8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

انتَحَر ثُمَّ لم ينتحرْ!

قال بعضهم إنه انتحر. وقال بعضهم الآخر انه لم ينتحر. ثم قالوا انه لم يُقتل ولم ينتحر. ثم قالوا انه قُتل ثم انتحر. ثم قالوا انه لم يُقتل ثم انتحر. ثم انه لم ينتحر وقُتل. ثم قالوا انه انتحر بعد ما قُتل. ثم انه قُتل بعدما انتحر. فالقول متشابه هنا. ومتماهٍ. ومتجانس. ومعقول لا يخرج الى لا معقول. أو الى فانتازيا. أو الى دادائية. أو عجائبية. أو سريالية. قول متعدد بمعنى واحد. أو معنى واحد بأقوال متفرقة. ذلك أن كل من ينتحر في عالمنا العربي، بين أهل السلطة والسطو والسطوة، وبين أهل الكلام وغباره، وأهل القتل وفنونه، لا يكون في عداد المنتحرين، إلا بما يُفيد بأنه لم ينتحر اللهم، سوى من باب افتراضي، أو ظني، أو من لعب التأويل والتكهن وعلوم الكلام، والفقه، والثورة، وأهل التصحيح، والترجيح، وبين ذوي الكواليس والقبعات، والأنفاق المعتمة. ذلك أن من ينتحر، لا بد من أنه يختار طريقة موت، ويختار بذلك طريقة حياة. إذ أن الانتحار ليس من أهواء القدر إلا بقدر ما يصير القدر ممكناً، يصنع كالأرغفة، والموت، ويُعمَّر كالسجون، ويُشحذ كالنصال.
عندما تكلم غازي كنعان، قبيل أن يرحل، لم يكن بين نبراته، ولا في خفوت صوته، ولا في دقة اختياره التعبير تلو التعبير، والاستعارة تلو الاستعارة، ولا في إيقاع حروفه ولا في قرار حنجرته، ولا في قماشة جمله، ولا حتى في فراغات الصمت القليلة، بين معنى وآخر، ما ينضح به انتحار، أو ما يُوَلّي قامة من صلب ولا ما يشيِّع وجوداً، أو ما يلوح بمناديل مودِّعة، أو يسكب بين الكلام والكلام، ما يُعزّي الروح أو ما يتعتعها، أو حتى ما ينسكب منها، دمعاً خفياً، أو أسفاً مكتوفاً. ذلك أن غازي كنعان، بدا، وكأنه ينتظر، بعد كلامه، وفي الآتي، ما يمكن أن يتردد من أصداء ما يقوله. كأنما كان يريده من كلامه أن يطن في المستقبل، وبشهادته، وبعيانه، وبجسده، وبكل تاريخه. والذي ينتظر ما لقوله، ليس له أن ينتتظر بعده الانتحار. فالانتحار ليس قفزة سريعة من الحياة الى الموت، بقدر ما هو كثير يتراكم ويتكدس ليطفح به الكائن الى آخر نقطة مهدرة من وجوده. وغازي كنعان لم يكن في أحواله ما يشير الى زمن لا في الايتوبيا وسقوطها، ولا في العقيدة وأصولها، ولا في الكائن وفيضه الى ذاته. إذ انه كان ابن زمن فَرُغ من زمنه. وابن تجربة انعطبت مراميها، وابن تكوين تفككت مفاصله، وهو، حياً يرزق، يأخذ ما يأخذ من متاعه، ويرمي ما يرمي من آثاره: فالاتيوبيا تقتل بلا أمل. وتسوق الى الانتحار بلا أمل. بل الاتيوبيا انتحار مبكر. وهذا ما ليس في حسبان أحد، لا غازي كنعان، ولا أي. من تلك الكائنات الشبيهة.
إذاً، من الصعب جداً أن ترى أن اللواء انتحر أو تتصوره هكذا ! جلس في كرسيه. صَمَتَ لحظة. حمل المسدس. ثم ، وبهذا الاختيار الحاسم، الطالع من ذاته، أطلق النار على نفسه. وانتهى. ذلك أن غازي كنعان، لم يكن من طينة أن يصوّب مسدسه من عيار كذا وكذا الى حلقه. ولا الى صدغه. ولا الى أي من أعضاء بدنه وروحه. لكنه وقع. هذا هو المحتوم. انهار من كرسيه الى الأرض. وبقي المسدس في يده اليمنى. لم يترك المسدس. ولم ينسَ أن يتركه. ولم ينتبه، قبيل إطلاق الرصاصة، الى أنه حمل مسدسه من عيار كذا وكذا. ذلك أن هذا العيار كذا وكذا قد لا يناسب غازي كنعان أن يمتحن به حياته، ولا صحبه، ولا رفاقه، ولا مساعديه. ولا حتى حاجب الوزارة. ولا الصورة المعلقة فوق مكتبه. ولا الأرشيف في الأدراج. ولا الملفات. ولا الصور. و لا الرسائل ولا شرائط التسجيل. ولا الصوت المنتشر على الحيطان وعلى المكتب وصولاً الى المكاتب الأخرى، والشهود الآخرين. ذلك أنّ غازي كنعان أراد الحياة من العيار الآخر. والى الآخر. بصمت مشوب. لكن من كان وراء الجدران؟ لم يعرف كنعان ثم عرف. كانت الطلقة ذات دوي بلا حدود. لكن من كان وراء الباب؟ لم يعرف إلا عندما اخترقت الرصاصة حيث يجب أو حيث رسم لها أن تخترق. بلا زيادة ولا نقصان. ولا جلبة ولا أصداء. هذا هو قدر الذين تفاجئهم لحظة بلا زمن. أو زمن يطبق على النهايات، بلا رحمة. ولا شفقة. ولا ذاكرة. ولا نسيان. عرف كل ذلك ربما متأخراً في اللحظة التي أحاطت الظلمة بعينيه، وهبطت على كل جسمه دفعة واحدة، كعباءة و اسعة رماها الرفاق على ثيابه وروحه وتاريخه. عباءة التَّركِ. ثم عباءة النسيان. ثم عباءة العقاب "الالهي"، الصادر عن زمجرات، وغضب، وجنون الواقفين في الضوء، أو على حافة الهاوية، ربما تذكر غازي كنعان ما يجب أن يتذكره الواقفُ على العتبات، أو المسترخي بين الغيبوبة والموت: بيروت، رفيق الحريري، الانفجارات، حرب الجبل، حرب العلمين، حرب المخيمات، ميشال عون، سمير جعجع، وليد جنبلاط... اميل لحود، من دون أن ينسى حافظ الأسد، ووليده بشار، وكذلك رستم غزالة "مساعده" الأمين المستأمن المستنفرة ملامحه خلف الستائر والكواليس... ثكم كان عليه أن يتذكر بيروت، كلها دفعة واحدة،: الشرقية والغربية، الجبل والساحل. الجنود والميليشيات والناس. كأن بيروت كانت الشبح الأخير الذي حَوَّم حوله. هكذا انطوت الستارة على آخر مشهد يقع بين الواقع والذاكرة والفانتازيا والهاجس. كأنها اللحظة الدراماتيكية بامتياز: ان يعود كل شيء، كل ما صنعته اليدان، وارتكبته النفوس، دفعة واحدة، في مشهد متداخل، فوضوي، صارخ، متهافت، هاذ، مُوَلْوِل. تماماً، كما يختصر المشهد الأخير في مسرحية أخيرة كل المسرحيات التي طلعت على الخشبة. ولربما، عندما استرخت أصابعه على المسدس، عرف، وفي التماعة مدهشة، كم أن العالم صغير. وكم أن الأرض مستديرة، والتي مهما دارت فهي لا تسير أحياناً. تبرم وتعود. تنسى وتتذكر ثم تتذكر الى الأبد.
ربما، وفي التفاتة عابرة الى ما حوله، عزَّ عليه، أن يكون، ومن خلال كل هذه المشاهد، الآتية عليه، في ومضاته الأخيرة، أن يكون هكذا وحده. أن "يُستقتل" ثم يترك وحده. أن يُنتحر ثم يُترك وحده. ذلك أن الوحدة، في عُرف الكثيرين من ذوي الخبرة، من طقوس الانتحار. تنتحر وحدك. هذه هي القاعدة. وعندما "تُنحر" وسط الذين نحروك، عليهم أن يتركوك وحدك. لتكتمل الصورة، والشهادة، وتبصم الحقيقة، بأصابعها العشر والعشرين والألف. بل كأن غازي كنعان، لم يصدق أنه قُتل. أو انقتل. أو حتى انتحر. صدّق فقط أنه يجب أن يقتل. وينقتل. وينتحر في الوقت ذاته. فللضرورة أحكام. وعليه ان يتفهم كل ذلك. ذلك أنه لم يكن يحتاج الى من يفيده بأنه انتحر. أو قُتل. أو "استنحر" أو "استقتل"، فالافادة بلا افادة. هنا. فهو يعرف كل الوجوه التي اكتظت بها الغرفة، واكتظت بها الكواليس، كأنه كان يريد أن يترك الحقيقة للزمن، تماماً كما ترك في حياته حقائق كثيرة للزمن. منها حقيقة من اغتال رفيق الحريري. وكمال جنبلاط. وسمير قصير. وجورج حاوي... وما زالت أصداء التفجيرات تضج في أذنيه. من برمانا الى نيو جديدة الى الزلقا... فالحقائق تُترك لأهلها. وهو كأنما لم يعد من أهلها. ذلك أن قد يعز عليه كثيراً، أن تترك "حقيقته" كما تركت الحقائق الأخرى. بلا جواب. ولا سؤال. ولا مآل. وربما كان عليه أن يسمع ما قاله فاروق الشرع، من حبه، وجرأته، وعلمه وحرصه وغيرته: ان الاعلام اللبناني هو الذي قتله. الاعلام وضع المسدس في يده (غازي كنعان) وأجبره على ضغط الزناد. إذاً لا بد من قاتل! لكن لا بد أيضاً من التباس. من قصة بوليسية. من أغاتا كريستي. أو من محقق. فالقاتل رفيق الالتباس. وهكذا ستكون التأويلات كثيرة. مَنْ قتله؟ ومَنْ "انتحره"؟ و مَنْ "صفّاه" ومَنْ "استصفاه" ومَنْ هو المشتبه به. ذلك أن المشتبه به، عندنا، وفي تر اثنا العريق والحديث عادة هو الضحية. القاتل هو القتيل. لا فاعل سوى القتيل. والقتل فعل غامض لا يقوى على تفسيره أحد. وهكذا يبقى السؤال في سريرته. وفي سريرة الراحلين. فاروق الشرع اكتشف أن إعلامنا قتل غازي كنعان قبل أن يكتشف بحنكته واطلاعه الواسع ونياته الكبرى مَنْ قتل رفيق الحريري! فجأة أشرق رأسه الديبلوماسي بالرؤيا وبالعلم وبالحلم والنبوءة. إذاً، الأخبار الملفقة سببت ألماً "نفسياً" لغازي كنعان فانتحر ثأراً لكرامته! إذاً هذا التسريب لبعض التحقيق، ولأنه مجحف، فقد أحدث في نفس غازي كنعان ما يشبه التراجيديا الشكسبيرية، فانتقم لنفسه بإعدام نفسه. إنها طينة الأبطال التراجيديين. وفاروق الشرع الذي وصلت الديبلوماسية السورية في أيامه "الميمونة" الى أسفل نقطة من نقاطها، وعانت دمشق في أيامه من أسوأ عزلة عرفتها في تاريخها (بفضل عبقريته الفظة والفذة)، من الخبراء بالتراجيديات الاغريقية وكذلك الميلودراميات الهندية، إذاً، ولكي نحول الأنظار، عما حدث في مكتب غازي كنعان، فعلاً، ولكي "نقفل" التحقيق بسرعة (قبل نشر تحقيق ميليس)، فلننقل الكرة الى ملعب آخر، وهل هناك ملعب أرحب من الملعب اللبناني. إذاً فليكن الاعلام هو الجاني. وهو المجرم، وهذا يستدعي معاقبته: قتل بعض رموزه. أو تفجير مبانيه بأهلها. فالاعدام للجاني. وللمجرم. و هما غير موجودين لا في مكتب غازي كنعان، ولا في الجوار. وإنما في بيروت. وتحديداً في بيروت التي يجب أن تؤخذ كلها، بجريرة الاعلام. هذا ليس تهديداً. فالشرع بديبلوماسيته الميلودرامية لا يُهدِّد. إنه يُنذر. بل انه لا ينذر لعمق حبه بلبنان، بل يحذر. بل انه لا يحذر لعمق حبه باللبنانيين. بل ينبّه. نبيه الديبلوماسية السورية ينبه. أو فلنقل يتلو التعميم الرسمي الذي سيكون شغالاً في الأيام المقبلة، ليتهم الاعلام اللبناني "المأجور" و"الفاسد"، و"الطائفي" والمرتبط بأميركا واسرائيل وفرنسا وانكلترا... وسائر حواضر الأعداء والمتآمرين على "الأمة العربية" والقضايا العربية المحقة!
إنه كلام الأفول، أفول عالم ما ز الت لديناصوراته ألسنة مبرية تروي نهاياته، وغازي كنعان، في انتحاره أو في نحره، كأنما من علامات الأفول. ومن مقدمات زمن يخلف وراءه مَنْ تخلَّف عنه. ذلك أنه من علامات النهايات أن يُسقط غازي كنعان في ممكتبه، بالطريقة التي أسقط بها، وأن يحمل المسدس بالطريقة التي وجد فيها بيده، وأن تطلق الرصاصة بالطريقة التي أطلقت فيها، وأن يقع أرضاً بالطريقة التي وقع فيها، وأن تلتبس الأمور بالطريقة التي التبست فيها، وأن يرسل الكلام بالطريقة التي أرسل فيها، وأن يسدل الستار بالطريقة التي أسدل فيها، وأن يُقفل التحقيق بالطريقة التي أقفل فيها، وأن يكون هناك فاروق شرع بالطريقة التي يكون فيها هناك فاروق الشرع، وأن يتكلم بالطريقة التي تكلم فيها، وأن يوجه الأنظار الى مكان آخر، بالطريقة التي وجه فيها الأنظار الى الاعلام، وأن يكون، وسط كل هذه العلامات،. ما يلمع في الأفق، وما ينبئ، وما يبشر، وما يطلق السنونوات في فضاء مفتوح، على بروق، وأمطار، وفصول.
يبقى أن غازي كنعان، عندما دوّى حضيض المكتب بسقوطه، إنما دوَّت أرض بكاملها حوله واهتزت أركان بكاملها، وتضعضع هيكل بكامله. فهو لم يسقط وحده. ولم ينتحر وحده. ولم يُنتحر وحده. ولم يرحل وحده. صحيح أن أسراراً كثيرة فيه. صحيح أن أسراره فيه. لكن الصحيح أيضاً أن الأسرار تصبح وقائع! والوقائع أحوالاً. والأحوال أزمنة لها سماتها وخطوطها وحروفها ولغتها. وما يُظن أنه ذهب بذهاب اللواء، لا بدَّ أنه عائد! أو موجود في "لؤات" أخرى. تنتظر ما تنتظر من أقدار يبدو أنها وصلت الى خواتيمها. إذ ماذا يمكن القول في النهاية: ربما لا شيء! وربما كل شيء. وعلينا أن نكتفي، برغم العلامات الواضحة، بأن نقول: غازي كنعان انتحر ثم لم ينتحر، ثم قُتل ولم يُقتل، ثم قُتل فانتحر. ثم انتحر فَقُتِل. ثم لم يقتل وانتحر. ثم انتحر ولم يُقتل. ثم لم يقتل ولم ينتحر. ثم لم ينتحر ولم يقتل. ثم كان في يده مسدس ولم يكن في يده مسدس، ثمم أطلق الرصاص وثم لم يطلق الرصاص على نفسه...
وهكذا تبقى الحقيقة في اللاحقيقة، والمجهول في المعلوم، والمعلوم في المجهول... أوليست هي اللعبة التي أتقنها غازي كنعان وكل العالم والرموز والوجوه التي صنعته... وصنعها؟
الحقيقة التي ننتظرها، اليوم في بيروت، دَوَّت بقوة هناك... ليصل دويها الى حيث يجب أن يصل، الى حيث يجب أن يدوي بكل القوة التي تُصدع عالماً في سبيله الى التداعي!

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00