28 تموز 2026 | 19:24

أخبار لبنان

هل يتّعظ اللبنانيون؟

هل يتّعظ اللبنانيون؟

حسن الحسيني -ناشط سياسي

مثلان شهيران يردّدهما اللبنانيون، لكنَّهم قلّما يقتدون بهما: «مين جرّب مجرّب كان عقله مخرب»، و«ما متت... بس ما شفت مين مات؟».

لستُ ممن يلقون اللومَ على طائفةٍ أو منطقةٍ أو فئةٍ سياسية إذا ارتكب أحدُ اللبنانيين خطأً ما، بل أحمّل اللبنانيين جميعاً المسؤولية، وأنا واحدٌ منهم. أقول قولي هذا استباقاً لردَّات فعل وأحكام من اعتادوا الحكمَ على النوايا بدلَ مناقشة الأفكار، ومن يختصرون أيَّ نقد وطنيّ باتَهام صاحبه.

جرّب اللبنانيون الاندفاعَ نحو القضايا السياسية الخارجية، وبالغوا في ذلك إلى درجة أنَّ الخارج نفسه، أياً كان، أُدهشَ واستغربَ حجمَ ذلك الانخراط الذي استنزفَ النِعم التي صنعت اسمَ لبنان، لبنان النموذج.

جرّب اللبنانيون المشاريعَ المقترحةَ من الخارج، على اختلاف أنواعها وشعاراتها، ولم يدركوا عقمَها أو سوءَ نتائجها إلا بعد دفع أغلى الأثمان: أرواحاً، وممتلكات، ومستقبل وطن ومصير أجياله.

جرّب اللبنانيون الوصاياتِ على اختلاف ثقافاتها ولغاتها، التي استعانت دائماً بالميليشيات كوكلاء أتقنوا تنفيذَ أوامرها وأجنداتها، وكان مصير تلك الوصايات دائماً إلى الفشل، ولو بعد حين.

وجرّب اللبنانيون «الحماياتِ» الخارجية، واستقبلوها بالتَّصفيق والزغاريد، قبل أن يخيبوا بانسحاب قواتِها وأساطيلِها عندما تبدلت مصالحُها أو تغيرت حساباتها. رحلتِ السفن، وغادرتِ الجيوش، وبقيَ لبنانُ وحدَه يواجه نتائجَ الرهانات التي بُنيت عليها الآمال.

أمَّا داخلياً، فقد جرّب اللبنانيون الأحزابَ والميليشياتِ الطائفيةَ العسكريةَ والمالية، التي تحوَّلت مع الزَّمن إلى «منظومة» لها نظامُها الداخليُّ غير المعلن، تتكافل وتتضامن كلَّما تعلق الأمرُ ببقائها واستمرارها.

منظومة تحرص على استدامة الغرائزِ والمخاوف الطائفية، وتفصّل القوانينَ على قياس مصالحها، غير آبهة بلبنانَ وتاريخه ومعناه ودوره، ما دامت تؤمِّن حاجاتِها واستمرار تسلطها على حساب الوطن والمواطن.

وتنجح أدوات هذه المنظومة، عبر تغذية المخاوف والانقسامات، في حرف أنظار اللبنانيين عن المشكلة الحقيقية، وإلهائهم بمشاريعَ تبدو أحياناً وكأنَّها حلول، بينما هي تعيد إنتاج الأزمة نفسها، من طروحات الفيدرالية والكونفدرالية والتقسيم، وصولاً إلى أفكار الانفصال أو الارتهان إلى مشاريع خارجية.

وهكذا يتحوَّل النقاشُ من السؤال الأساسي: كيف نبني دولةً قادرة تحمي جميعَ أبنائها؟ إلى نقاش حول أشكال جديدة لتوزيع الضعف والانقسام.

جرَّبَ اللبنانيون «المجرّب»، وما زال بعضهم يكرّر التجربة نفسَها، غير آبهين بالتحذير الكامن في المثل الشعبي، ومدفوعين بـ«الأنا» التي لا تخطئ، والتي تتغذى من الإنكار.

ومع ذلك، فإنَّ اللبنانيين لا يختلفون على محطات تلك التجارب ولا على أثمانها، فهم جميعاً يعيشون آثارها الجانبية والمزمنة.

ويبقى الثابتُ الوحيدُ الثمينُ الذي هو بمتناول أيديهم ويمكنهم امتلاكه هو وحدتهم الوطنية.

وحدتهم التي لا تعني إلغاءَ الاختلاف، بل تحويله إلى مصدر غنى، والتي تقوم على المواطنة الحقة والمساواة، ولا يضمنها سوى الدستور والقانون ودولة قادرة على تطبيقهما.

ومن عِبَر المثل الثاني، «ما متت... بس ما شفت مين مات»، فيحمل درساً أكثرَ قسوة.

فعلى مدى أربعةَ عشرَ عاماً، دفع لبنان ثمناً هائلاً: ما يقارب مائتي ألف شهيد، ومئات آلاف الجرحى والمعوقين، وندوباً نفسيةً لا تزال حاضرة، ومليارات الدولارات من الخسائر المادية، إضافة إلى فرص اقتصادية ضائعة تُقدّر بمئات المليارات، وأضرار بيئية لا رجعة فيها.

كلُّ ذلك كانَ يمكن تجنبه أو تخفيفه لو سبق منطق الوفاق منطق الحرب، ولو عُقد مؤتمر الوفاق الوطني سنة 1989 قبل هذا التاريخ بأربعة عشرَ عاماً لما كانت تلك الحروب الكارثية.

فهل يتعلّم اللبنانيون أنَّ استباقَ المشكلة وحلَّها قبل وقوعها أقلُّ تكلفةً بكثير من محاولة معالجة آثارها بعد أن يصبح الثمن دماً وخراباً؟

أمَّا خارجياً، فقد شاهد اللبنانيون، وشهدوا، كيف تُبدي الدول الكبرى مصالحها على أي اعتبار آخر، سواء تعلق الأمر بدولة أو جماعة أو فرد.

ففي الماضي القريب، رأى العالمُ كيف تخلَّت قوى كبرى عن حلفاء وثقوا بها لعقود عندما تبدلت مصالحها وحساباتها، تاركةً خلفها خيباتٍ قاسية، من العراق إلى ليبيا، ومن أفغانستان إلى غيرها. وكان الدرس واضحاً: لا يمكن لأي شعب أن يبني أمنَه ومستقبلَه على إرادة الآخرين.

في المقابل، حاولت إسرائيلُ، ولا تزال، تسويقَ مشاريعَ تتناسب مع مصالحها الخاصة، معتبرةً أنَّ لبنان الضعيف، سواء كان تابعاً أو غارقاً في الحروب، يبقى أكثرَ ملاءمة لها من لبنانَ السيد المستقر والقادر. ويبقى المثال الفلسطيني الأكثر إيلاماً. قرنٌ كاملٌ من النَّزف، لم توقفه قراراتٌ دوليةٌ ولا اتفاقيات ولا وعود، من القدس إلى الضفة الغربية وصولاً إلى غزة، حيث بقيت الدماء تنزف والعالم يشاهد.

ألا تكفي كل هذه التجارب، التي عاشها اللبنانيون أو شاهدوها بأعينهم، ليدركوا أنَّ الحفاظ على وطنهم ليس خياراً، بل شرط وجود؟

وأنْ ليس للبنانيين إلا وحدتهم الوطنية، وتصويب قدراتهم الهائلة نحو بناء دولة مستقرة وعادلة وقادرة؛ دولة تحمي نفسها بنفسها، وتصبح حاجةً للخارج لا عبئاً عليه، ومصدر ثقة لا مصدر خوف.

وربَّما تكون المرة الأولى في تاريخ لبنان التي ينتصر فيها اللبنانيون جميعاً، ليست عندما يغلب فريقٌ فريقاً آخر، ولا عندما ينجح فريقٌ في استدعاء الخارج أكثر من خصمه، بل عندما يقتنع الجميعُ بأنَّ الدولة هي المنتصر الوحيد.

فقد أثبت تاريخ لبنان أنَّ كل انتصار داخلي قائم على الغلبة كان انتصاراً مؤقتاً، وأن الخاسر الحقيقي كانَ دائماً الوطن.

أمَّا النَّصرُ الحقيقي، فهو أن يشعرَ كلُّ لبناني أنَّ كرامتَه يحميها القانون، وأنَّ أمنَه تؤمّنه الدولة، وأنَّ شريكَه في الوطن ليس عدواً، بل شريك في المصير. ويبقى السؤال: هل يتّعظ اللبنانيون من أمثال هم أنفسُهم اقتبسوها، ولا يزالون يرددونها؟ أرجو ذلك.

لأنَّ الأوطانَ تُخطئ كما يُخطئ البشر، لكنَّها لا تموت بأخطائها، بل تموت حين تحوّل الخطأ إلى عادة، والتجربة إلى إنكار، والانقسام إلى قدر.

فالأوطانُ لا تموت حين تخطئ... بل حين ترفضُ أن تتعلم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

28 تموز 2026 19:24