8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حُرّاس" الفتنة و"أصدقاء" الخراب

أَفَاقَ "أصدقاء الشرتوني والعلم" في أوكارهم وتذكروا (أو الأحرى ذُكِّروا) بضرورة إرسال تحية تقدير وإكبار الى قتلة بشير الجميل، باعتبارهم نفذوا عملية نضالية. عال! أما لماذا أفاق "هؤلاء" الأصدقاء الآن بالذات ومَن "أيقظهم"، ومَن طلب منهم أو "أمرهم" بالتعبير عن هذا الوفاء "القومي" و"الوطني" فهنا السؤال!
ثم، وفي التزامن، أفاق "حُرّاس الأرز" وتذكروا الأرزة، باعتبارهم "حماتها" وجندها، ليحركوا بيقظتهم هذه عِدَّةَ الحروب والفتن، ويتحفونا بأفكارهم العميقة النيّرة، ويذكرونا بأنه "لن يبقى فلسطيني على أرض لبنان"، مع مبادرة استرجاعية لشعار إرهابي "على كل لبناني أن يقتل فلسطينياً" من دون أن ينسوا العروبة والجامعة العربية، ليتكفلوا "المطالبة بانسحاب لبنان من هذه الجامعة" لأن الشعب اللبناني خارجها، لأنهم، لبنانيون لكن من أصول سويسرانية أو هولندية... من دون أن نغفل فينيقيا الحبيبة وقدموس الحبيب وهنيبعل الأحب، واختراع الأبجدية، والزجاج والبرفير وربما الكوسا والباذنجان... ولم لا الأرز! فالأرز، "أرز الرب"، "اخترعه أجدادنا، وشارك "حراس الأرز" بزرعه... بالتعاون والتنسيق مع المخابرات الاسرائيلية سابقاً أو أي مخابرات أخرى "تحب لبنان وسيادة لبنان وعنفوان لبنان".
وقبل "أصدقاء الشرتوني"، و"حرّاس الأرز"، تزامنت محاولات لتقليب المواجع القديمة، ونبش مآسي الحروب، ونخز الجروح، لإثارة الفتن الطائفية تهديداً للسلم الأهلي، وتعبيراً ذا توجهات مختلفة.
1) التشويش على التحقيق.
2) تصوير اللبنانيين بأنهم حفنة من القتلة والعنصريين والقاصرين يحتاجون الى من يسوسهم ويسدد خطاهم "لما فيه خير الأمة العربية" والاشتراكية والوحدة ولا ننسى بالطبع الصمود والتصدي.
3) التجريح بملحمة 14 آذار وتسفيهها وطمس كل مدلولاتها: الوحدة الوطنية، إرادة التحرير، إسقاط الفاشية الأمنية، تأكيد الاستقلال والتحرر من الوصايات.
ورافق هذه "الجعجعة" الاعلامية المخابراتية ما يوازيها، ويطبّعها على الأرض: إشاعة مناخ من الترويع والترهيب، عبر التفجيرات المتكررة في المناطق المسيحية (لاستثارة المسيحيين)، تدمير الاقتصاد اللبناني، زعزعة الاستقرار، وإفشال حكومة الأكثرية، وتدمير الثقة بمرحلة ما بعد الوصاية وسقوط رموز النظام الأمني وزجهم في السجون للاشتباه بتورطهم باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه. من دون أن ننسى التهديدات بالقتل التي توجهها بقايا النظام الأمني وامتداداتهم الخارجية، الى بعض رموز 14 آذار: من سعد الحريري الى وليد جنبلاط، والياس عطالله، وفارس سعيد وسمير فرنجية، وكذلك الزميل علي حمادة، من دون أن نغفل التهديدات المبطنة لبعض زعماء البلد السياسيين والروحيين: كالبطريرك صفير، ونبيه بري، والسيد حسن نصرالله، وكل من يثبت أنه بقتله يمكن أن يؤدي الى فتنة مذهبية أو طائفية... وكذلك لا ننسى ربطهم القول بالفعل وهم أناس "إذا قالوا فعلوا" باغتيال الشهيدين سمير قصير وجورج حاوي ومحاولة اغتيال الوزير الياس المر.
إن هذه الحلقات المتتابعة، خبرناها، مع أكثر من فريق عربي (وغير عربي أجنبي واسرائيلي) على امتداد أكثر من ثلاثة عقود. وقد تعودنا سماع هذه الاسطوانة المخابراتية الدموية ومشاهدة آثارها المدمرة علينا، ويبدو أن هذه الأسطوانة التي تديرها أصابع (محترفة بأفعالها) معروفة، أديرت بشكل متواصل ومكثف، وبأنغام وبأصوات نشاز، لتكون هي الأغنية المفضلة والمكررة عند أهل النظام الأمني المشترك فهي شغالة على مدار اليوم والشهر والسنة. فإذا طالب أحدكم، (في الماضي) بخروج نظام الوصاية من لبنان، شنفتنا الاسطوانة بلازمتها المعروفة: الخروج يعني تدمير البلد، واشتعال حرب أهلية، وتقسيم البلد، وانتفاض الطوائف والمذاهب على بعضها.
وإذا طالب أحدهم بذهاب الجيش اللبناني الى الجنوب أداروا الاسطوانة ذاتها (يا للمفارقة: جيشنا إذا ذهب الى الحدود يحمي العدو، والجيوش الأخرى المنتشرة على حدودها وعلى تماس مع العدو إنما لحماية أرضها!).
وإذا طالب أحدهم بعدم التمديد لأخينا إميل لحود "رمز النظام الأمني الفاشي المشترك"، أداروا الأسطوانة ذاتها.
وبعد اغتيال الرئيس الحريري وقيام ثورة الأرز، لم تثنهم هذه الثورة عن اعتماد "عدتهم" القديمة: التهديد والترويع والتخوين. وقد استمتعنا بزلاعيم عملائهم التي ما كانت سوى اسطوانات قديمة تردد الشعارات القديمة: إذا أجريت الانتخابات النيابية فسيفجر البلد. ثم إذا تألفت حكومة أكثرية تندلع الفتنة. ثم إذا أسقط النظام الأمني فالويل ينتظرنا. والآن، يبدو ومع اشتداد الطوق على أعناقهم في تباشير التحقيق واعتقال مجرمي النظام الأمني، المتورطين في قتل الحريري، قد جُنّ جنونهم. لقد استماتوا في خلق فتنة ولم تحصل. واستماتوا في منع الانتخابات والحؤول دون وصول الأكثرية وفشلوا. واستماتوا للحؤول دون تأليف الحكومة فاستماتوا. واستماتوا في تحويل الأنظار عن قتلة الحريري ففشلوا. إنهم الآن في حالة استماتة. في حالة خروج على الطور. في حالة لاتوازن. يريدون وبأي ثمن التشويش على التحقيق. وأقصر السبل وأسهلها بالنسبة إليهم (وقد مارسوها أكثر من عقود فاعتادوها، وأدمنوها، واستلذوها) هي القتل. إعادة البلاد الى الحرب. إثارة الفتنة من كل نوع. حاولوا زرع الفتنة بين الشيعة والسنّة ففشلوا. وحاولوا زرع الفتنة بين المسلمين و المسيحيين ففشلوا. لكن يبدو أن "عدتهم" وأساليبهم، برغم أذيتها وتدميريتها، قد هرمت، وصدئت، وعلاها زنجار عقولهم المريضة، مما زاد جنونهم، وحماقتهم، وتفاهتهم، وشغفهم بالقتل، والتدمير، والتخريب حتى حدودها العبثية.
وفي هذا السياق المتنامي (الغبي والارهابي) كان على المتضررين من اكتشاف "الحقيقة" أن يعودوا الى كل الأوراق القديمة. ينبشوا كل عملائهم. يوقظوهم. يحركوهم في اتجاه محاولة "التغطية" على مجريات التحقيق. ويبدو أنهم عثروا على "أصدقاء الشرتوني والعلم" ليمتعونا بوطنيتهم المتأخرة، والمبرمج ظهورها على الشاشة المخابراتية في هذا الوقت بالذات. أما لماذا لم نقرأ أو نسمع ما يفيد بوجود هؤلاء منذ زمن الوصاية عندنا؛ وأما لماذا لم يتذكر هؤلاء الأصدقاء الأوفياء، مَنْ قتل الحريري، وسمير قصير وجورج حاوي، ومَنْ يدمر لبنان، ومَنْ يخرّب اقتصاده، ومَنْ يرعب شعبه، ومَنْ يهدد زعماءه ومثقفيه. فهذا التذكر ليس، حالياً، في أجندتهم لأنه لا يثير فتنة أو طائفية، بل لأنهم من ضمن هذه الأجندة. أما ولماذا لم يسألوا أيضاً، باعتبارهم حريصين على "الخط" الوطني "الصرف" كعين الديك والدجاجة والنسر، مَنْ قتل كمال جنبلاط والشيخ صبحي الصالح، والمفتي حسن خالد، ورياض طه، وسليم اللوزي، ورينيه معوض... فهذا السؤال لا يندرج في خطوط الوفاء العالية. كأنهم لا يريدون أن يوزعوا نشاطاتهم الوطنية، وإنما التركيز على "القضية المحورية" اليوم، وهي تذكر أصدقائهم ممن قتلوا الجميل.
ومن ضمن "العملة الواحدة يأتي حراس الأرز" حراس العنصرية والقتل والتعصب والتخلف، ليكملوا، ومن موقع آخر (وربما من تقاطع موضوعي آخر)، ما يتابعه "الأصدقاء". فحراس الأرز أوفياء أيضاً لخطوطهم الصهيونية، التي لا بد أن تتلاقى وخطوط التوترات الأخرى، في محاولة مزدوجة لتخريب السلم الأهلي، والتشويش على التحقيق، وإعادة لبنان الى الوراءء...
خطان متوازيان "يلتقيان" أخيراً! فيا للمعجزة المخابراتية، ويا للأصالة الارهابية! ويا للوفاء الطاهر! ويا للوطنية الساطعة! ويا للفينيقية اللامعة! ويا للعروبة الجياشة!
هذان الخطان، المرتبطان بحلقات سابقة كأنهما يتساندان، كل من "موقعه"" المختلف (وقد لا نرى اختلافاً إلا في العنوان) لمحاولة رسم ما يسمى اليوم: ما بعد نتائج تحقيق ميليس، وكشف مزيد من الأقنعة وتساقط كثير من "الميلوسوفيتشيين"، وتدحرج رؤوس "كبرى" (وهي صغرى)، إزاء الزلزال المنتظر. فهؤلاء، وعلى تماسهم العضوي مع جرائم التفجير والقتل والارهاب، يريدون أن يعلنوا أيضاً عن "زلزالهم" وقراءة في بياناتهم (ستنبش خلايا وأوكار أخرى من العملة ذاتها)، نعرف أنهم يهددون البلد بالدمار وبالتقسيم. وبالخراب الطائفي. إذا... ما هزّ زلزال التحقيق متونهم وأُسُسهم. إنها مقايضة مكشوفة وتجارها وجزاروها معروفون. وأدواتهم معروفة. ولا نظن أن "حراس الأرز" مثلاً بوزنهم المعدوم في محيطهم قادرون على فعل أي شيء. ولكن المهم في "مبادرتهم" (الفينيقية، والفينيقيون بَرَاءَ منهم) إنها توجه رسالة من أرباب هؤلاء. ولا نظن أن "أصدقاء الشرتوني والعلم" من أوزان قادرة على فعل شيء. ولكن "معلميهم"، ومَنْ يقف وراءهم يرسلون الى لبنان، عبر "تحيتهم" المشبوهة ما يفيد التهديد، والترويع... تماماً كما كان يفعل نواطير المخابرات من زعماء وشخصيات وإعلاميين إزاء كل استحقاق.
إذاً هؤلاء، "نواطير الأرز" وأصدقاء الشرتوني!..." (وسائر الأصدقاء السريين)، يؤشرون الى ما ستؤول إليه الأمور إزاء نتائج تقرير ميليس. ولكن كما أن هؤلاء من عدة شغل قديمة: "حراس الأرز" من زمن ديناصوري ولى، و"الأصدقاء ..." من زمن ديناصوري ولى أيضاً، فإن "معلميهم" أيضاً من زمن ديناصوري ولى. وعندما نقول ذلك فلنشير الى أن "السلاح" الديناصوري الذي استخدم على مدى ثلاثين عاماً، وشحذ بعد استشهاد الحريري... لم يعد صالحاً للاستعمال. وحتى قطع الغيار لم تعد متوفرة كما يجب أن تتوفر. وكما فشل هذا السلاح الديناصوري، وكان 14 آذار قمة فشله، والانتخابات وتأليف الوزارة واعتقال جنرالات الاجرام... امتدادات هذا الفشل، فإن ما يرسمه "ديناصورات" الفكر والانتماء الكاذب والمتخلف، للبنان سيفشل حتماً، وإن تكبد اللبنانيون خسائر مادية ومعنوية. فالذين صمدوا ثلاثة عقود، ولم تنجح أي قوة غاشمة محلية أو إقليمية أو عدوة (اسرائيل) في تطويعهم، ولا في حملهم على اليأس من أنفسهم، ولا على الاستسلام لا للاحتلال ولا "للوجود" ولا للوصاية... ولا للفاشية، ولا للدكتاتورية، ولا لأي نظام أمني استبدادي، قادرون بعد تحقيقهم 14 آذار، وانشاء الله كشف قتلة الحريري، على "الصمود" الحقيقي (لا أقصد شعار الصمود والتصدي الذي رفعه أول الاستسلاميين وآخر العملاء والفاسدين) وعلى مواجهة مخطط تدمير بلادهم، وقتلهم، وتخريب اقتصادهم. وذلك أن اللبنانيين، الآن خبروا "الجميع" بمن فيهم النظام الأمني المشترك، اكتسبوا مناعة قوية بعد كل محاولات الفتنة وردها الى نحور مطلقيها ومفتعليها. أوليس هذا ما تم حتى الآن: أولم ترتد كل محاولات الترهيب والتهويل بالحرب والتهديد بالقتل الى أصحابها. وانظروا في أي درك هم الآن. وفي أي أسفل. وفي أي هاوية. وكما ان كل ما "أرادوه" وخططوا له في مختبرات الارهاب ارتد عليهم، فإن ما يرتكبونه اليوم، سيزيد اللبنانيين مناعة، وتشبثاً بأرضهم الغالية وبحدودهم الكاملة، وبسيادتهم المطلقة، واستقلالهم الناجز، وديموقراطيتهم كمشروع مفتوح يصنعه المجتمع المدني، وعلى حرياتهم، وعلى الحياة. (فكل ما ذكرناه هو الحياة، وكل ما يدمره ينتمي الى الموت).
وأخيراً، ننصح "حراس الأرز" (وهم أصغر من أن يكونوا حراساً للفاصوليا أو للحمص أو للفجل) بأن يبلغوا "أسيادهم"، أن كل أسلحتهم صدئة، وقديمة وبائدة. وننصح أيضاً رديف هؤلاء من أصدقاء الشرتوني، بأن يبلغوا "أسيادهم" أيضاً، أنه إذا لم تنفع ثلاثة عقود في ترويض شعب على العبودية، فلن تنفع ألف سنة في ترويضه. ننصح الطرفين "الموضوعيين" في لقائهما الموضوعي المشترك بأن يبلغ كل منهما "أربابه" بأن كل ما سيرتكبونه لن يفعل أكثر ما تفعله حصاة ترمى في الماء... وإن كانت بعض دوائر الماء... قانية وحمراء.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00