تشكل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطة مفصلية في مسار العلاقات الفرنسية - السورية، بوصفها أول زيارة لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى العاصمة السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد. وتقدمها باريس باعتبارها تتويجاً لنهج اتبعته طوال سنوات الحرب، ورسالة دعم للمرحلة الانتقالية، مع تأكيد أن الانفتاح على السلطات الجديدة يبقى مرتبطاً بقيام دولة مستقرة وتعددية، قادرة على إعادة توحيد البلاد والانخراط في محيطها الإقليمي والدولي.
وتأتي الزيارة بعدما كان ماكرون أول رئيس غربي يستقبل الرئيس أحمد الشرع في قصر الإليزيه عقب توليه رئاسة المرحلة الانتقالية، في خطوة ترى فيها الرئاسة الفرنسية بداية لمسار سياسي يتواصل اليوم بانتقال الرئيس الفرنسي إلى دمشق.
تتويج لسياسة فرنسية
تعتبر باريس أن زيارة ماكرون تطوي مرحلة امتدت نحو خمسة عشر عاماً من الحرب، وتتوّج سياسة حافظت خلالها على دعم الشعب السوري رغم تراجع الزخم الدولي الداعم للثورة. وخلال إحاطة إعلامية، وصف مسؤول في الرئاسة الفرنسية الزيارة بأنها "شجاعة"، معتبراً أنها تتوج سياسة "متماسكة وحازمة" في دعم الثورة السورية، ومشيراً إلى أن فرنسا واصلت هذا النهج حتى بعد التراجع الأميركي في أعقاب الهجمات الكيميائية في الغوطة عام 2013، حين غيّر كثير من الشركاء الدوليين مواقفهم.
وأوضح المسؤول أن باريس لم تنظر إلى إعادة تأهيل النظام السابق على أنها "خيار قابل للحياة"، وتمسكت بمواكبة التغيير باعتباره "الطريق الأكثر واقعية لإعادة سوريا إلى المجتمع الدولي". كما واصلت، بحسب قوله، دعم السوريين الذين طالبوا بالتغيير منذ عامي 2011 و2012، انطلاقاً من قناعة بأن مستقبل البلاد لا يمكن أن يبنى إلا عبر عملية سياسية جديدة.
ورأى أن الحرب السورية تجاوزت حدودها الجغرافية، بعدما انعكست بصورة مباشرة على الأمن الأوروبي من خلال الهجمات الإرهابية، وانتقال مقاتلين أوروبيين إلى سوريا، وأزمة اللجوء، فضلاً عن تداعياتها على استقرار لبنان والمنطقة، وهو ما عزز القناعة الفرنسية بأن استقرار سوريا أصبح جزءاً من أمن أوروبا.
دعم... ورسالة مزدوجة
وتسعى فرنسا إلى تثبيت حضورها في سوريا الجديدة، مع التشديد على أن هذا الانفتاح لا يعني منح السلطات الانتقالية دعماً غير مشروط.
وفي هذا الإطار، يؤكد المسؤول الفرنسي زيارة ماكرون تحمل رسالة مزدوجة، تتمثل في الاعتراف بالتحول الذي تشهده سوريا، والدعوة في الوقت نفسه إلى الالتزام بالأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة، وفي مقدمها "بناء دولة حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها، وتساهم في تهدئة التوترات الإقليمية، وتتحول إلى شريك لأوروبا".
وترى باريس أن التجربة أثبتت أن المسافة بين دمشق والعواصم الأوروبية "أصبحت أقصر مما كانت عليه"، سواء بسبب تداعيات اللجوء أو التحديات الأمنية المشتركة، فيما يستعيد البحر المتوسط أهميته فضاءً للتعاون الاقتصادي وحركة التجارة والطاقة. ومن هذا المنطلق، يحمل ماكرون إلى دمشق رسالة تقدير للشعب السوري، إلى جانب دعوة واضحة إلى السلطات الجديدة "لاعتماد نهج مسؤول وتشاركي مع الأوروبيين ودول المنطقة، بما يمهد لإعادة إعمار البلاد وتوحيدها وتحقيق الاستقرار على المدى الطويل".
إعادة الإعمار في صلب الزيارة
ولا تقتصر الزيارة على الجانب السياسي، إذ تضع باريس إعادة الإعمار واستئناف النشاط الاقتصادي في صلب أولوياتها، وهو ما يفسر مرافقة عدد من رؤساء الشركات الفرنسية لماكرون.
وأوضح المسؤول أن مشاركة القطاع الخاص "لم تكن خطوة طارئة، وإنما جاءت نتيجة تحضيرات بدأت قبل أشهر"، شملت زيارة وفد من اتحاد المقاولات الفرنسية إلى سوريا، إلى جانب عمل وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية على تهيئة الظروف التي تسمح بعودة الشركات الفرنسية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.
ورغم استمرار هشاشة الوضع السوري، ترى باريس أن بدء التعافي الاقتصادي "يشكل أحد الشروط الأساسية لترسيخ الاستقرار"، لذلك حرص ماكرون على تخصيص جانب مهم من زيارته لهذا الملف، بالتوازي مع لقاءات يعقدها مع شخصيات تمثل مختلف المكونات السياسية والطائفية والاجتماعية، في محاولة لتكوين صورة أوسع عن أولويات المرحلة الانتقالية.
لبنان وضبط الحدود
ويحتل الملف اللبناني حيزاً أساسياً في المحادثات الفرنسية - السورية، انطلاقاً من اعتبار باريس أن استقرار البلدين مترابط، وأن ضبط الحدود يشكل مدخلاً لتعزيز سيادة كل منهما.
وأكد المسؤول أن فرنسا تنتظر من دمشق "ضبط الحدود مع لبنان بالإمكانات المتوافرة لديها"، مشيراً إلى أن مشاركة "حزب الله" في الحرب السورية والانتهاكات التي ارتكبها، إلى جانب دور الميليشيات التي قاتلت إلى جانب النظام السابق، "لا يمكن أن تبرر أي تدخل سوري في الشؤون اللبنانية".
وأضاف أن العلاقة بين البلدين "ينبغي أن تقوم على الندية واحترام السيادة، مع تطوير التعاون الأمني عندما تقتضي الحاجة، لأن ذلك يساهم في الحد من أي تدفقات غير مشروعة قد يستفيد منها حزب الله، كما يساعد السلطات السورية على مواجهة الجماعات المسلحة التي لا تزال تنشط داخل أراضيها".
وفي هذا السياق، أشاد المسؤول بالمباحثات التي جرت بين دمشق وبيروت خلال الأشهر الماضية، مذكّراً بالدور الذي أداه ماكرون في تشجيع الحوار بين الرئيسين أحمد الشرع وجوزاف عون، سواء عبر اتصال هاتفي جمعهما خلال زيارة عون إلى باريس، أو من خلال لقاء لاحق على هامش قمة أوروبية.
وكشف المسؤول أن الرئيس الفرنسي "أبلغ الشرع بوضوح رفض باريس إرسال أي قوات عسكرية سورية إلى لبنان"، معتبراً أن خطوة كهذه "لن تؤدي إلا إلى زيادة التوتر وتعقيد الأوضاع". وأكد أن الرئيس السوري "تعهّد بعدم إرسال أي قوات عسكرية إلى لبنان، بصرف النظر عن أي طلبات قد يتلقاها من أي جهة".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.