8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مسرح ما بعد الحداثة مسرح مؤلف أم مسرح مخرج؟ (2)

نشرنا أمس الجزء الأول من ورقة الشاعر والناقد المسرحي بول شاوول في الندوة الفكرية التي تعقد على هامش مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي.
هنا الجزء الثاني والأخير من الورقة.

وفي كتابه "نحو مسرح فقير"، يشير غروتوفسكي بوضوح الى أن "الاخلاص لنوايا الكاتب ليس الهاجس الأساسي في المسرح". فالكاتب ينتج النص في مسرحه. لكن ليس وحده (نقيض النظرية الرمزية). فالممثل والمجموعة التي ينتمي إليها تنتج النص وتشارك في تأويله. فمجموع الذين يلعبون النص يكوّنون "الكاتب الجماعي". فالأداء هنا، ومن ضمن انعدام وسائل العرض وتقنياته، واكسسوراته، وزحمته. هو الأساس: لا يزاحمه تزويق الديكور، أو وظيفية تقنية. وإنما يعود "المسرح" "بفقره"، هن الى أصالته الأولى. الى طقوسيته الأولى. الى عناصره الأولى. الممثل ـ النص. أو بالأحرى الممثل الذي يصير النص ودلالاته وإشاراته وإيحاءاته (هنا نقيض المايرخولو والبرشتية والبيسكاتولاية، وشيء من الاختلاف مع الأرطووية". فكل هذه العناصر السينوغرافية والأدوات هي خارجية بالنسبة لغروتوفسكي، تحوّل النص ـ الممثل عن طاقاته الأولى. بل هي تضرب خصوصية المسرح الذي يجب أن يختلف بها عن الفنون الأخرى، وتقض على استقلاليته بجره للالتباس بما هو خارجه.
فالممثل هو البؤرة الأولى التي تعطي النص دلالاته. وتقرأه قراءة أخرى. وهنا بالذات يمكن الكلام على تعددية النص وغناه ومحاولة استنفار مضامينه وإشاراته (يلتقي أرطو وكوبو). وهذه النزعة التأويلية للنص ستبكر فيما بعد وتتسع مع انفتاح النص والمسرح على العلوم والظواهر الانسانية الأخرى، كالتحليل النفسي والبنيوية والايديولوجيا (الماركسية) والوجودية والواقع السياسي، والعصرنة، بحيث بات كل نص، قديماً كان أو جديداً موضوع قراءة خاصة، وفهم خاص، أي موضوعاً لا بد من أن يخضع لتأويل "معاصر"، أو لاسقاط على الأحوال الراهنة. فالراهنية باتت جزءاً من التعامل مع النصوص المصوغة والمنشورة: من سوفوكل الى شكسبير ومرلو وغولدوني وحتى راين وكورني...
وبهذا، لم يعد النص ملك كاتبه. ولا يكتفي بمعناه الأحادي المعروف. صار نصاً مفتوحاً على كل الحساسيات والأفكار والتفسيرات. صار نصاً قابلاً للتفكيك، ولمختلف عمليات المقاربة، والمشاركة في إعادة صوغه وترتيبه وتوصيفه وتفسيره وتكسيره، وحتى تحطيمه. فلم يعد كاتب النص كاتبه فقط. وإنما المخرج، وكذلك الممثل والسينوغرافي والكوريغرافي. كأنما يجوز القول هنا عن "موت المؤلف" لا بالمعنى التناصي، وإنما بمعنى أن المؤلف صار كل من يقرأ النص قراءة خاصة، وكل من يحمله اليالخشبة بعين جديدة، وبلمسة جديدة، وببنية جديدة أيضاً، فالنص، بهذا المعنى "يموت" عند كاتبه، ليبعث آخر عند رجل المسرح. ولم يبق فقط من "مقدساته" سو" ما يسبغه المخرج عليه. بل بات النص المكتوب (أو غير المكتوب) يوقع باسم المخرج. مؤلفه الثاني الذي تبنى "أبوته" الثانية. لكن وبرغم "موت المؤلف" فقد بقي "الأثر" المفتوح، وان صادره المخرج "العمل" فقد بقي العمل أثناء الاخراج بذمة المخرج، ليعود بعدها الى مكانه الأصلي، الى أبوته الأولى. إنها بداية ما في مقاربة النص اخراجياً وبصرياً وتقنياً. إنه زمن المخرج. نعم! لكن أيضاً زمن المخرج ـ النص. والنص، هنا، قد يحافظ على حضوره. وإنما ـ على صيغة مسرحية ورؤيا مغايرة أو مختلفة عن نوايا الكاتب، بحيث يصير أحياناً مرتهناً بوظيفيته كذريعة استخدامية، وأحياناً كوسيلة آنية، هشة. صحيح ان ثمة بداية أو إعادة بداية في العمل، لكن ليس هناك (عموماً) ابتداء من نقطة الصفر، أي من اللانص الى النص، من اللاعرض الى العرض.
وهنا بالذات يمكن الكلام على تجربة ظهرت في نهاية الستينات وبداية السبعينات وهي "مسرح الشمس" (إدارة أريان منوشيكن). فالنص هنا يولد مع العرض. لا يسبقه. ولا ينافسه. ولا يحاول اللحاق به. لا يحطم النص لحساب الرؤيا الاخراجية. لأنه يولد من الحطام. ولا يكتبه كاتبه أو مخرجه أو أي فرد من أفراد الفرقة، بل الجميع. فمن "الكاتب الجماعي" الذي شهدنا عند غروتوفسكي، نصل الى الكتابة الجماعية التي ينتجها الممثلون. فعند غروتوفسكي، يعيد الممثلون بممارستهم المسرحية كتابة النص بتأويله... وتفتيحه على المناخات والطقوس والحالات. أما في "مسرح الشمس" فتأتي البداية من الصفر. فلنبحث عن نص لا أن نختار نصاً. فلنرتجل نصاًلا أن نرث نصاً. فليولد النص إذاً مع العرض. لا أحد يسبق الآخر. فالنص هنا موجود أيضاً ويشكل أساساً، لكن من ضمن دوره الوظيفي المرتبط بعرض معين، مع فريق معين، وفي ظروف معينة. فإذا كان النص يولد مع العرض، فإنه ينتهي أيضاً معه. وهذا يعني أن بعض نصوص "مسرح الشمس" ل تعود صالحة، لأن يقاربها نناس آخرون، أهل مسرح آخرون في تجاربأخرى. بليصير من الصعب حتى قراءة النصوص مع الاشارات والملاحظات إلا كوثائق. فالعمل يبدأ من ذاته. يبدأ ورشة. مشروعاً يبحث عن لغته. وهذا يعني أن "مسرح الشمس" يفتتح، والى حد كبير، زمناً جديداً يبشر بانتهاء زمن النظريات الجاهزة: كأن يبدأ من الصفر يعني أن يبدأ من دون نظرية. وطريقة الممارسة هنا تحل محل النظرية الجاهزة. بل ان أرجحية عنصر مسرحي على آخر في العرض، باتت معدومة. فمفهوم الاخراج قد تغير. بل لقب مخرج استبدل بريجسير (أي ضاط إيقاع باللغة الموسيقية). إذاً لم يعد هناك مؤلف. ولا مخرج. ولا حتى مصمم ديكور. صار الجميع، أي الممثلون ينتجون كل ذلك. فلا نص ولا حتى ممثل (بالمفهوم السائد)، أي لا شيء ثابتاً. كل العناصر مرتبط بالارتجال. كل ممثل "يؤلف" دوره بالمشاركة مع الآخرين. النشاط الفردي غائب. هكذا صيغة مسرحيتا "1789" و"1793"...
إذاً ولت النظريات (التجريدية) الفردية. والنظرية تولد مع العرض. وتنتهي معه، وتتحرك في عالم مفكك، في عالم "حطام"، في مساحة من المواد الأولية التي يصنع منها العرض. فلنقل أنها "نظرية اللانظرية" أو "نظرية الصفر". فلم يعد هناك نظرية غروتوفسكية، وأخرى أرطووية"، أو برشتية، أو ستانسلافسكية أو مايرخولوية، أو برشتية، أو ستانسلافسكية أو مايرخولوية. زمن النظريات المكتملة كأنه ولى. لا بل ان هذه النظريات قد تحولت كلها من بنى شبه مكتملة، من لغة تسعى الى الانسجام، الى مفردات مجرد مفردات يستخدم بعضها، في عمل أو في تجربة، فمنوشكين "ضابطة إيقاع" العرض، وواحدة طريقة عمل الممثلين، استفادت من كل النظريات لتحول بناها الى شذرات في عملها. فعندها من أرطو ومايرخولو وبرشت في مسرحها، تختار منهم ما يلائم العمل. أي جرى تفكيك هذه "المدارس" الى تفاصيل في العمل المرتجل.
ولا يعود التساؤل: ماذا حل ببنية النص مشروعاً إلا بطرح سؤال آخر: ماذا حل بالأدوار الأخرى. فلممثل هنا "صانع" النص والعرض، ومنتج "الرؤيا" (كوسيلة عمل ومنهج وسلوك). فلا قدسية في النص، ولا في الاخراج. ولا حتى عند الممثل. ولا في الشخصيات. فهذه الانتاجات النصية الجماعية لا تقدم إلا ضمن أدوات العرض. والتعبير الكلامي لا ينفصل عن التعبير الحركي.
إنه افتتاح جديد في مفهوم النص الدرامي. فهو لم يعد نتاجاً أو أثراً وإنما ورشة. مواد مفتوحة قابلة للتغيير (هذا يذكرنا بالكوميديا دي لارتي).
لكن مع هذا لم تنف أريان منوشيكن النص الجاهز. (تماماً كأرطو)، بل تعاملت مع فريقها في "مسرح الشمس" في تنفيذ أعمال كلاسيكية لشكسبير وموليير، وانطلقت من بعض النصوص غير المسرحية لتمسرحها. ولكن ما اختارته من أعمال "أخضعته" لإسقاط راهنية، اجتماعية وسياسية. (تماماً كما فعل أرطو ويفعل بيتر بروك وبو ولسون وكما فعلت أيضاً تيتر" و"الأوين ثيتر" في أميركا. وفي ذلك، كما سبق وقلنا، تحويل دلالات النص القديمة الخاصة بالكاتب وبنواياه، الى دلالات ترتبط بموقف سياسي أو فكري أو انساني. وهذا يدل على أن معظم الذين تعاملوا كمخرجين يشككون في قدرة النص على النطق وحده باسم العرض لجأوا الى قراءة النص قراءة خاصة عبر "الانزياح"، انزياح المعنى والدلالة من وجهة الى وجهة. فما بعد النص نص آخر. وكل نص له ما بعده.
حاولنا على امتداد ورقتنا رصد الممهدات الأساسية التي هزت عرش النص، وشككت فيه، والتي قامت على أيدي المخرجين، باعتبار أن الثورات الأساسية التي أصابت موقع النص، ودوره في العرض، هي ثورات مخرجين، ويمكن القول من باب التساؤل: هل نجحت التنظيرات والممارسات الاخراجية من تجاوز ما نسميه "الحداثة" الى ما بعد الحداثة؟ يحيث يكون النص من ارث الحداثة، والتجارب التي هددته من تباشير ما بعد الحداثة؟ من الصعب الحسم في اتجاه دون آخر. ولكن يمكن القول انه إذا كان النص الحديث مع كبار الكتاب يشكل نوعاً من حداثة أولى. فإن الاخراج، بمدارسه ومفاهيمه يشكل الحداثة الثانية. وبعني أن النص الذي بقي صامداً حتى سبعينات القرن الماضي، برغم كل الاهتزازات التي مر بها، والدليل أنه وبرغم كل الطروحات والممارسات "المتطرفة" فإن الأبحاث الجديدة من كوبو الى غريك الى أرطو وغروتوفسكي وبرشت وحتى مسرح الشمس لم "تخرع" مسرحاً بلا نص. إذاً، هل تجددت حداثة النص عبر النظريات الجديدة، أم أن مسار تلك الورش والممارسات شدت الاخراج أكثر الى البقاء ضمن جدران الحداثة. ونظن أن حداثة القرن العشرين التي كانت حداثة اليوتوبيات والايديولوجيات وتصارع المفاهيم والنظريات لم تكن لتنفصل عن جهود الثورات الاخراجية (والكتابية: بيكيت، يونسكو، وقبلهما جاري، ومن ثم جورج شحادة وصولاً الى برشت وهاينز مولر)، فان المخرج الذي انتزع السيادة من الكاتب، من ضمن هذه الحداثة، بل أكثر: بدا أن المخرج عموماً، وأياً كان جنوحه نحو "إلغاء" هيمنة النص، لصالح الرؤيا الاخراجية أو أدوات العرض، إنما يستمد قوته من النص موضع التساؤل. جدلية استمرت قرابة قرن، وترافقت، وتعاضدت، وتناكرت. وإذا كان الاخراج منفتحاً على العلوم والتفنيات والتكنولوجيا والأفكار سجل خطوات متقدمة، إلا أنه لم يتقدم وحده، بل ألحق النص به. من هنا يبدو الخروج على النص، وتدميره، وتحطيمه، يخدم الرؤيا الاخراجية لكن يخدم أيضاً النص الذي يبرهن عن قوته وثباته. من هنا يبرز السؤال الكبير من سيغلب، النص أم الاخراج، في ما يسمى ما بعد الحداثة؟
إذا عدنا الى السنوات العشر الأخيرة، نجد أن الممهدات التي حددت النص، وفتحت مغاليقه، وأنزلته عن عرشه، وهي موجودة منذ بدايات القرن الماضي، أصابت أيضاً الاخراج... وتالياً الممثل. فبتم يخرج المخرج إذا افتقد المادة النصية أكانت نصاً مكتملاً، أم ورشة جماعية، أو حتى شذرات ذرائعية؟ نقول ذلك لأن المسرح الغربي، في العقد الأخير، فقدت فيه المسرحة استقلاليتها، وتشوشت الأدوار، وانقلبت الموازين. وإذا كنا نعتبر أن الضربة الأساسية التي وجهت للنص وللاخراج (المعهودين) جاءت من تجربة "مسرح الشمس" ومن ثم تجارب أميركية طليعية وبعض الكبار كبوب ويلسون، فلأن هذه الاتجاهات أصابت أيضاً الحداثة نفسها، والتي تميزت بصراع النظريات. فهذه الأخيرة بدت شبه منتهية، ليعلن عصرها بعد النظريات فهل هو عصر ما بعد الحداثة. ونظن أن هذا أدى الى مجمل تداعيات وظواهر تتطور وتتفاقم عندنا منذ أكثر من عقد، ووصلت الى أوجها في مهرجان (قينيون الأخير: تغييب النص. فكأن ما بعد الحداثة تتمظهر في هدم مدماك المسرح: النص. ولكن إذا غاب النص فماذا يفعل الاخراج؟
ولتوضيح هذه المسألة، نعود الى عشرات الأعمال المسرحية الأجنبية والعربية التي قدمت في بعض المهرجانات العربية، والمسارح، لنجد:
1 ـ استمرار الصيغ القديمة في التعامل مع النص، وكذلك استمرار دور المخرج، لكن هذا انتقد الى حد كبير ما يمكن أن نسميه "الدرامية" لينتصر العرض، الابهاري.
2 ـ تراجع سطوة النظريات. أفلت في السبعينات مع مسرح الشمس، واستمرت عندنا (البرشتية، المسرح الفقير، مسرح القسوة، المسرح التسجيلي (بيتر ايس) ـ ولم تعمّر أكثر من عقدين) يتوازى معها، تساقط الايديولوجيات وكثير من النظريات السياسية والفكرية والأدبية. واعتقدنا أن المسرح تحرر من ربق القوانين والمانغستوات الجاهزة. لكن، ومن خلال ما شهدنا، بدا أن ذلك أفقر المسرح، بدلاً من أن يغنيه ويغذيه. واليوم، سواء في الغرب أو عندنا، نعيش زمن ما بعد النظريات والمدارس...
3 ـ تراجع حضور الكتاب، إذ أن المخرجين ارتجلوا أنفسهم لهذا الدور. ومنهم من ارتجل نفسه سينوغرافياً.
4 ـ طغيان الاستعراض (رقص، غناء، أزياء، إضاءة، ماكياج) على سائر عناصر المسرح، بحيث تظن أن مخرج هذه المسرح هو مصمم الرقص، ومخرج تلك المسرحية مصمم الديكور.
5 ـ تفتيت النص (من قبل المخرجي) وتحويله احياناً مجرد جمل أو يافطات أو اشارات لمنافات العرض. واذا كان بعض الأعمال نجح في التعويض عن النص بدراما جديدة الهام ناصر في جيب سري، أو كفؤاد نعيم في "الحلبة"، أو كبعض أعمال "مسرح الصواري" البحريني، أو كأعمال محمد ادريس "يعيشو شكسبير" أو "راجل ومرا"... فإن الاتجاه في هذا المنحى غلب النواحي العرضية على الدرامية.
6 ـ استخدام الاحتفاليات والطقوس الشعبية والدينية والفولكلورية والموروثوتات استخداماً مباشراً، وبكثرة، أدى الى فقدان النص وكذلك الاخراج.
7 ـ تقديم اعمال كثيرة بلا نصوص، يعرض عنها الرقص (باليه أو حديث)، أو التمثيل الصامت، أو الباتومير، أو السينوغرافيا المضخمة، جعل هذه الأعمال على جماليات بعضها وقوة بعضها الآخر، من دون المخرج الذي نعرفه. ذلك أن غياب النص وتكديس العناصر الحركية والتعبيرية والجمالية يضع الممثل نفسه في دائرة "الشك". أو دائرة الغياب. ذلك انه عندما يضعف المخرج، لتراجع المنحى الدرامي، انما يضعف ايضاً دور الممثل. وهكذا لا يعود السؤال: من يخرج أو من يكتب أو من يمثل، بقدر ما يصير: من ينجز أعمالاً تنتمي الى نوع جديد، قد تسميه مسرحاً وقد لا تسميه. ففي غياب العناصر الأساسية الثلاثة: النص المخرج الممثل، يغيب جوهر العمل المسرحي. ومن تابع وقائع الأزمة التي عصفت في مهرجان افينيون الأخير يستخلص ان الانتقادات التي وجهة لمعظم العروض تكمنا في "غياب النص" والعنف المجاني المعبر عنه بالصورة العنيفة. وهذا يجعلنا نعود الى مسألة الصورة في المسرح. هل تلغي الصورة الطاغية، الساهرة، مسرحتها اذا استقلت في عناصرها، أو اذا جاءت على غير علاقة لا بنص مكتوب أو مرتجل أو مقتبس أو مشتت. مسألة معقدة لأن بعضهم يربط ما بعد الحداثة المسرحية بالصورة. مسرح الصورة، ارتباطاً بمناخات العصر الجديد الذي نعيشه: وهو عصر الصورة. وعصر العنف، والهشاشة، والافتراضية، لكن ومتى لم يكن المسرح صورة. حتى قبل ثورة الفضاءات المسرحية. وقبل الاتجاهات المتنوعة في العمل على العرض. غريغ الى باتي الى أرطو، وستاتسلافسكي، وبرشت ومسرح الشمس. الم تكن كل هذه التجارب تصب في مسرح الصورة مقابل مسرح الكلمة؟ بل أو لم تكن تحاول هذه التجارب أن تضع الصورة (العرض) في مرتبة أعلى من النص، أو على الأقل في حوار بين الكلمة والصورة؟
لكن الصورة في تلك التجارب الكبيرة كانت تخدم الدراما.
أما اليوم، فالصورة تأتي ما بعد الدراما. وربما ما بعد المسرح. تأتي لتحل محل النص والممثل والمخرج، بمجانيتها، وزخرفيتها، وهشاشتها. مسرح الصورة هو مسرح الحداثة. فهل يكون مسرح الصورة البصرية أو الصوتية المرتبة هو مسرح ما بعد الحداثة؟
وعلى هذا الأساس يبدو السؤال: مسرح ما بعد الحداثة، هو مسرح المؤلف أو مسرح المخرج، متجاوزاً. اذ ان الصراع القائم لم يعد بين النص والعرض (الصورة الدرامية)، وانما بين المسرح واللامسرح، بين ما هو درامي وما هو غير درامي. بين ما هو فنون خاصة وفنون تدخل في نسيج العمل.
المسألة الأساسية أن المسرح اليوم، لا سيما المسرح العربي، فهدد بفقدان استقلالية، من خلال الاستمرار في تراجع دور النص، وتالياً دور المخرج، والمثل لصالح التقنيات والاكسسورات، أو العروض الابهارية، والجماليات المجانية. ولهذا نرى وقد دأبنا على الكتابة في هذه المسألة منذ أكثر من عشر سنوات، أن الصرخة التي أطلقت في أفينيون تخوفاً من الامعان في إضعاف الدراما، أمام طغيان الصورة (المجانية)، قد تصلح لأن تكون اشارة الى المخاطر التي تهدد المسرح برمته.
فالمسرح الحديث، انطلاقاً من كل ثوراته، أبقى كل الاقنوم الثلاثي للمسرح: المخرج وإن طغا، والنص وإن انتهك، والممثل وإن تقليد بين الأدوار والمواقع. لكن يبدو أن مرحلة ما بعد الحداثة (اذا صحت العبارة) تجتاح خصوصية المسرح، وتنسبه الى فنون تفترسه، والى تقنيات تلغيه، تحت مسى الصورة وتحت مسميات "تجاوز المسرح القديم". وهذا الا يعني العودة الى تقديس "النص"، أو "تقديس المخرج"، بقدر ما يعني الاستمرار في كون النص مشروعاً منفتحاً بلا حدود، والمخرج في دائرة حية من البحث المستمر، وتلحيق المفاهيم، والتجارب، والعلاقة بالخشبة والجمهور والكلمة وسائر الفنون. يعني أن يبقي نصب عينيه أنه مخرج مسرحي، وليس "موضب" مشاهد وملفق "مشهديات"، وصانع اشكال، مجرد اشكال وحركات، يمكن ان تنسب الى كل شيء ما عدا الى المسرح.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00