لماذا "عليهم" دائماً أن يعالجوا القتل بالقتل. والموت بالموت. والخطأ بأفدح منه. والارهاب بأهول منه؟ لماذا ما زالت "شهيتهم" مفتوحة، ولجوع أبدي، علي قتلنا؟ مَنْ يريد أن يجدد مسلسل قتل اللبنانيين، وتفجير ممتلكاتهم، وإحراق قراهم ومدنهم، وترويعهم أملاً في إثارة الفتن، واندلاع حروب بينهم، لمعالجة مسألة "حقيقة" مَنْ اغتال رفيق الحريري؟
وليس بعيداً من "الحقيقة" أن الذين قرروا الاغتيال هم الذين يريدون أن يجددوا آلة القتل والخراب والموت.
في السابق كان عليهم، (أقصد القَتَلة)، وهم في السلطة، أن يجددوا كل يوم، عبر أبواقهم السياسية والاعلامية (تعرفون جيّداً مَنْ هم عبر زواياهم ومقالاتهم الصحافية!) ان الحروب صفة ملازمة لكل لبناني، أكان مقيماً أو مهاجراً أو مهجراً، فقيراً أو غنياً، مثقفاً أو غير مثقف، عاملاً، أو فلاحاً، أو موظفاً... مؤمناً أو غير مؤمن. فالقدَر الجيني لكل لبناني أن يكون مجرداً من الانسانية أولاً (يرتكب المجازر) ومجرداً من الوطنية (عميل للخارج)، ومجرداً من الانتماء (فهو وجد بالصدفة على أرضه ويتركها أيضاً بالصدفة). هذا الخطاب "القاتل"، كان يهدف الى إحالة الصفات والشمائل والفضائل والمحاسن والحسنى الى مَنْ يجب أن يضبط هذا اللبناني ويروِّض غرائزه "الفائضة"، ونزعاته العدوانية، وأمراضه الوطنية. ولكي يحسن "الآخر" الموكولة إليه هذه المهمات والمناقب السامية، عليه أن يبقى قرب هذا اللبناني وفي داخله يسوسه، ويسوقه، ويسدد خطاه، لما فيه خير الأمة (العربية)، وخير الانسانية، وخير هذا اللبناني الذي يكره نفسه، ويعيش حالات متأزمة مرضية من نوازع الانتحار الذاتي.
ولأننا، بحسب اقتناعات، "الموكول" إليهم أن يسوسونا (والوكالة جاءت من لدن أميركا ومَنْ في صف أميركا)، قاصرون، وأطفال فاسدون، ومسوخ، وشراذم شعوب، فعليهم، أن يحمونا من شرورنا، ومن انتحاراتنا الجماعية، وحروبنا... على بعضنا (وأنفسنا)، بالبقاء، فوق رؤوسنا، كأوصياء أبرار على أقدارنا. وإلا... فالنهاية المحتومة، والخراب الأكيد، والهلاك المكتوب على "الجبين".
هذه اللغة المحبوكة والموصولة على امتداد عقود، كادت تصير ثقافة. فالثقافة خوف. وعدم إيمان بالذات. وتشكيك حتى بالقدرات العقلية، وبالعلاقات الاجتماعية. كادت هذه اللغة الطالعة من قواميس السياسة المخابراتية (العربية) أن تصير أبجديتنا اليومية. فنحن شعب لا يستطيع لا أن يتعايش. ولا أن يتساكن. ولا أن يحكم نفسه. نحن شعب شرير. قاتل. مجرم. طائفي. غريزي. فاسد. إنها في العمق ثقافة "التهديد" المبطن. ذلك أنَّ وراء بناء ثقافة "تخوين الذات" ثقافة "باطنية" بتهديد الذات أي بإلغائها. ونحن نعيش، وعبر أبجدية ثقافة، تخوين الذات بالذات، منذ عقود، تحت سيف القتل أو التهديد. فواضعو هذه الثقافة (وقد جربوها في أقاليمهم وبقاعهم ومحافظاتهم)، كانوا يرمون من خلالها، الى أن نعترف كل يوم وفي كل لحظة، وتحت هذا التهديد المبطن، بكل ما ينسبونه إلينا. وإذا حاول أحدنا أن ينتفض، اتهم بالخروج "على الاجماع الوطني"، وبالخيانة (التي تستحق قتل الذات الخائنة طبعاً)، وبخدمة أعداء الوطن (يعني أعداء الأمة ويعني أعداؤهم: مَنْ هم أعداؤهم اليوم: نحن؟). إذاً كان عليهم أن يفرضوا "صفاتنا" علينا بالقوة. وكل تمرد على هذا الفرض يعني تمرداً على الصفات، و"الحقيقة" (الواحدة) وتمرداً على الثوابت (الوطنية) وضرباً للهوية العروبية طبعاً التي علمونا إياها، (ونحن الجَهَلَة) بدروس جماعية من التهديد والترويع والمخابرات والأجهزة، (فلِمَ لا تُخرّج المخابرات أفواج العروبة والعروبيين من كتاب وزعماء الزواريب والعملاء السابقين وصحافيين أيضاً! وما أدراك ما آلت إليه بعض الأقلام الصحافية المأجورة مِمَنْ: من النظام الأمني براو!).
ثقافة التهديد المبطن (والسافر) هي التي بها تُرَكَّب "ذوات، و"هويات"، لا بد من أن تنفي ذاتها لتؤكدها، وتخضع لمواصفاتها لكي تعززها. أوليس هذا ما يفسّر هذا التوجه الاعلامي ـ المخابراتي والسياسي (الوصي بامتياز)، الى العقول بصفتها غرائز. والى الغرائز بصفتها عقولاً. والى الناس بصفتها قطيعاً، والى القطيع بصفته أنموذجاً للذات الفاضلة، والمثلى.
إذاً، في المراحل السابقة، كان عليهم أن ينفوا وجودنا، وكينونتنا، وحتى انسانيتنا، أي يروضون هذه "الأنا" اللبنانية لتكون غير لبنانية. ويروضون الأنا الاجتماعية لتكون غير اجتماعية. بمعنى طمس كل محاولة "انتفاض" على الصورة التي روجوها وكرسوها عنا. صار وجودنا كناس لهم ما يفكرونه استثناء. وصار وجودنا كناس افتراضيين، في وطن افتراضي، وفي تاريخ افتراضي، هو القاعدة. ومن يكسر القاعدة، يكسر "الثوابت" التي وضع فيها الناس. ويهدد التقاليد والأعراف والتواريخ المشتركة.
لكن المجتمع المدني، الذي أحنى رأسه لهذه "العاصفة" المدمرة، وراكم كل ما يجب أن يراكمه في ذاته "الحية" وفي مخزوناته النابضة، كان عليه أن ينتظر. أن يُهيئ ويستعد وينتظر، لا لضرب وصاية "تفبرك" وجوده على صورتها المشوّهة فحسب، وإنما أيضاً لاسترجاع الروح والذات والمكونات والحيويات، من هنا يمكن الكلام على انتفاضة الاستقلال. و14 آذار و"ثورة الأرز"... فهي أكثر من يقظة. وأكثر من وعي. وأكثر من ارتباط آني بحدث أو بمطلب. إنها استرجاع لكل ما سُلب من المجتمع. إنها حركة "استرجاع" المسروقات والكنوز والخيرات الكامنة في داخل المجتمع. بل هي عودة الى الذات الممحوة. والمطموسة. المدعوسة. "المزوّرة". المغيّبة على امتداد عقود. وهنا يأتي الحدث الجلل: اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بمثابة إضاءة تلك الذات "المعتمة"، لتخرج الى العلن، والشمس، وتستعيد شوارعها، وأملاكها، ومواصفاتها، وحرياتها، وسيادتها ومخزوناتها الدفينة. كان الاغتيال من تلك الاشارات التي تعلن بدء المسيرة. المسيرة الى الذات. المسيرة الى الذات ـ الآخر المتنافيين (بقوة الوصايات).
فالذات هي كل هذه الهويات المحسومة وغير المحسومة: إنها الحرية والعروبة (الديموقراطية لا عروبة المخابرات واللصوص والعملاء)، والاستقلال، والديموقراطية، والأرض، والفضاء، والحدود، والتاريخ، والقرار الوطني، وبناء نظام وبنى على صورة المجتمع (لا على صورة الأنظمة الاستبدادية التي تحاول استنساخ مجتمعاتها)، وتنمية تعددية ذات مروحة واسعة تعددية الاتجاهات والانتماءات والاختلافات لا "التعددية" الأحادية عبر "جبهات وطنية" مزعومة تزين طغيان الحزب الواحد.
هذه الذات المركبة، والمتداخلة التراكمات، والمشتركة الانتسابات، هي التي خرجت من قماقمها في 14 آذار. إنها الذات اللبنانية المفتوحة والمشرعة بلا عصبية ولا عنصرية، ذات لبنانية ـ عروبية وانسانية، أكبر من تعصب حزبي أو طائفي، أو انغلاق ايديولوجي، أو شوفينية سافرة.
وإذا "كانوا" في الماضي يئدون كل حضور حي للمجتمع، ولذاتنا، عبر "اختراع" حضور وهمي، وذات مموهة (منسوبة الى سواها)، فاليوم، وقد هالهم حجم الحضور المتصاعد والمتنامي لهذا المجتمع، ولقوته، ولتفرده، ولذاتيته الحية، الثرية، بعدما شعروا بأنهم فشلوا "بإلغائها" فقد صار من "استراتيجيتهم" أن يعاقبونا، ويقصفوا تجلي هذا المجتمع، وتمرده، بالقتل. الأسلوب السابق نفسه. لكن تغيّرت "البوصلة" والاشارة في عقولهم (غير النبيهة). يريدون اليوم، أن يقنعونا من جديد، أن ما نحسه اليوم، من تجدد، ومن إعادة اعتبار، ومن وعي عميق بثراء الواقع، ما هو إلا وهم، وان الصورة التي "ركبوها" عنها بمونتاجات العيون "المخابراتية"، هي صورتنا الحقيقية والأصلية. وأن ما نظن أننا بنيناه وسنبنيه، وفعلناه وما سنفعله، سيعود بالخراب، علينا، لكن هذه المرة، وعلناً، بأيديهم. لن نترككم تستريحون، وتستمرئون "أنفسكم"، وتستمتعون حريتكم، وسيادتكم، ولن نفسح في المجال، أمامكم، لتصلوا الى أي حقيقة، لا سيما حقيقة مَنْ كان يغتالكم في السابق، ولا مَنْ اغتال الرئيس رفيق الحريري، لأن هذه العدة ما زالت منصوبة فوق رؤوسكم. بل ويريدون أن يقولوا، انه إذا كان ثمة وهم لديكم بأن الأمور تغيّرت أو تبدلت فسنقنعكم، بأن لا شيء تغيّر ولا تبدّل، وان الارهاب الذي سلطناه عليكم في الماضي، والتهويل، والقتل، ما زالت كلها في عزها. فإرهابنا لا يهرم ولا يشيخ ولا ينهزم. بل، وسنُظهر لكم، ان هذه "الذات" التي تفاخرون باسترجاعها، هي الذات الشريرة التي رسمناها على وجوهكم وعلى أجسامكم: الذات المدمرة، صانعة الطائفية والمذهبية، والفتن والمجازر...
ها نحن، اليوم، (كما في السابق) ننتظر، وبخبرتنا العالية بهؤلاء المجرمين، متى سيفلتون علينا موبقاتهم، ومتى سيجددون أساليبهم العدوانية علينا. أننتظر سيارات مفخخة، ومحاولات اغتيال، وضغوطاً من هنا وهناك. أو ننتظر ما سيخرجونه علينا من مختبراتهم، وأقبيتهم من أسلحة، (لم يستعملوها ضد العدو!) ومن آلات فتك، ومن تفنن (واستلذاذ) في التخريب، والتهديم، والالغاء. ننتظر ذلك وكأنه أمر طبيعي، علينا أن ننتظره وكأنه أيضاً أمر طبيعي ينتظرونه منا: ان نساهم معهم بعملية التدمير، والتخريب، عبر ردود فعل (مدبرة) تؤدي الى خلق حالات من الفوضى والحروب والفتن الأهلية، تحوّل الأنظار عن هزائمهم المظفرة، وعن مسار التحقيق الذي يقترب من أعناقهم، وكذلك لترويع الثقة التي اكتسبها المجتمع بعد 14 آذار.
فمن محاولات طمس الحضور اللبناني وتزييفه وانتهاكه، وتشويهه على امتداد عقود، الى محاولات كل شيء، وخلق مناخات عدمية، يبدو الأسلوب واحداً. لكن فات هؤلاء، أن القطار والسكك والصفارات والمسالك والدروب قد فاتتهم، وخلفتهم أشباحاً وراءها في الماضي. وقد فات أن مستحضرات القتل ومواد التفجير. لم تعد تصيب مقاتل المجتمع (وإن قتلت هنا أو صفَّت هناك). وسيدركون، عاجلاً أو آجلاً، أن هذه الأسلحة سترتد عليهم. وأن جرائمهم ستعود عليهم بالوبال. وان ارادة التخريب التي يمارسونها، ستخرب وجودهم، وتخلع حضورهم، وتقلب كراسيهم. فهل ترى يدري هؤلاء (إذا كان ما زال عندهم ما يدرون به) أن هذه المناخات التي يخلقونها، عندنا، وأن المطامع التي تدفعهم الى عدم الاعتراف بالواقع والوقائع، وأن تعطشهم الى الالغاء، وأن هروبهم من "الحقيقة" الآتية، لن تفيدهم، ولن تنفعهم. ألا يرون "جنرالات" القتل أمامهم في الزنزانات، ألا يرون أي مصير ينتظر هؤلاء؟ ألا يفقهون معاني هذه اللحظات، التي تبشر بتغيّر الأزمنة والعهود، أيريدون القفز فوق هذا الواقع وهذه الوقائع، والتشبث "بثوابتهم" التاريخية: القوة الغاشمة، وسياسة الاغتيال، وقمع الناس، وتزييف الحقائق. وهل تراهم استخلصوا من كل ما جرى عندنا مؤخراً، بعد 14 آذار، أن البلاد تسير نحو زمن آخر، ولغة أخرى؟ ألم يعتبروا من كل ما جرى، أن الأساليب القديمة البائدة لا تصنع حقائق جديدة؟ وأن الشعوب، التي يظنونها "انتهت"، وَوُئدت، لا هي انتهت ولا هي وُئِدت. بل هي تنبعث من رمادها (ومن رمادهم طبعاً كألف عنقاء) وأن ما يظنونه حُسم أو يُحسم (بالقوة)، لم يُحسم وإنما ابتدأ. بل ترى، كيف يقوّمون ممارساتهم مقارنة بالنتائج التي أدت إليها؟ ألا يعيدون النظر، لا بأفكارهم، ولا بأساليبهم، ولا "بثوابتهم" (أهمها القتل)، ولا بأخطائهم (صارت ثقافة راسخة)، ولا بهزائمهم (صارت انتصارات)؟ كيف يمكن أن يعيش نظام كامل من دون مراجعة لواقعه، ولناسه، ولتاريخه، ولزمنه؟ أإلى هذه الدرجة يعاني هؤلاء من فقدان الذاكرة، والمنطق، والوعي، والمخيلة. أإلى هذه الدرجة باتوا يفتقدون وجود "العقل السياسي" الذي يزن، ويحلل، ويفترض، ويأخذ ويعطي: هل يمكن أن نتصوّر نظاماً كاملاً من دون عقل مسيس (أو سياسي)؟ هل يمكن أن نتصوّر نظاماً بلا فكرة واحدة؟ هل يمكن أن نتصوّر نظاماً مستقبله في ماضيه، وماضيه ليس في مستقبله؟ هل يمكن أن نتصوّر نظاماً كله شرور وموبقات وغرائز وأموات وضحايا وخراب؟ أترى، هل يبقى هذا النظام العربي، الذي "أبدع" و"تجلى" في لبنان بتلاوينه ومبتكراته رهن مخبرين ومخابرات وأجهزة لا تفقه في السياسة، ولا في الثقافة، ولا في الاستراتيجيا. أترى يبقى رهين عقليته المحدودة الضيقة، التي تحوّلت ثقافة خاصة به، وايديولوجيا مميزة، وهي العقلية التي لا تؤمن إلا بسطوة البطش، والقتل، ولا تعيش إلا على مصائب الآخرين، وخرابهم؟
هذا النظام، الذي فعل ما فعل بنا، ماذا يريد منا؟ هذا النظام الأمني الذي تهاوى برموزه ومعانيه، لماذا يُصرّ على أنه ما زال موجوداً، وقادراً على تأكيد وجوده، وفاعليته، بالقتل والارهاب وليس عبر شيء آخر: كالمحاسبة، ودفع ثمن الأخطاء، وقبول الواقع الجديد والاعتراف بالحقيقة. وهنا الحقيقة حقائق: ربما تبدأ بالتبعية (أو التبعيات) ولا تنتهي باغتيال الحريري ورفاقه، ولا باغتيال سمير قصير وجورج حاوي والتفجيرات الشتى، ولا حتى بتدمير المجتمع بأدواته المدنية والأهلية وإرساء نظام بوليسي مشترك، لا عقل له ولا تدبير؟
كيف يظن "بتوع" النظام الأمني المشترك "بعروبته" الساطعة، أن الذين تحملوا ما تحملوا على امتداد أكثر من 30 عاماً، كلَّ الذين وفدوا عليه، بطغيانهم وفاشياتهم (المتنوعة)، (ومن بينهم العدو الصهيوني)، وان الذين قاوموا بما تيسّر لهم، هذه الظواهر "الغازية" والبربرية، كيف يظن النظام الأمني أن هؤلاء الذين صمدوا وصبروا، ثم صنعوا الانتفاضة (وقبلها طردوا الصهاينة من الجنوب) يمكن، اليوم، وبعدما تحقق ما تحقق، وبعدما تبلورت الذات اللبنانية ـ العربية (لا المستعربة بالطائفية)، سيخضعون، ويتراجعون، ويسقطون في فخاخ الماضي، ويتواطأون على طمس حقيقة مَنْ قتل الحريري، ومَنْ حاول قتل البلد أو روح البلد على امتداد عهود؟
صحيح أن اللبنانيين متخوفون، لأنهم على دراية بطينة "بتوع" النظام الأمني وفلوله وامتداداته، وبجبلتهم الفاسدة، وعقولهم العدوانية، هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً، أن اللبنانيين باتوا قادرين على احتواء كل محاولات التخريب وإثارة الفتن، وافتعال المجازر، لأنهم باتوا يعرفون تحديداً فاعليها، ويعرفون أسبابها ودوافعها وخلفياتها. ويعرفون أن نقطة الضعف التي يُسدِّد إليها هؤلاء (وقبلهم الاستعمار واسرائيل وكل من كان يطمع بالاستيلاء على البلد)، لا بد أنها صارت نقطة قوة، ومتراس دفاع محصناً. فما كان يرتكب في الماضي، من مآثم وجرائم ومجازر ويتم إخفاؤه، أو "تلبيسه" لغير مرتكبيه، ما عاد صالحاً اليوم.
ذلك أن "عدوى" الحقيقة، لن تقتصر على كشف قتلة الحريري، بل ستصيب كل "حقيقة" أخرى، يُراد لها أن تُستر بالتواطؤ. ولن يُثنِ اللبنانيون أي تهويل، أو أي محاولة خلق توترات أو أوهام حروب أو أضغاث فتن عن إصرارهم على تبيان الحقيقة. فهي "زبدة" حقبة سوداء من تاريخنا، (وتاريخهم)، مليئة بالارهاب والقمع والتسلط والبطش والفساد والتهديد وتلفيق الملفات وغياب القانون ومؤسساته... اغتيال الحريري يختزل "نهج" زمن كامل، ويتوّج توجهاً عميماً من سلوك جنرالات القتل عندنا وخارج عندنا، وعملاء القتل (من صحافيين معروفين بالأسماء) وسياسيين ونقابيين وحتى مثقفين ومستثقفين. وعلى هؤلاء الذين يبعثون برسائل التهديد الى رموز 14 آذار وسواهم ممن ساهموا في إنجاح العملية الديموقراطية، ووصول الأكثرية الى السلطة... والذين ينشرون الذعر في صفوف الناس، وينذروننا بالويل والهول والرعب عليهم أن يعرفوا أنه عندما يفوت الأوان، وتسبقهم الأزمنة، وتزلق من بين أصابعهم المقدرات والأقدار، فعليهم أن يوفروا ما قد يكونون يهيئون لنا، من ارتكابات ومآثم، لعلنا نتراجع، أو ننكفئ، أو نخاف على "جلودنا" وممتلكاتنا... عليهم أن يوفروا كل ذلك لأن كل ما سيفعلونه سيطيش في فضاء الحقيقة الساطعة، في فضاء هذا الزمن الآخر الذي، ربما لا يعرفونه ولن يعرفوه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.