يمكن أن تظن أن اميل لحود (الرئيس) قد سافر الى الأمم المتحدة، ويمكن أن تظن أنه لم يسافر. ويمكن أن يكون قد سافر ثم لم يسافر، ثم لم يسافر وسافر. ثم أن يكون سافر ولم يسافر. أو لم يسافر وسافر. فالأمر مفتوح على الظن والتخمين. وهو يمكن أن يكون سافر ولم يصل. ويمكن أن يكون وصل ولم يسافر. بل يمكن أن يكون سافر ثم وصل لكي لا يصل. أو يكون لم يسافر ثم لم يصل لكي يصل. ويمكن أيضاً، لا من باب التوقع، أو التكهن ولا حتى اليقين، أن يكون سافر رئيساً يمثل لبنان، أو يكون سافر رئيساً لا يمثل لبنان، أو سافر ر ئيساً يمثل لبنان، أو عاد رئيساً لا يمثل لبنان. أو بقي غير رئيس لكي يمثل لبنان، من هنا ينفتح بابا اليقين والتخمين للقول انه ألقى كلمة لبنان من دون أن يلقيها. أو أنه لم تلق كلمة لبنان وقد ألقاها. بل ويمكن القول انه قد يكون حَضَّر كلمة ليلقيها وقد لا يكون حَضَّر كلمة ليلقيها. وفي الحالين يمكن أن يلقي كلمة غير موجودة. ويمكن ألا يلقي كلمة موجودة، ويمكن أن يكون في الكلمتين: الأولى غير الموجودة، والثانية غير الملقاة، خطاب رائع. ويمكن أن يكون هذا الخطاب الرائع رائعاً لأنه لم يكن خطاباً.ويمكن أن يكون الخطاب غير رائع لأنه كان خطاباً. وفي الحالين يمكن القول ان الرئيس قد يكون هو الذي ألقى الخطاب. ويمكن القول ان الرئيس قد لا يكون هو الذي ألقى الخطاب. أو أن الرئيس يمكن أن يكون ألقى الخطاب الرائع من دون أن يلقيه، أو لا يكون ألقاه وقد ألقاه. وهذه الأمور قابلة للتخمين واليقين. إذ أن الرئيس الذي يمكن أن يكون سافر من دون أن يصل، أو وصل من دون أن يسافر، يمكن أن يكون ألقى خطاباً من دون أن يلقي خطاباً. والخطاب، قد يكون خطاباً ولا يكون خطاباً. أو يكون خطاباً ثم لا يكون خطاباً. بمعنى أن الرئيس قد يكون (وهذا من باب التخمين) ألقى خطاباً غير الخطاب الذي يفترض أن يلقيه. أو لم يلق الخطاب الذي يفترض أن يلقيه. وهذا أمر طبيعي. إذا اعتبرنا أن الخطاب الذي يلقيه في الأمم المتحدة، هو الخطاب الذي يلقيه في مجلس الأمن أو في مجلس النواب أو في أي مكان آخر. أو أن الخطاب الذي لم يلقه لا في الأمم المتحدة أو في أي مكان، هو الخطاب الذي يفترض أنه ألقاه في مجلس الأمن، أو في مجلس النواب. بل وأكثر: يمكن أن يقف الرئيس في المحفل الدولي ويقول ما ليس في الخطاب. أو يجلس ويقول ما في الخطاب. بل ويمكن ألا يقف في المحفل ولا يقول خطاباً. ويمكن ألا يجلس ولا يقول خطاباً. فالأمور مرهونة بمواقيتها. لا يمكن، وهذا من باب التخمين، أن يكون قابل شخصيات ومندوبين، ويمكن ألا يكون قابل أحداً. وعندها يكون عندما لم يقابل الشخصيات، قابل أحداً. وعندما لم يقابل أحداً قد قابل الشخصيات. وفي هذا الاطار، يمكن أن يكون سافر وحده، ويمكن ألا يكون قد سافر وحده. بل يمكن أن يكون سافر قبل الوفد، ثم لم يسافر بعد الوفد. أو يكون سافر بدون وفد ثم سافر والوفد. أو يكون سافر الوفد ثم لم يسافر الرئيس. بل يمكن أن يكون سافر الوفد ويكون رئيسه. ويمكن ألا يكون الرئيس رئيس الوفد. أي أن يكون للوفد في بيروت رئيس، وأن يكون الوفد في الأمم المتحدة بلا رئيس. أي: رئيس بلا وفد كان معه وفد. أو وفد بلا رئيس كان عنده رئيس. ولهذا، ومن باب التخمين، لا تعرف إذا كان الوفد الموجود هناك هو الوفد الذي كان موجوداً في بيروت. ولا تعرف أيضاً إذا كان الرئيس الموجود هناك هو الرئيس الذي كان موجوداً في بيروت. ولهذا من الصعب أن تعرف ما إذا كان الوفد التقى الرئيس، أو أن الرئيس التقى الوفد. بل ولا تعرف ما إذا كان الوفد موجوداً في المؤتمر المنعقد حالياً أو أنه موجود في مؤتمر لم ينعقد. بل ولا تعرف ما إذا كان الرئيس موجوداً في المؤتمر المنعقد أو أنه موجود في المؤتمر الذي لم ينعقد. بل ولا تعرف ما إذا كان الوفد والرئيس موجودين في المؤتمر ذاته. أو أنهما موجودان في مكان آخر. أو أن الرئيس يترأس وفداً آخر لمؤتمر آخر. أو أن الوفد يحضر مع رئيس آخر مؤتمراً آخر. فكل شيء خاضع للتحقق والتيقن. ولهذا لا تعرف ما إذا كان الرئيس سيعود وحده بلا وفد. أم أن الوفد سيعود وحده من دون الرئيس. أم أنهما سيعودان رئيساً بلا وفد. أو وفداً بلا رئيس.
ولهذا وإذا أردت التيقن من باب التخمين، أو التخمين من باب التيقن. فيمكن عندها أن يكون الرئيس سافر من أجل الحقيقة. أو سافر من أجل غير الحقيقة. أو أن الحقيقة سافرت وحدها. أم أنه سافر من دون الحقيقة. وعندها يمكن أن يكون الرئيس قد طالب بكشف الحقيقة، ويمكن أن تكون الحقيقة طالبت بكشف الرئيس. وعندها قد يلتبس الأمر، فيكون الرئيس وراء الحقيقة، أو تكون الحقيقة وراء الرئيس. أو إذا شئت يكون الرئيس جزءاً من الحقيقة. أو تكون الحقيقة جزءاً من الرئيس. ولهذا قد لا تعرف، الى الآن، ما إذا كانت الحقيقة تختفي خلف الرئيس. أم أن الرئيس يختفي خلف الحقيقة. ولا تعرف عندها ما إذا كان الرئيس سافر ووراءه الحقيقة، أم أنه سافر وأمامه حقيقة أخرى. ذلك أن الحقيقة كانت اقتربت كثيراً من الرئيس ثم لم تغادره، ثم ابتعد عنها ولم تغادره أيضاً. ولهذا، من الممكن أن يكون الرئيس ملتبساً بالحقيقة. ويمكن أن تكون الحقيقة ملتبسة فيه. وهكذا يمكن أن ترى الحقيقة في عينيه ثم لا تراها. ويمكن أن ترى الحقيقة على جبينه ثم لا تراها. فالعلامة والأدلة والقرائن قريبة لكن أيضاً ملتبسة. وهكذا يمكن أن تسمع من لسانه الحقيقة. ويمكن ألا تسمعها. ذلك أن الحقيقة قد تراها وأنت تسمعها من لسانه. أو تسمعها وأنت تراها في عينيه. فالأمر سيّان أحياناً. والالتباس يجرّ الالتباس. ولهذا، يمكن أن يكون الرئيس قد سافر ليقول الحقيقة. أو أنه سافر لكي لا يقول الحقيقة. والأمران قابلان للتصديق أو لعدم التصديق. ثم انه عندما نطق الرئيس بدا أنه لم ينطق. ثم عندما لم ينطق بدا أنه نطق. ثم عندما أراد أن يعود عن نطقه عاد وتذكر نطقه. ثم عاد وتذكر عدم نطقه. وفي هذا شهادة لمن سافر ولم يسافر. أو لمن قعد في القصر ثم لم يقعد. أو شاهد ثم لم يشهد. أو شهد ثم لم يشاهد. فالأمور يمكن أن تكون دقيقة وجدية. ذلك أن النطق مُساوٍ لعدم النطق في أمور الحقيقة. والقتل. والشهادة. والاستنطاق. والجواب والاستجواب. ولهذا يمكن أن يكون سافر لكي يُستجوَب. أو يكون سافر من باب الاستجواب. أو يكون سافر لكي لا يُستجوَب. أو يكون نطق هناك من باب الاستجواب، أو لم ينطق هناك من باب الاستجواب. إذ يمكن أن يُستجوَب الرئيس من دون أن يُستجوَب. ويمكن ألا يستجوب وهو يستجوب. وهذا غير قليل في أبواب القوانين والدساتير. ويمكن على أساس ذلك أن يكون الاستجواب من باب الاستشباه، ويمكن ألا يكون من باب الاستشباه. بل ويمكن أن يكون الاستشباه وما يدل عليه وما يوحيه وما يشي به، من هنا وهناك، من أبواب الحقيقة ومن شبابيكها وكذلك فكل شيء وارد. ولهذا يمكن أن يكون الرئيس سافر ثم لم يسافر لكي لا يكون في وارد الاستشباه. أو يكون سافر ولم يسافر لكي لا يكون على عتبة الاستجواب. ذلك أن السفر ليس هروباً من الوراء الى الأمام. ولا من الأمام الى الوراء. ولا من الأمام الى الأمام. وكذلك المكوث. أو عدم المكوث. ولهذا عندما ينطق الرئيس في المحافل الدولية، لا يكون هرب من الوراء الى الأمام ولا من الأمام الى الأمام؛ بل قد يكون هرب ولم يهرب. أو ذهب ولم يذهب. وعليه عندها أن يتذكر ثم يخاف أن يتذكر. ويقول ثم يخاف أن يقول. ويسكت ثم يخاف أن يسكت. إذ كل شيء بات أمامه. ثم وراءَه. ثم حوله. ولهذا من الممكن أن يقول في كلامه وفي خطابه وأمام الملأ ما لا يريد قوله من باب الحيطة من الحقيقة. أو أن يقول ما ليس في الحقيقة ثم يقول ما في الحقيقة لكي لا يقول الحقيقة. إذ أن الأمور تنعقد حول الرئيس. وهو ينعقد حولها. ولهذا، يمكن أن تنتظر منه ما لا تنتظره من رئيس. أو تنتظر منه ما قد تنتظره من رئيس. بل ويمكن أن تنتظر منه ما لا تنتظر من رئيس لم يعد رئيساً. أو تنتظر منه ما تنتظر من رئيس لم يكن رئيساً. بل ويمكن أن تنتظر منه ما تنتظره من رئيس يريد أن يكون رئيساً، وهو ليس رئيساً. أو ألا يكون رئيساً وهو رئيس. وفي كل هذه الحالات عليك أن تنتظر أن يكون الرئيس بلا حقيقة. ثم أن تكون الحقيقة بلا رئيس. وعندها قد لا تستوي الأمور بما تشتهي السفن. فيستوي الوهم وغير الوهم. العزلة ونقيضها. النهاية وشبيهها. الجريمة وما بعد الجريمة. الجناية وما بعد الجناية. ولهذا عليك أن تتوقع ما في الحسبان. أو أن تتوقع ما ليس في الحسبان. أن تتوقع هروباً بلا مهرب. أو رحيلاً بلا رحيل. أو قعوداً خلف جدران، أو جدراناً خلف قعود. وفي هذه الحال، يبدو من الصعب أن تتدارك ما في الحسبان، وما ليس في الحسبان، وأن تعوض ما في الحقيقة وكشفها وعدم كشفها من مخاطر ومآزق ومطبات. ولهذا، وفي هذه الحال، الدقيقة المروسة، والحادة، تصبح مسألة السفر أو عدمه، الرئيس وعدمه الوفد وعدمه، الاجتماع وعدمه، مسألة قد لا يقرها المنطق، ولا التحقيق أو ميليس ولا حتى الدم المراق، بلا سبب، على الوجه، والمناخير، والفك الأسفل، والأضراس العليا، ذلك أن مسألة الرئيس، كشخص محدد، وذي تذكرة، ومآل، ودور، ووقائع، وقرائن، وأدلة، تصبح خارطة سفر جديدة، كاشفة، يعلمها العِلْم أو الحُلْم أو الحقيقة أو أبعد منها.
ولهذا يمكن أن تتوقع أن يعود الرئيس ولا يعود ولو عاد. وإذا عاد ولم يعد فسيجد مَنْ يتوقع أن ينتظره، ويجد من لا يتوقع أن ينتظره. وقد لا ينتظره وينتظره. وهنا بالذات عليك أخذ الأمور بجدية: فإذا عاد الرئيس ولم يعد، ثم لم يعد وعاد، فقد يتوقع أنه لن يجد أحداً. ذلك أن الذي ترك الجميع، تركه الجميع، من باب الحمية أو العزلة، أو رنين العود، أو الهروب الى آخر أنفاق القصور. وهنا بالذات عليك أن تتوقع ما ليس في الحسبان وصار من حسبانه. ذلك أن الأمور أحياناً بنقائضها وكذلك بلَوْعاتها. فالرئيس قد ينسى أنه رئيس. ثم يُفيق أنه رئيس. وقد ينسى أنه شاهَدَ ولم يشهد، ثم يشهد لكي يقول إنه شاهد. وعندها يعلم علم اليقين أو من "نور قذفه الله في الصدر"، أن اللعب بالدم، مسألة تراجيدية، لا يحلها سفر. أو يفكها لغز طي الكتمان من هنا، أو صرخة في واد من هناك. اللعب بالدم كمن يلعب بالمصائر والأقدار. أي كمن يلعب بالتراجيديا. ذلك أن الدم تظنه أنه غارَ وجفَّ، لكنه عندما غار طَفَرَ، وعندما جفَّ تدفّق. وعندما تدفق مشى، وعندما مشى غادر الضحية وسلك دروب الجناة. سال على مناخيرهم، وأجسامهم، ونياشينهم، وقبعاتهم، وأسرارهم، فالدم حقيقة ساطعة لا يقدر عليها سر. ولا تقوى عليها إرادة.
ولهذا عندما ظن الرئيس أنه سافر ظن أيضاً أنه لم يسافر. وعندما عاد ظن أنه لم يعد. ذلك أن شيئاً قانياً، لزجاً، وحياً، سبقه الى هناك وهنالك، ثم سبقه الى هنا... فللرئيس مكان واحد. وهذا طبيعي. ولكن للحقيقة القانية اللزجة كل الأمكنة. ولهذا يمكن أن تتوقع هروباً بلا مهرب. ويمكن أن تتوقع رئيساً يظن أنه يهرب الى الوراء وهو يهرب الى الأمام. أو يهرب الى الأمام وهو يهرب الى الوراء. أو يهرب وهو لا يهرب. أو لا يهرب وهو يهرب. ذلك أن الهروب يصبح في لحظة تراجيدية عالية وهماً أو أضغاث أوهام ومهمة مستحيلة لا يتقنها دائماً حتى أهل القبعات، والجنرالات والطغاة. ولا يتعلمها أهل الموت والقتل. فهي دروس للنسيان. ولهذا، عليك أن تتوقع قبعة جديدة بلا رأس (أو رئيس) تحط وسط خشبة عارية. متقشفة. قاسية. رمادية. بالأبيض والأسود، وترى ممثلاً، (أو مجرد اسمال أو ثياب وأوسمة ونجوم) فَقَدَ دوره وبقي يلعب. ممثلاً لم يبقَ على لسانه سوى دور أخير يفترسه، ويبتلعه، في هذه النهايات المونودرامية. وسوى النطق بالحقيقة، الحقيقة التي تلمع فجأة بكل أضواء المسرح وتحتل الخشبة والقاعة والجمهور.
وعندها بالذات تعرف أن هذا الممثل مَثَّل ثم لم يُمثّل. لعب ثم لم يلعب. ذهب ولم يذهب. عاد ولم يعد. بقي ولم يبقَ. ذلك أن ظلاً متطاولاً وصفيقاً، ينتصب، منذ مدة، خلف الكواليس، وينتصب، فوقه شيء كدائرة الشك أو كمقصلة الذهاب والاياب.
فهل ذهب الرئيس ولم يعد، أم عاد ولم يذهب. أم كان ولم يكن. ولم يكن ثم كان. أو لم يكن ولا كان؟ أو على الأقل ذهب وبقيت ثيابه. أو ذهبت ثيابه وبقي. أم ذهب الاثنان معاً. بلا أثر ولا طلَلَ ولا وقوف على الطلل. ولهذا، وربما من هذا الاعتبار وسواه لا تعرف، يقيناً، مَنْ سافر: ثيابُ الرئيس أو الرئيس؟ ثم مَنْ عاد: ثياب الرئيس بلا الرئيس أم الرئيس بلا ثياب. حتى ليعجزك القول فتقول: ذهب ولم يعد، ثم عاد ولم يذهب.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.