23 تموز 2024 | 07:59

أخبار لبنان

قدرتنا وتعقيدات التكنولوجيا

مازن عبّود -النهار

سألDELONG (#Project_Syndicate, 2024):" هل يُـعـقَـل أن نكون أكثر ثراء لكن أكثر تعاسة من أسلافنا؟". اعتبر بأننا فقدنا السيطرة على الحضارة. وأشار الى اننا لسنا معدين للتعاطي مع هذا الحجم من التعقيدات. اذ انّ البشري مهيئ للتعاطي مع مجتمع مؤلف من 150 شخصا، وليس مع كون بهذا المستوى من التنوع والتعقيدات. فتكنولوجيا اليوم المعقدة تتطلب التنسيق بين أكثر من ثماني مليارات إنسان، وتستلزم بناء آلات مجتمعية ضخمة مؤلفة من اقتصادات السوق، والبيروقراطيات، والسياسات، والأيديولوجيات. Spence (1975) بدوره اعتبر بانّ التبادلات الاقتصادية بين البشر لا ترتكز فقط على عامل السعر. بل انّ الناس تميل الى التعاطي المتكرر مع وجوه تعرفها، اذ انها تخشى الخسارة التي قد تنتج عن أداء اشخاص يجهلون في سوق لا يتحكمون بها، وفي ظل عدم توافر المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات الصائبة التي تضمن ربحهم. Stiglitz (1993) استفاض في دراسة تأثيرات غياب او عدم جودة المعلومات على الاقتصاد. وخلص الى القول انّ حجم السوق محدود بالنسبة الى حجم المعلومات. مما يؤدي الى عجز الأسواق في كشف كل المعلومات التي تلزم اللاعبين لاتخاذ قرارات صائبة حتى لو كانت مجانية. فقدرة البشري على الاستحصال على المعلومة وتحليلها محدودة. مما يزيد من التعقيدات وينتج المزيد من التعاسة بغض النظر عن تزايد حجم الاقتصاد. صرنا نعيش في عصر تتحكم فيه التكنولوجيا ويغرق فيه الناس بالمعلومات التي لا يستطيعون التحقق من جودتها ولا تحليلها. من يمتلك المعلومة الصحيحة ينجح ومن لا يمتلكها يرسب. نعيش في حالة قلق متزايد جراء ذلك. امسينا عاجزين عن ضبط عمل المؤسسات التي اوجدت لخدمتنا لأننا ببساطة لا نفهمها. الواقع باننا صرنا بحسب DELONG نعيش تحت رحمة شبكة من وحوش غريبة عالمية تتحكم فينا وتجعلنا تعساء. وهل تستطيع مساءلة أنظمة ومؤسسات تجهلها وتجهل طرائق عملها في ظل عدم توافر او اكتمال المعلومات او حتى رفدك بمعلومات مغلوطة؟ ضاعت المساءلة وانحسرت قدرتنا على امتلاك وسائل لرصد الازمات او تصحيحها. ما عاد عالمنا الاجتماعي محصور بالأهل والجيران والزملاء في العمل اوهل الحي والمحلة، بل انه يتخطى ذلك كي يتضمن أناسا وهميين او حقيقيين نتفاعل معهم بشكل مباشر عبر الشبكات الاجتماعية التي أضحت تعزز كل شيء. أضحت هذه الشبكات ترفدنا بمشاعر المودة، والكراهية، والمقايضة والتبادل، والتخطيط، وتتخذ بالنيابة عنّا القرارات. امسينا نجر للتعاطي يوميا مع من لا نعرف، وكل ذلك يولّد لدينا القلق الذي ينتج تعاسة. البشرية تصنع تعقيدات لا تفهمها. فثمة إشكالية في التصدي لذلك لتحسين فهمنا وسيطرتنا وضمان سعادتنا وفق DELONG.

التعقيد يجلب القلق والتعاسة. المطلوب التحكم بالتكنولوجيا وتبسيط التعقيدات. "فلاح مكفي سلطان مخفي" قول يختصر تأثير البساطة على السعادة. فتبسيط حياتنا يضمن الحد المقبول من الاكتفاء والسعادة. ولنعاود بناء شبكاتنا الاجتماعية المتداعية وإعادة ترتيب عالمنا. لا يجب القضاء على التكنولوجيا، كما حطم لود (1779) ماكينات الحياكة احتجاجا على خسارته مهنته كحائك. بل المطلوب الانحسار وتبسيط معيشتنا والعمل على لغتنا التي ترسم تفكيرنا ورؤيتنا للعالم (اورويل، 1946). "ماسك" دعا الى ضبط وسائل التواصل الاجتماعي للحد من تأثيرها على الصالح العام. دير يوحنّا المعمدان في دوما يقوم ببناء مجتمع من حوله بتوفير منازل لعائلات اشترط عليها العيش بعبادة وببساطة. فهل يشكل ذلك وصفة للانسحاب من التعقيدات واستعادة السعادة؟


يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

23 تموز 2024 07:59