائيليّ مقبل، وهو ما يُبقي لبنان أمام خطر اندلاع جولة حرب ثالثة قد تتّسع وصولًا إلى قضاء صيدا.
وتكشف هذه التقديرات عن طبيعة المأزق اللبنانيّ: فإسرائيل لا تكتفي بالمطالبة بضمانات تتعلّق بعدم استخدام الجبهة الجنوبيّة، بل تربط الاستقرار المستقبليّ بتغيير جذريّ في الوضع العسكريّ لحزب الله. وفي المقابل، لا تزال السلطة اللبنانيّة عاجزةً عن تحويل قرارات حصر السلاح إلى واقع شامل، فيما يرفض الحزب التخلّي عن قدراته قبل إنهاء الوجود الإسرائيليّ.
وهذا التناقض يجعل أيّ تفاوض محكومًا بشروط يصعب التوفيق بينها، خصوصًا مع استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة وغياب ضمانات دوليّة تمنع استئناف الحرب.
وفي هذا السياق، نقل "التلفزيون العربيّ" عن مصدر رسميّ لبنانيّ أنّ المفاوضات مع إسرائيل لم تتوقّف نهائيًّا، بل جُمّدت بسبب الانتخابات، وأنّ الرئيس جوزاف عون يعتبر الوقت مبكرًا لفتح باب التواصل العسكريّ المباشر مع إسرائيل.
كما أفاد المصدر بأنّ عون يتواصل مع حزب الله عبر رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، بهدف ضمان عدم انخراط الحزب في أيّ حرب جديدة. وتُظهر هذه المعطيات أنّ الأولويّة الرئاسيّة الراهنة لم تعد تحقيق اختراق تفاوضيّ فوريّ، بقدر ما تتمثّل في محاولة منع انتقال أيّ مواجهة إقليميّة إلى لبنان، في ظلّ محدوديّة قدرة الدولة على التحكّم بقرار الحرب والسلم.
اليونيفيل: واشنطن ترفض التمديد وباريس تبحث البدائل
أمّا الاستحقاق الأكثر إلحاحًا، فيتمثّل في مستقبل قوّات الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان. فمع اقتراب 31 كانون الأوّل، الموعد المحدّد لانتهاء عمليّات "اليونيفيل"، تتسارع الاتّصالات الدوليّة بحثًا عن صيغة تحول دون نشوء فراغ أمنيّ في الجنوب.
وتتمسّك واشنطن برفض تمديد ولاية القوّات الدوليّة، حتّى لفترة إضافيّة قصيرة، معتبرةً أنّها فشلت في تحقيق أهدافها، ومستندةً إلى استمرار بناء حزب الله بنيةً عسكريّةً بالقرب من مواقعها خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، تتحرّك فرنسا وعدد من الدول الأوروبيّة بحثًا عن ترتيبات بديلة، وسط تباين في المقاربات بشأن طبيعة الوجود الدوليّ المقبل وصلاحيّاته. وإذا كانت بعض الأوساط تتحدّث عن رفض أميركيّ إسرائيليّ لانتشار قوّات بديلة، فإنّ الموقف الأميركيّ المعلن لا يستبعد أيّ مشاركة دوليّة من حيث المبدأ، لكنّه يربط فعاليّتها بتنفيذ الترتيبات الأمنيّة الجديدة.
وفي هذا السياق، أكّد السفير الفرنسيّ باتريك دوريل، من بكركي، استمرار المساعي الدوليّة لتجنّب التصعيد، مشيرًا إلى البحث في مستقبل "اليونيفيل" والتنسيق مع الدول المعنيّة لمنع الفراغ الأمنيّ. بدوره، عبّر البطريرك المارونيّ بشارة الراعي عن خشيته من توسّع المواجهات العسكريّة وانعكاساتها على لبنان.
وتكمن خطورة المرحلة في أنّ انتهاء العمليّات لا يعني انسحاب القوّات فورًا، إذ ينصّ القرار 2790 على انسحاب منظّم خلال عام 2027، لكنّ تراجع دورها العملانيّ سيطرح سؤالًا عن الجهة القادرة على مراقبة الحدود وتوثيق الخروقات، وعن قدرة الجيش اللبنانيّ على ملء الفراغ في ظلّ استمرار الوجود الإسرائيليّ.
الجنوب تحت النار: الاحتلال يفرض قواعده
في الميدان، لا تنتظر إسرائيل انتهاء مهمّة "اليونيفيل" لإعادة تشكيل الواقع الجنوبيّ. فقد شهدت بلدات القنطرة وزبقين وعيتا الجبل وبيت ياحون وكفرتبنيت وزوطر الشرقيّة سلسلة اعتداءات، شملت تفجيرات وقصفًا مدفعيًّا وإلقاء موادّ متفجّرة بواسطة المسيّرات، إلى جانب عمليّات نسف في بني حيّان وتمشيط باتّجاه الخيام.
لكنّ الدلالة السياسيّة لهذه التحرّكات تتجاوز حجم القصف، إذ توحي بمحاولة تكريس حرّيّة حركة عسكريّة إسرائيليّة داخل الأراضي اللبنانيّة، في وقت تتراجع فيه إمكانيّات الرقابة الدوليّة.
وتتجسّد خطورة هذا الواقع في قضيّة ابن دير ميماس نكد بشارة، البالغ 35 عامًا، الذي أوقفه الجيش الإسرائيليّ فجر الجمعة عند حاجز طيّار بين برج الملوك ودير ميماس، أثناء مروره بسيّارته برفقة صديق. وبحسب المعلومات، طلب الجنود أوراق الرجلَين وهاتفَيهما، وفحصوا محتوياتهما، قبل اقتياد بشارة إلى مكان مجهول والسماح لصديقه بالمغادرة. ولم تُعرف أسباب احتجازه، فيما أكّد أبناء بلدته أنّه يعمل في زراعة أرضه ولا يتعاطى نشاطًا أمنيًّا.
وتواصلت عائلته مع الجيش اللبنانيّ والسفير البابويّ باولو بورجيا للمساعدة على إطلاق سراحه، خصوصًا أنّه يعاني وضعًا صحّيًّا يستدعي تناول أدوية. والأخطر أنّ الحادثة ليست معزولة، إذ سبق أن أوقف الجنود الإسرائيليّون عددًا من أبناء دير ميماس والقليعة وبرج الملوك عند الحاجز نفسه، وصادروا هواتفهم مؤقّتًا، قبل إطلاق سراحهم.
وهكذا، تتحوّل الحواجز والتوغّلات ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم إلى أدوات ضغط يوميّة على السكّان، بما يهدّد استمرار وجودهم في بلداتهم، ويجعل الحديث عن السيادة والانسحاب مرتبطًا مباشرةً بحقّ الأهالي في البقاء والعمل والتنقّل.
الدولة أمام اختبار الحرب والسيادة
وفي مقابل هذه التطوّرات، شدّد وزير الخارجيّة يوسف رجّي، من كندا، على أنّ لبنان يجب أن يكون بلدًا "لا سلاح فيه إلّا سلاح الجيش، ولا قرار حرب وسلم إلّا بيد المؤسّسات الشرعيّة"، معتبرًا أنّه لم يعد مقبولًا أن يكون لبنان ساحةً لحروب لا يقرّرها اللبنانيّون.
ويتقاطع هذا الموقف مع محاولات بعبدا منع انخراط حزب الله في أيّ مواجهة جديدة، لكنّه يصطدم باستمرار الخلاف الداخليّ حول السلاح وبالمطالب الإسرائيليّة التي تتجاوز وقف الأعمال العسكريّة إلى تفكيك قدرات الحزب.
وفي المحصّلة، يجد لبنان نفسه أمام مسارات متزامنة: ضغط أميركيّ يتّسع سياسيًّا ودبلوماسيًّا، ومفاوضات مجمّدة، واستحقاق دوليّ يهدّد بإحداث فراغ في الجنوب، ووجود إسرائيليّ يواصل فرض وقائعه على الأرض.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.