هذا كثير. كثير جداً. وأكثر مِنْ "طَفَحَ الكيل" وأكثر من جنون. وأكثر من بربرية، ما يتعرّض له لبنان، منذ محاولة اغتيال مروان حمادة ومن ثم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والشهيدين سمير قصير وجورج حاوي، والتفجيرات المسلسلة في "مناطق معيّنة"، وتهديد الصحافيين والمثقفين وبعض القيادات بالقتل، والحصار الحدودي، وعرقلة كل محاولة انتقال للحكم من النظام الأمني الدكتاتوري الاستبدادي (على رأسه اميل لحود) الى الأكثرية، ومحاولة ضرب البنى الاقتصادية، وتدمير الموسم السياحي... وحملات الترويع المتتابعة، وموجات التهويل على اللبنانيين (وبعضها بألسنة وزلاعيم بلدية) هذا كثير، كل هذا كثير كثير علينا. ذلك أن كل هذه "الظواهر" والعمليات العنيفة والعدوانية والكريهة والتي لا يمكن أن تصدر سوى عن نفوس وعقول "نتنة" لا يمكن إلا أن تندرج في خانة "العقاب الجماعي"، "العقاب المُعَمَّمْ"، "العقاب الوطني"، "العقاب التاريخي"، وهذا العقاب الجماعي يذكرنا بما ارتكبه الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني (اغتيالات، حصار اقتصادي، تهويل، انتهاك حقوق الانسان، مجازر جماعية) أو بما ارتكبته أميركا بحق الشعب العراقي.لكن المؤسف أنَّ لا الاسرائيليين الذين كنّا نخشى من غدرهم (مطلع كل صيف لضرب الموسم السياحي أو تدمير البنى التحتية...)، ولا الأميركان، ولا أي "عدو مفترض"، هم الذين يرتكبون فينا العقاب الجماعي. وإنما الأقربون الأمنيون والأهليون والمحليون المرتهنون، تارة من أجل الضغط لتعطيل تعديل القانون الانتخابي، وتارة لتعطيل الانتخابات، وتارة للحؤول دون وصول المعارضة ونجاحها في الانتخابات النيابية، وتارة لتعطيل تشكيل الحكومة...
أما اليوم، وبعد كل الانجازات العقابية التي ينفذها بروح وطنية رفيعة مَنْ تبقّى من النظام الأمني ـ المشترك (وعلى رأسه رئيس جمهورية لم يمدد له الشعب اللبناني وإنما ذلك النظام لمعاقبة الشعب اللبناني)، يبدو ومنذ مجيء لجنة التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري، ولا سيما مع ميليس، وبالأخص مع اقتراب لحظة الحقيقة في كشف المجرمين والقتلة واللصوص الذين اغتالوه، ان العقاب الجماعي يتخذ هذه المرة أكثر من وجهة (إجرامية)، وأكثر من خطة عدوانية، وأكثر من "مغامرة" أمنية.
ومن رسائل العقاب الجماعي وقد رأينا بعض "شآبيبه"، و"تهاليله" (الحصار الحدودي، التفجيرات، التهديد بفتنة أو بحروب أهلية أو باغتيالات: عدة النظام الأمني العربي العريق بنزعاته الاجرامية)، إن على الذين يطالبون بكشف حقيقة مَنْ اغتال الحريري، عليهم أن يعضوا جروحهم وأن يُقَبِّلوا الأيدي التي ارتكبت الجريمة حفاظاً على "وحدة لبنان"، و"عروبته"، وصموده في وجه العدو الاسرائيلي وعلى حياة الناس والعباد. كأنّ هؤلاء، هم أنفسهم مَنْ حاولوا طمس معالم الجريمة، وتضليل التحقيق، وتحويل الأنظار عن القَتَلَة الحقيقيين، يبعثون أقلاماً "ميتة" خشبية، لتصوير أن الاستمرار في المطالبة بمعرفة قَتَلَة الحريري، لا يعني إلا استمراراً في تصعيد الأزمة الأمنية وتمادياً في الخروج على الصف العربي والعروبة. ويعني أن ما نشهده منذ أشهر مرتبط ارتباطاً عضوياً وسببياً بنتائج التحقيق. هذا الاستنفار المخابراتي ـ الأمني لبّد أجواء اللبنانيين، ويحاول زرع الخوف مما هو آتٍ. مما هو آتٍ بعد نتائج التحقيق إذا ما صوّبت باتجاه هذه الجهة المحلية أو تلك غير المحلية. إذاً، نقتلكم وعليكم أن تقبلوا قتلنا بكل تفهّم و"وطنية"، وبحس من المسؤولية العالية، السامقة، المترفعة، لكي تحفظوا الرؤوس المهددة، والناس المهددين... وربما المصير المهدد. فمَنْ قتل الحريري، ومَنْ قتل شخصية بحجم الحريري قادر على أن يقتل أياً كان، سواء كان مرجعاً مدنياً أو طائفياً أو اقتصادياً أو حتى أمنياً. يريدون أن يقولوا إن مَنْ قتل الحريري وسمير قصير وجورج حاوي قادر وبمستوى مرهف من الوعي والقصد والتصميم، وفي إطار "نضالي"، مشرّف، على أن يقتل كل مَنْ تُسَوَّل له نفسه المطالبة بكشف مرتكبي الجرائم. وكما كانت معادلة الحرية والسيادة مقابل الحرب والفوضى، ها هي المعادلة في صيغة أخرى: الحقيقة مقابل كل شيء: تدمير شامل، قصاص جماعي، فوضى معمّمة، حروب لا تبقي ولا تذر.
إنه المنطق ذاته الذي حرّك هؤلاء أنفسهم على امتداد ثلاثة عقود والمتبلور بالضغط المستمر، والقمع المستمر، (وطبعاً النهب المستمر والسرقة المستمرة، والفساد المستمر) ليطاول كل عدوان شرائح عدة، أو حتى مجموع الناس، مقابل السكوت على الوصاية والتبعية ونسيان كل ما يمت الى السيادة بصلة. إذ أن كل الذين وفدوا إلينا على امتداد العقود الماضية بتلاوينهم "البهيجة"، وتشاكيلهم "الحضارية"، كان عليهم أن يتبعوا الأسلوب ذاته لتشريع وجودهم، وتبرير هيمنتهم. كلهم واحد مع حفظ الألقاب والمسميات والقضايا وأشكال النضال والصمود والتصدي (يا عين!).
هؤلاء كلهم (وعلى رأسهم اسرائيل) كانوا ظاهرة "عقاب جماعي" للبنانيين. ونظن أن مجرّد "هيمناتهم" (بقوة الفرقة واستنفار الطائفية وارتكاب المجازر، واغتيال البشر والحجر) كانت نوعاً صارخاً من العقاب الجماعي. إذ بمَ يمكن أن يُعاقب شعب بكامله إلا باحتلال إرادته، ومصادرة قراره، ورميه في أتون دائم من الحروب أو من التهويل بالحروب، واتهامه بالوحشية (من قبل المتوحشين!)، وبالطائفية (من قبل الطائفيين!)، وبالفاشية (من قبل الفاشيين!) والفساد (من قبل الفاسدين والمفسدين!) والنهب (من قبل النهابين!)، فهل هناك عقاب أشد وطأة من إلغاء تاريخ بلد، وشعب، وأرض، تبريراً لحضور مفروض، ومشيئة مفروضة؟ بل أي عقاب أرهب من التشكيك حتى بوجود "الشعب"، والناس، من خلال اعتبارهم كائنات "افتراضية" وجدت بالمصادفة وترحل بالمصادفة؟ وأي عقاب أشد وقعاً على شعب، أي شعب، من معاملته كقطيع يساق بالعصا ويدار بالاحتقار، والكراهية، والدونية، من قبل جهات محتقرة، وكريهة ومصابة بعقد الدونية. ومن خلال هذه النظرة المعممة النموذجية لنا، كان علينا أن نتحمل دائماً أمراض النظام العربي ومشتقاته وظواهره (البربرية) وتناحراته، ونزاعاته، لندفع نحن الثمن عنه، وعن أخطائه، وأزماته، وهزائمه. فكأننا نحن أخطأنا بدلاً منه. وكأننا نحن من أزم أزماته. وكأننا نحن من صنع هزائمه.
واليوم، يبدو أن الأمور ما زالت مستمرة. وعلينا نحن أن ندفع ثمن استشهاد كبارنا. فكأننا نحن المسؤولون، والقتلة، والمخططون. وعلينا أن ندفع ثمن ذلك، بتفجيرات يرتكبها القتلة أنفسهم، وباغتيالات يقوم بها المجرمون أنفسهم. أي ندفع ثمن جرائمهم فينينا. ذلك أن ذهنية استباحتنا وتشييئنا ما زالت في عقول هؤلاء الممصولة دماؤهم، المنصولة مشاعرهم، المفجوعة مصائرهم ومآلاتهم، المضروبة آمالهم. ذلك أنهم يريدون أن يحمّلونا مسؤولية ما اقترفت أيديهم. (تماماً كما اعتادوا أن يحملوا الآخرين، أي آخرين مسؤولية هزائمهم المظفرة الملعلعة في "أعراسهم" الوطنية الصدّاحة بالخيبات والانكسارات). ويريدون أن نعترف نحن بأن ما حصل منذ 14 شباط وقبله، إنما من صنيعة "مخيلاتنا" وأصابعنا. فَلِمَ لا نكون نحن مَنْ اغتال الحريري بهذه الوحشية النازية (المتجددة معهم)، ولِمَ لا نكون نحن مَنْ اغتال جورج حاوي وسمير قصير (بهذه الخسّة والغدر والطعن في الظهر والجبن)؛ ولِمَ لا نكون نحن مَنْ يزرع المتفجرات في الأسواق التجارية، (بهذه الحقارة التي لا نجد مثيلاً لها، إلا عند العدو الصهيوني الذي علمهم جيداً دروسه الخصوصية والأكاديمية في أصول التخريب والنهب)، ولِمَ لا نكون نحن مَنْ يُهدد بعض الزعماء من صنّاع 14 آذار العظيم، وبعض الكتّاب والصحافيين الشرفاء، غير المأجورين والمرتبطين بالأجهزة والمخابرات؛ ولِمَ لا نكون نحن مَنْ خرّب معالم جريمة اغتيال الحريري، واخترع "أبو عدس"، واتهم الحجاج الاستراليين، وابتكر أساليب تضليل التحقيق؟ أنكون فعلنا كل هذا ونحن لا نعلم، في مناماتنا، أو في أحلامنا، أو في كوابيسنا، أو تحت تأثير التنويم المغناطيسي؟ بل لماذا لا نكون نحن اللبنانيين من عيّن لجنة التحقيق الدولية، وميليس، والخبراء. ومَنْ كتب وسيكتب التقرير والنتائج. فنحن المتهم الدائم، لأننا في اعتبار هؤلاء "الآفلين" (بحمده وحمد الشعب) المستباحون الدائمون، الجاهزون، لنكون الأضحية، والذبيحة، والقربان، وهم يجعرون من "عليائهم" بالعزة والكرامة والنظافة والصمود والتفاني والاخلاص والنزاهة والديموقراطية؟
وعلى هذا الأساس فلنشهر "نقاءهم" المخابراتي، وسرائرهم العنيفة، (كم يحاضرون بالعفة!) ونردّ الطعنات على نحورنا، ولنتحمل نحن كل تبعات الجرائم. وعلى هذا الأساس أيضاً، علينا أن "نناضل" من أجل قضيتهم "المركزية"، ونكافح حتى آخر مواطن من أجل أن نقنع ميليس بأننا الفاعلون، وهم الطَهَرَة. وإلا، فالخراب بعد نتائج التقرير، إذا مُسَّتْ ضمائرهم الناصعة بما "يلوثها"، وإلا فالكل مهدد. وكل شيء مهدد. الناس والأشياء والانجازات (لا سيما الاقتصادية) والدواب والحيوانات والشجر والهواء والماء والثقافة والسلم الأهلي والاتفاقات المعقودة، والتي ستعقد، والتي لن تعقد، واستعادة الحروب التي قامت، والتي ستقوم، واسترجاع الفتن الطائفية، والمذهبية، والتهويل بتدمير البلد. أنتم إذاً في كفة، كلكم، (ولا خيمة فوق رأس أحد)، ونتائج التقرير في كفة، فهبّوا لنجدتنا، لكي ننجدكم. تظاهروا ضد ميليس. وتقاريره. ونتائج التقرير. وحيثياته. والأمم المتحدة. قولوا ان اسرائيل هي التي وضعت التقرير لتتآمر علينا. قولوا ان أميركا هي التي قتلت رفيق الحريري وسمير قصير وجورج حاوي وحاولت اغتيال مروان حمادة، وأنها هي التي عيّنت ميليس لتبعد الشبهات عن نفسها، وتلصق التهمة بنا. قولوا انها مؤامرة على الأمة العربية ونضالاتها المشروعة وصمودها، وتصدّيها، وتضحياتها، خدمة للاستعمار الجديد، وللنظام العالمي الجديد والعولمة وإلغاء الهوية، ولمخطط الهيمنة، وفرضاً للوصاية. قولوا أي شيء! تظاهروا لتبرئتنا. املأوا الشوارع والسطوح والساحات. احملوا أعلامكم لنصرة قضيتنا المحقة! قوموا قايضوا حياتكم ومصيركم وكل البلاد ومستقبلكم ببراءتنا.
هذه هي أحوالنا. بل هذه هي حال من أحوالنا باعتبار أن هذه الحال معمّمة ومطبقة منذ عقود علينا. هناك دائماً من يضعنا خلف القضبان. هناك دائماً تهمة جاهزة لنا. هناك دائماً جريمة نرتكبها من دون أن نرتكبها. هناك دائماً ضريبة علينا تسديدها. اليوم الضريبة من العيار الثقيل، ومن النوع الغرائبي: أن نتحمّل تبعات نتائج تقرير ميليس. علينا من جديد أن نضع المقصلة فوق أعناقنا افتداء لجرائم الآخرين وموبقاتهم. لكن السؤال الكبير: مَنْ يرد هؤلاء الطغاة عنا؟ مَنْ يقنعهم بأننا عاجزون عن تغيير أي كلمة من كلمات التقرير. وأننا عاجزون حتى عن الضغط لمنع استدعاء أي "مسؤول" فوق الشبهات أو تحتها أو في صميمها. الى متى سيُكتب لنا أن نكون الضحية الدائمة. الى متى سيستمر الجلادون برفع المقاصل فوق أعناقنا؟ مَنْ يحمي هذا الشعب وممتلكاته من هذه البربريات التي تهدده؟ مَنْ يردع هؤلاء القتلة، بأنظمتهم القاتلة، ونفوسهم القاتلة، وذهنياتهم القاتلة؟ مَنْ يقول لهم: كفى. هذا كثير كثير على هذا الشعب، وأكثر مِنْ "طفح الكيل"، وأكثر من جنون؟
هل هذا يعني أننا استسلمنا؟ اننا خضعنا لإرهابهم "المنظم" (التاريخي والمعتق والعريق)؟ لا! فنحن بقدر ما نتوجه الى العالم لكي يساهم في وضع حد نهائي لهؤلاء السفاحين، بقدر ما نتوجه الى الناس. هؤلاء الذين صنعوا 14 آذار وصاغوا ملحمة التحرير، وها هم يصوغون ملحمة الحرية، نتوجه إليهم، لكي يقاوموا بشراسة مخططات قتلهم اليومي، وتدمير ممتلكاتهم، وتخريب اقتصادهم، واستثارة الفتن الطائفية (بالتضامن والتكافل الوطنيين طبعاً مع بعض الأقلام المخابراتية المأجورة والتي صارت معروفة جداً من القريب والبعيد)، بل وندعوهم الى استحضار الشارع، والنزول إليه، والتعبير عن سخطهم وإدانتهم، لكل ما يُرتكب بحقهم، وإعلان رفض كل دور يركب لهم ولمن يمثلهم، لتغطية جريمة العصر، وفاعليها، ومخططيها، ومنفذيها. فكشف الجريمة، كان المحرّك الأول لانتفاضة 14 آذار، ودم الحريري وفليحان ومن ثم حاوي وقصير، كان منارة من منارات هذا اليوم المجيد، بتداعياته وأحلامه وإنجازاته؟ فالذين يعتقدون بأنهم، بإجرامهم الموصوف قادرون على تغيير الارادة المليونية بكشف الحقيقة، هم واهمون، لأن فضح القتلة يستتبع عقابهم. ولكل جريمة ثمن، وعليهم أن يدفعوه، إذ أن أرواح الناس ليست ملك آبائهم وأمهاتهم ونفوسهم المريضة، وعلى هذا الأساس، ينبغي على ناس 14 آذار أن يصمدوا، ويقاوموا، ويدافعوا عن مكتسباتهم، ويدكوا صروح النظام الأمني برموزه العليا والسفلى... ذلك، أن طريق 14 آذار ما زالت مشرّعة. والدليل ان أعداء الانتفاضة، بعدما أسقط في أيديهم، لم يتبقَ لديهم شيء سوى القتل.
الناس عندها الأمل بتوصل التحقيق الى مبتغاه. والمجرمون، ككل المجرمين، لم يعد عندهم سوى أن ينتقموا من "الحقيقة" بمحاولة إزالتها، وإزالة معالمها... وآثارها... بسلاحهم الفكري والعقائدي والسياسي الوحيد: القتل. فالقتل فالقتل! لكن برغم هذا نبشرهم: ميلوسوفيتش ما زال في انتظاركم على أحرّ من الجمر!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.