8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في ذروة زمن القَتَلة

لو تابعنا، وبشيء من الدقة (أو حتى التصرف) مسار النظام العربي (لا سيما الثوري منه لا الثوروي) منذ "إشراقاته" الأولى على الدبابات، وعلى التماع المدافع، والمقاصل، لما عثرنا، موضوعياً، سوى على القتل ركيزة له، ونبراساً، يهتدي في إرساء سلطته "الديموقراطية"، و"التغييرية"، حتى آخر رصاصة انقلابية. فالنظام "المظلي" النازل من لدن العسكر، المبرقع بالتيجان والنجوم، تَبَرْقُعَه بالشعارات التي تخفي ما تخفي من الموت والشغف به، والإلغاء والولع به، والاعدام والتعبد له، لم يكن على امتداد نصف قرن، إلا فاصلاً بين زمنين: الزمن الحضري ـ المديني، والزمن البربري ـ المتوحش. الزمن المتعدد الصورة، والصوت، والوجهة والزمن الاحادي القاطع الحاسم الجازم الناهي. الزمن الذي يحاول أن يصغي الى المجتمع بتفاعلاته وتناقضاته، والزمن الذي يقطع مع المجتمع، ليستقر في ثباته في عزلته، وليستفرد ما شاء البشر والحجر استفراد الذئب فريسته. ذلك أن النظام العربي (الحديث! وأي حديث وأي جديد!) ما كان له "الصمود" في القمة إلا بالصمود في العزلة. كأنما، منذ طلوعه المشرق الوضاء الأغر رفع الجدران السامقة، والعالية، والسميكة بينه وبين المجتمع. بمعنى آخر، أقام هذا النظام متاريسه ودشمه مقابل المجتمع، وكأنه يقيمها مع عدو غاشم، أو غازٍ، أو وافد.
ذلك أن النظام العربي، أعتقد يقيناً بأنه على قدر ما ينفصل عن دافعه يقوى عليه. وبقدر ما ينفصل عن واقعه يقوى عليه. وبقدر ما يضعف هذا الواقع يؤمن هيمنته. فسلطانه منه، يكتفي به. وشرعيته منه قنوع بها. واستمراره منه يلوذ به. وهكذا نشأت طبقية طفيلية غريبة بين النظام العربي وبين مكونات هذا الواقع. طبقة معسكرة تطفو على السطح، وطبقات سفلية تنوء تحت الضغط والثقل والقمع والخوف. أي طبقات محرم عليها أن تظهر إلا ككائنات تنتمي الى "تحت". كائنات يحظر عليها أن تعبر من العتمات السفلية الى الضوء. ذلك أن الضوء، والنور، من شأن الطبقة الفوقية، التي لها أن تتمتع وحدها بالارادة وبالحرية، وبالثروات، وبالمغانم... وكذلك بالهزائم. لكن الهزائم التي يحققها أهل "الفوق" يجب أن يتحملها "أهل التحت" باعتبارها انتصارات!
هذا المسار "الرسمي" (الثوري لا الثوروي) كان عليه، ولكي تكتمل عدته وعتاده وسلاحه، أن يفتك بكل الوسائل والأدوات التي تعتبر من حقوق "أهل التحت" (أي الشعب)، ابتداء بانتهاك الدساتير، والقوانين، وانتهاء بتملك كل وسائل الانتاج، مروراً بالقضاء على الحريات المدنية والفردية حتى الخصوصية منها. ويمكن أن نقول إن هذا النظام العربي (ربيب الستالينية لكن من دون مشروعها وأحلامها. وربيب الفاشية لكن من دون محركاتها) قد حقق نجاحاً مذهلاً على جميع الأصعدة: فهو قضى أولاً على اقتصاد بلاده، وسجل أكبر هزائم عسكرية عرفها العرب منذ ألف عام، وضرب البنية الاجتماعية التحتية، بحيث تحوّلت أشلاء طائفية ومذهبية وعشيرية وعائلية وهو خرّب كل الانجازات الحضارية والسياسية، والثقافية، التي تراكمت على امتداد مئات السنوات. وهو دمّر كل محاولة، أو أمل، عند الناس، بالتطلع، ولو من خرم الابرة، الى شيء من الكرامة، والعزة، والشعور بالانسانية.
والغريب، ان هذا النظام العربي (الثوري لا الثوروي)، كلما حقق خسارة أو نكسة، عسكرية كانت أم اقتصادية، أم سياسية، اشتد ساعده، وقويت شكيمته، وازداد بطشه، وانتفخت في الوقت ذاته شعاراته وادعاءاته. والغريب أيضاً، أن هذا النظام العربي الذي لم ينجب سوى "الموتى" والمشوهين والاستبداديين والمتخلفين. صدّق ما روّجه عن نفسه. صدّق أنه انتصر على الأعداء، وها هو يحتفل كل عام بانتصاراته (المهزومة) المظفرة. وصدّق أنه مشرّش في الجماهير، وها هو يعلن الاستفتاءات (والمبايعات) التي لا تقل عن 99.99 بالمئة. وصدّق أهل هذا النظام أنهم "محبوبون" من "ناسهم" فأغرقوا الشوارع والحيطان والهواء والأرصفة والميادين بصورهم "البهية" التي يعتقدون أنها، وبهذا الانتشار (المخابراتي) تشيع الطمأنينة، والبحبوحة، والخبز، والكرامة، والحرية... الى هؤلاء الناس، الذين لا يجرأون أحياناً الى النظر إليها لقوة "كاريزمايتها"، ونفاذ حضورها... القاتل.
هذا النظام العربي الذي عبث بكل شيء، وَبدَّد كل الارث الوطني والحضاري والاقتصادي، لم يكن له بالطبع، أن يتكل على "إنجازاته" ليبقى عائماً على سلاحه، ولم يكن له أن يستند الى جذوره الجماهيرية "المقبوعة" أصلاً، ولا الى أحزابه (الملغاة لأسباب قومية (!) عليا)، والى الى مؤسساته (المعدومة بالأجهزة)، ما كان له، على امتداد سنواته العجاف، إلا أن يشهر بنداً واحداً من بنود "جمهورياته" وهو بند القتل. فهذا البند هو البند الأول من دساتير النظام العربي. وهو البند الثاني... والثالث... والرابع والألف. فلنقل انه الايديولوجيا "الكبرى" و"العظمى" التي تحرّك أهل السلطة، وأهل الحكم، وأهل القتل طبعاً. ونظن أن هذا البند الذي سُطِّر بمادة واحدة، وبيد واحدة، وبإرادة واحدة، قد عممه واضعوه، بكل الوسائل المتاحة، وعلى كل المستويات، والى جميع الجهات، لكي لا يفوت أحداً، لا شيخاً، ولا طفلاً، ولا مفكراً، ولا كاتباً، ولا "موالياً"، ولا معارضاً. على الجميع أن يعرفوا بهذا البند ويستظهروه، ويُنشدوه، ويقتنعوا اقتناعاً "عقلانياً" و"وطنياً"، و"قومياً"، و"سياسياً" بأن هذا البند هو دستور البلاد، وان من دونه، لا حياة لها، ولا لناسها ولا لمستقبلها، ولا حتى لماضيها وتاريخها. فالقتل، بحسب النظام، يجب ألا يطاول الحاضر والحاضرين، والمستقبل والمستقبليين فقط بل أيضاً أعماق الماضي والتراث والذاكرة. ويجب ألا يطال "الناس" ككائنات حية (على صورة الله) فقط وإنما أيضاً الأشياء والممتلكات والأفكار والمواقف والأدب، والمسرح، والشعر، والفلسفة... والسينما والتلفزيون...
فهذا البند، وبسبب "شموليته" و"عدالته" و"مساواته"، لا يُفرّق بين الناس والأشياء. فالناس، به، تصير أشياء، والأشياء به، تصير ناساً. وأكثر: فالناس، به تصير حيوانات وقطعاناً ومواشي، والحيوانات والقطعان والمواشي تصير بشراً. إذ أن بند القتل هذا يساوي، بقوانينه العادلة، وبقضائه الحازم، الصارم، وبمواده المدروسة، ليس بين الناس والطبقات والشرائح بل بين هؤلاء وبين الموتى أيضاً. إذ لا فارق، أحياناً، عند أهل البند هذا، بين الأحياء والأموات. فالأموات يمكن أن يصيروا أحياء، والأحياء أمواتاً. وهكذا يمكن اعتبار أن القتل كبند من بنود الجمهوريات (الطليعية) يعيد الأمور الى نقطة الصفر. الى رحم البدايات. فهو الذي يشرف على ولادة الأطفال إشرافه على ولادة "الأفكار"، وحتى المشاعر والأحاسيس والغرائز. وعليه، ومن مقتضياته، أن يحدد كمية هذه الأفكار، والمشاعر والغرائز والأفكار بحيث لا يتعدّى نموها نسباً تهدد أمن هذا النظام وبنيته... وأصحابه. فأنت إذا أردت أن تتكلم، فعليك أن تضع في حسبانك، أن القتل هو الذي من شأنه (لا من شأنك) أن يحدد لك ماذا تقول وماذا لا تقول. الكمية التي تقولها والكمية التي لا تقولها. وهو الذي من شأنه أن يحدد لك ماذا "تصمت" وكيف، وماذا لا تصمت وكيف. فالصمت خطر أحياناً. والإكثار منه لهذا السبب أو ذاك وبظروف معينة، يمكن أن يعتبر "انتهاكاً" لبند القتل، وتهديداً لهيبة القانون، والسلطة، وما الى ذلك. ولأن السلطة قائمة على مدماك القتل هذا، فعليك أن تعرف، أن هذه السلطة المؤسسة على هذا البند (لوحيد)، لا يمكن أن تتخلى عنه... وإلا سينهار الهيكل كله عليك قبل أن ينهار عليها.
فهو الثابت، وكل شيء متحوّل. إذ أن الاستراتيجية التقليدية لهذا النظام العربي والعصرية وما بعد العصرية لا يمكن أن تُرسم، لا على الانماء (الذي يفسد الناس)، ولا على الديموقراطية (التي تشوههم) ولا على العدالة (التي تغشهم) ولا على البحبوحة (التي تبرجزهم)، ولا على التسامح (الذي يدللهم)، ولا حتى على إنجازات النصر الحقيقية (التي تجعلهم يرتدون الى مشاكل الداخل). هذه الاسترتيجية القومية والوطنية والكونية (باعتبار أن أفكار النظام العربي كونية أيضاً: إسألوا ستالين وفرانكو وتشاوشسكو وأنور خوجا وموسوليني...)، عليها، وبحجرها الفلسفي (السحري) أن تحول كل ما يتعلق بها، الى مادة الايمان بها حتى الفناء. تنفخ روحها في كل عضو من أعضائك. في كل عقل من عقول المجتمع. فإذا عُيّن قاض مثلاً، في إحدى جمهوريات النظام العربي، فعليه ليكون قاضياً عادلاً ممسكاً بالميزان من كفتيه، أن يكون قاتلاً. وإذا وُضع مسؤول في دائرة أو جهاز أو وزارة أو أي منصب فعليه، لكي يخدم القضايا الكبيرة، والأمة، والشعب والمصير، أن يصير قاتلاً. والناس، ولكي تحافظ على حسها الوطني، واندماجها الاجتماعي، عليها أن تكون جاهزة، إما للسكوت عن القتل والتغني به، وإما لتكون مقتولة. أوليس بند القتل هو البند "الأم" لكل الدساتير والقوانين؟ أوليس هذا البند بالتحديد، هو الذي يوفر الأمن والأمان والسلم الأهلي، والاستقرار. إذ ماذا يمكن أن نفعل لولاه. ماذا لو ألغينا بند "القتل" من دساتير الأنظمة وعقولها وخططها؟... ماذا يبقى؟ لا شيء! بل ماذا سيفعل الناس بحرياتهم إذا لم تشفع بمشتقات القتل، ورواسبه، وآثاره ومفاعيله؟ لا شيء! فما هو قائم أساساً على القتل لا يستمر أساساً إلا بالقتل. وهذه قاعدة من قواعد الأنظمة الراسخة، والمكرّسة، والضاربة جذورها في أصول الحكم، وبنود الاغتيالات، ومواد المحاكمات والمرافعات والسجون...
أما لماذا نتكلم الآن على هذا الموضوع الذي بات من عاداتنا ومألوفنا منذ أكثر من خمسة عقود، فلأنه ما زال بنداً من بنود حياتنا؛ بنداً من بنود خوفنا. فترويع النظام العربي ناسه، وإبقاء سيف القتل مصلتاً فوق رؤوسنا، ما زال يصيبنا. والقتل الذي رافقنا كظلنا منذ عهود طويلة، أي منذ بدأ النظام العربي وسواه (كإسرائيل) بشن الحروب علينا، وجعل القتل ميزاننا اليومي، ووضع حرياتنا ومصيرنا في كفة، وبند القتل في كفة، فهذا القتل، وبرغم كل شيء، ما زال يتعقبنا، ويطاردنا ليل نهار. فاللبنانيون اليوم، (وسواهم طبعاً) ليس لهم، كما تعودوا طبعاً، إلا أن ينتظروا القتل. متى؟ ومن؟ وكيف؟ وأين؟ يعيشون ويجددون هواجس القتل، ويتهيأ كل منهم، ومن دون أن يعرف لماذا، لأن يصبح في عداد القتلى أو الشهداء. إما باغتيال فردي، أو بتفخيخ. أو بتفجير أماكن. ولأن اللبناني بات يعرف، بعد تجاربه الطويلة مع القتلة، أن القتل وسيلة أهل القتل الوحيدة، فإنه يحاول، وبوسائله البدائية، أن يرد هذا القدر. لكنه يعرف أيضاً، أن القتلة وهم محترفون كبار (ولد بعضهم وترعرع قاتلاً)، قادرون على الوصول إليه، أياً تكن احترازاته. ولأن البلاد تمر بفترة انتقالية: من حكم القتلة والأجهزة والبطش المشترك الى الديموقراطية، فإن هشاشة هذا الانتقال تزيد من سهولة القتل والتفجير. بل يشعر اللبناني، في هذه الفترة (كما في الفترات السابقة) وكأنه أعزل إلا من المصادفة التي قد تنجيه من المجرمين: كما نجا مروان حمادة بأعجوبة. وكذلك وزير الدفاع الياس المر. وإذا عرفنا، أن هذه المرحلة الانتقالية تتميّز بإرادة المجتمع الدولي كشف حقيقة مَنْ اغتال الشهيد رفيق الحريري، وأن نتائج تحقيق اللجنة برئاسة ميليتس باتت وشيكة، وقد تكون مدوية بأسمائها (جاءت التعليمة لبعض الأقلام بالتشكيك سلفاً بنتائج التحقيق) فإن عزيمة القتلة، وللتشويش على هذه النتائج وترويع اللبنانيين تحت شعار، الحقيقة مقابل حياتكم وأمنكم، قد قويت، وإرادة القتل عندهم تصاعدت الى حدودها القصوى.
إذاً، نحن اليوم، في ذروة زمن القتلة. وفي أوج اندفاع الغرائز والارادات الى نقاط استفحالها. فهؤلاء الذين لم يمتلكوا يوماً سوى "القتل"، لا يمتلكون اليوم سواه. والطرائد البشرية على مرمى أصابعهم، والضحايا في متناول أيديهم. كأنهم في سباق بين القتل كايديولوجيا وطريقة حياة وتفكير. وبين تساقطهم المدوي الآتي لا محالة. وكأنهم لا يعرفون، ولم تعلمهم تجاربهم، ان الترويع، والتهديد، والتخويف، والالغاء والاعدام، صارت هي، وبرغم أذيتها، من متاع الماضي. صارت تشبههم لأنهم أيضاً من متاع الماضي. ذلك أن من يعيش في الماضي، والى هذا الحد، لا خيار له، لكي يواجه الحاضر (الذي يلغيه) سوى أن يلغيه بناسه وقاماته وظواهره وواقعه وتحولاته.
ولأن اللبنانيين، وبرغم كل العثرات، يحاولون صنع حاضرهم، ومستقبلهم، مستلهمين روح 14 آذار، فإن القتلة، الذين لا يريدون أن يقتنعوا بأن الزمن قد تغيّر، سيحاولون وبالقتل، تدمير هذا الحاضر، وتبديد 14 آذار، بما في ذلك الديموقراطية والحرية، وخصوصاً الحقيقة، حقيقة مَنْ اغتال رفيق الحريري ورفاقه وسمير قصير وجورج حاوي.
إنها لحظة الحقيقة الكبرى. ومن يظن أنه يستطيع أن يواجه هذه اللحظة بالقتل هو واهم. ويعيش شيزوفرانيا مرضية مستعصية. شيزوفرانيا أن تكون في زمن ما، وتفكر وتعيش وتقتل وكأنك ما زلت في زمن آخر... قد أكل الدهر عليه و...

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00