في بساتين صيدا المعطاءة بالخير التي استظل أشجارها طفلاً وتنقل بين اغصانها فتى وشاباً .. وفي بيت صغير وسط أشجار الليمون والأكي دنيا بحي الست نفيسة في مدينة صيدا، ولد رفيق الحريري في 1 تشرين الثاني عام 1944 في كنف عائلة مؤلفة من خمسة أفراد " الأب المرحوم الحاج بهاء الدين الحريري والأم المرحومة الحاجة هند حجازي والأشقاء "رفيق وشفيق وبهية "، حيث كان الوالد يعمل بستانياً ( يضمن بساتين الحمضيات) ليعيل أسرته ويعلم أبناءه ..
كانت زوادته ما تربى عليه من قيم العائلة الصيداوية الأصيلة، وما اكتسبه من تراث وقيم مدينته الضاربة في التاريخ والمتجذرة بالإيمان وتنوع العائلة اللبنانية، وانفتاحها كما بحرها على العالم.. وكان كل ما يملكه ارادة واصرار على متابعة علمه وتحسين ظروف عائلته .. وحلم رافقه صغيراً وصارح به استاذه يوماً حين سأله ماذا تريد ان تصبح حين تكبر، فأجابه أريد أن أصبح رجل أعمال .. فتحول الحلم بعد سنوات طويلة من الجهد والكد والمثابرة ، ليس الى حقيقة واحدة، بل الى مسيرة من الحقائق الناطقة بانجازات له ولعائلته ولمدينته ولوطنه .
ومن منارات مقاصدها التي تشرّب منها علماً وفكراً وقيماً ، وفي مدرسة فيصل الأول التابعة لمقاصد صيدا كان ذلك التلميذ الذي يجمع بين الذكاء والمثابرة والطموح ، وكأنه كان واثقاً من أن العلم سيكون سبيله لتحسين وضعه، كما آدرك لاحقاً -بعدما أنعم الله عليه - أنه اذا علّم الأجيال أوقف الحرب في بلده أو على الأقل قصّر عمرها.. وفي باحات المقاصد كانت البيئة الحاضنة التي تشكل فيها وعيه لقضايا مدينته ووطنه وأمته. فكان يتقدم ويشارك في تظاهرات طلابية لمناصرة القضايا الوطنية والقومية وفي مقدمها قضية فلسطين .
ومن بحرها الممتد عبر المدى الذي اكتسب من رحابته روح المغامرة والإنفتاح على العالم وعلى شاطئها وجزيرتها" الزيرة" تشارك رفيق الحريري حلمه وعلمه مع صياديها مرافقا لهم في بعض رحلات ابحارهم ، ومتطوعاً مع زملاء له بتعليم من لا يعرف منهم القراءة والكتابة..
وفي أحياء المدينة القديمة وحاراتها ومعالمها وأسواقها التراثية، تنقل بين البيت والمدرسة ، او سعى الى العمل في مهنة (بيع اقمشة بالوقية، أو بيع الخضار، أو بيع السندويشات او قطاف الحمضيات ) ، لتأمين كفاف يومه وعلمه ..
ومن حقول الزرع التي اجتهد فيها علماً وعملاً في لبنان وخارجه.. الى حيث كبرت النبتة ونمت وأورقت وتحولت شجرة خير ونماء، أينعت ثمارها أجيالاً من المتعلمين والمبدعين في مختلف المجالات، وأظلت بفيئها الوطن كله سلماً أهلياً واعادة إعمار واستقراراً اقتصادياً واجتماعياً ومشروع بناء دولة ومؤسسات واستعادة لدور لبنان في محيطه العربي وفي العالم.
رأفت نعيم







يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.