8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خرْدة "النظام" العربي

اذا كانت الديموقراطية، أي ديموقراطية، لا تقوم إلاّ على ركيزتين اساسيتين لا تنفصلان ولا تنفصمان: قاعدة الأكثرية، وسيادة القانون، بكل ما بينهما من التباسات، فيعني أنه من ضمن هذه الديموقراطية، تأتي المحاسبة وتداول السلطة وحضور الشعب عبر مجتمعه المتعدّد الانتماء والتفكير وادواته الواضحة الحية، "المصونة" لتؤكد كلّها ان أي انتفاء لعنصر من هذه العناصر هو انتفاء للديموقراطية.
نحن عشنا في العالم العربي فترة ما بعد الاستقلال من دون ديموقراطية. أي من دون ركيزتيها: الأكثرية (تحكم) والقانون (يسود)، فلا عرفنا "انتصار الأولى" ليتسلم المنتصر الحكم ويُحاسب عبر المؤسسات وتُتداول بذلك السلطة ارتباطاً بارادة الناس، ولا عرفنا الثانية أي استخدام القانون ليصون الحرية، والحقوق، والديموقراطية؛ فالأقليات الانقلابية العسكرية هي التي اغتصبت السلطة بالقوة. فصار الحكم من شأن هذه "النُخب" الهابطة على الواقع والحياة، منفصلة انفصالاً شبه تام عن المجموعات البشرية التي تؤلف مكونات المجتمع.
وبهذا كان على هذه "النخب" ان تصيب أولاً المجتمع نفسه بتعدديته، وبوشائجه السياسية والثقافية وحتى الاقتصادية. وكان عليها، وبحكم "ضعفها" الشعبي ان تقضي على كل نبرة مختلفة، او لهجة ممانعة، لتسيّد منطق "القطيع" محل "منطق" الشعب. فصار الأول مرادفاً للخضوع (الاخضاع)، والثاني مرادفاً لعملية تجريد له، أي لعملية ترى فيه مجرد اكوام وأشياء وركامات انتزعت منها كل حيوية ومبادرة واختيار.
واللافت أن أحجام هذه النُخب غير المدنية التي بدأت ضمن جبهات عريضة تضم اطرافاً متعددة قبيل الاستقلال (ومن أجل توحيد النضال من أجل التحرير!)، راحت تتقلص شيئاً فشيئاً، كلمّا تمكن أهل السلطة "الجدد" من إحكام القبضة على مقدرات الحكم. فعرفنا في البداية سلطة الحزب الواحد. ويعني ذلك تسلّم المقاليد شرذمة حزبية صَفّت شرذمات حزبية أخرى، والشرذمة الحزبية المصححة اقتصرت هذه المرة على الشريحة الحزبية المعسكرة ـ المكونة من جنرالات وضباط وعقداء والوية. وكان ذلك تصفية للوجه "المدني" للحزب. ولهذا من الظلم اعتبار اننا ما زلنا نعيش نظام الحزب الواحد في بعض البلدان العربية. وانما نعيش نظاماً عسكرياً ذا واجهة "حزبية" لم يبق من معتقداتها وأفكارها سوى الشعارات المناسبة، التي تخفي بدورها ان السلطة لم تعُد لا في قبضة حزبية (تخضع لانتخابات ولقواعد) ولا طبعاً في قبضة جبهة سياسية عريضة. بل ومن الضروري القول انه حتى هذه "الطغمة" العسكرية المتوارية أو السافرة أو المقنعة بالحزبية، تقلصت بدورها من ميزان "قوى" داخل المؤسسات المعسكرة إلى كفة واحدة:هي كفة مناطقية أو عشيرية او طائفية. وبهذا انتقلت السلطة من مجموعة غير مدنية متعددة إلي حزب واحد فالى عشيرة واحدة. ولهذا فقدنا حتى احتمال الكلام على حكم الحزب الواحد. ثم تقلصت هذه السلطة من سلطة عائلية ـ طائفية ـ مناطقية محددة إلى سلطة محكومة بصراع الأجهزة. وبهذا انتفت "المركزية" الموحدة لهذه السلطة، اذ اصبحت بطون العائلة والعشيرة والقبيلة وافخاذها تتنازع الهيمنة، عبر صراع الأجهزة وتقوم بتصفية بعضها، على أساس توزيع المغانم والسيطرة. من هنا ما عاد الكلام ممكناً، عندنا، (اي في بعض عالمنا العربي) لا عن حزب حاكم، ولا حتى عن "شخص" حاكم، وانما عن جزء من عائلة او عشيرة او منطقة، يسيطر بالقوة على سائر "بني جلدته" . فالصراع هنا لم يعد صراعاً لا على الأفكار. ولا على "الجينات"، ولا على اساليب الحكم. وطبعاً لا على "الشعب" (الملغى) وانما مجرد "تناتف" على المقدرات المتبقية، والثروات المتبقية...
وعلى هذا الأساس بات من غير الممكن الكلام حتى على "نظام" عربي له مواصفات "العروبة" و"الاشتراكية" و"اليمينية" و"اليسارية" و"الليبرالية" ... بل باتت تسمية "النظام العربي" في غير محلها، وتنتسب ربما إلى الماضي. ولهذا نرى أن هذا "اللانظام" (العربي)، بمواصفاته العائلية (المجتزأة) والعشيرية (المجتزأة) والمناطقية (المجتزأ) فقد حتى الحدود الدنيا من التماسك "العصبوي" فما بالك بالتماسك السلطوي أو الوطني.
وعلى هذا الأساس ايضا بات الكلام على مؤسسات عربية تحكم، وجيوش عربية نظامية، وأجهزة أمنية (عمومية)، في غير محله. فالجيوش موجودة لكن بدلاً من أن تكون "عمومية" (للدولة) صارت جيوشاً خاصة. لكل بطن من هذه العائلة أو العشيرة جيشه "الخاص". ولكل مركز قوة ايضاً "حرسه" الخاص من أفراده الخصوصيين ومن أطيافه الخصوصيين، وكل طرف "بالمرصاد" للطرف الآخر. بمعنى ان كل طرف يعيش "حربه" الخاصة (الصغيرة) ويستنفر "أجهزته" ويستخدم "موازنته" (المالية وغير المالية) اذ انه بات من الصعب ايضاَ الكلام على "ميزانية" عمومية (لكل البلاد)، وانما على ميزانات موزعة على الاطراف العائلية والعشيرية، بحيث ان ثروات البلاد تحولت املاكاً خاصة (كالجيوش والمؤسسات والأجهزة... والسلطة)، ولهذا من الصعب علينا أن نجد "تسمية" محددة لهؤلاء الأطراف حتى عبارات "انظمة توتاليتارية" (شمولية) او "أحادية" او "ايديولوجية" لم تعد تنطبق على تلك "الطغم" ربما يمكن موقتاً إطلاق بعض "القاب" عليها، تمشياً مع ما هو سائد. لكن لن نستخدم عبارة "مافيا" (لأن في الكلمة ما يوحي تماسك العائلة او العشيرة أو المنطقة ضمن تشكيل العصابات)، ولن نستخدم كلمة رابطة... للأسباب ذاتها، ونظن ان اطلاق تسمية "شركة" او شركة عائلية... لم تعد تفي. اذ ان الشركة محكومة عادة بضوابط وقوانين وحسابات.. وهذه الطُغم ليست مضبوطة بقوانين ولا بحسابات.
اذاً ماذا يمكن أن نسمي من "يحكمنا". وما هي اليافطة التي يمكن أن نعلقها امام هؤلاء الحكام، الذين لم يعودوا ينتسبون حتى الى "النخب (المدنية أو المعسكرة)، ولا الى النخب الحزبية، ولا حتى إلى العائلية" ... فلا هم مدنيون، ولا عسكر. ولا حزبيون، وطبعاً لا شعبيون، ولا جماهيريون، ولا حتى حكام. فهذه الكلمة الأخيرة صارت تستخدم كمصطلح (آني). اذ ان هؤلاء لم يعودوا حتى حُكاماً. ولا مسؤولين.
صحيح انهم ما زالوا يتمسكون ببعض القابهم التراتبية وببعض شعاراتهم. إلاّ انهم في الواقع باتوا بلا القاب. وحتى الشعارات تخلوا عنها.
حتى ان صفات كـ"ديكتاتور" أو "مطلق" او "طاغية" لم تعد مجدية. باعتبار انهم صاروا، وبحكم "هلهتهم، كاريكاتور دكتاتوريين... ومسوخ "طغاة" واسمال حكام مطلقين...
اذ اننا قد نظلم كثيراً من الدكتاتوريين، الذين عرفناهم عندنا وعند سوانا، اذا ما قارنا ما عندنا اليوم، بهؤلاء ، فأحياناً كثيرة قد تُبَرَّر الدكتاتورية بمشروعها، برؤياها، او فلنقل ببوتوبياتها وحتى احلامها. وهؤلاء "العندنا" فلا عندهم مشروع ولا رؤيا. ولا يوتوبيا، لا شيء.
مثلاً ستالين بنى امبراطورية الاتحاد السوفياتي.
هتلر "حلم" بالسيطرة على العالم، فرانكو وحّد اسبانيا، تيتو "حافظ" على وحدة يوغسلافيا.. يعني أن "دكتاتورية" هؤلاء كانت تتستر او تُبرقع باهداف "وطنية" او "ايديولوجية" كبيرة.
ومن الظلم أن نقارن "بتوعنا" (حكامنا) بهؤلاء او بسواهم. وعليه فان تسميتهم "دكتاتوريين" "مبهبطة" وفضفاضة على قاماتهم القزمة والوضيعة. انهم اصغر من "ان يكونوا "طغاة"، أو "حكاماً" أو "مسؤولين" أو "رجال دولة"، أو "رجال نظام" او حتى "رجال أعمال"... فكأن هؤلاء، باتوا مجرد "خردة". خردة النظام العربي "البائد" (أو الذي في طريقه الى أن يبيد). خردة في هياكل ونظم ما عادت تصلح إلاّ للكسر. ونظن ان حال النظام العربي، والذي لم يعرف تفككاً وانحداراً، كالذي نشهده في كل تاريخه، حتى في مراحل "ملوك الطوائف". وفي مراحل الانحطاط... وصولاً إلى مراحل الانتداب. على العكس تماماً. كان في أيام "الاستعمار" أحزاب وحرية صحافة (نسبية) وصراع فكري وحياة سياسية، ونهضة قومية، وروح تحررية وظواهر ثورية، واحلام تغييرية، وبحبوحة اقتصادية (نسبية ايضاً) وهوية تتشكل منها التقاطعات الفكرية والايديولوجية ... كل هذا قضى عليه "النظام الاستقلالي" العربي قضاء تاماً، ليحقق اصحابه "بواكير" الهزائم في 1948 ثم في 1967 وتكراراً في حروب "اهلية" و"حزبية" داخلية وعربية، لم يبقوا على شيء. دمروا كل شيء حتى الانسان العربي... خسروا الأرض وربحوا "انفسهم" هزموا الوطن وفازوا بسلطتهم. فكأن النظام بديل من الوطن، والحكم بديل من الناس.
اليوم، وفي هذا الزمن بالذات، نعيش على انقاض "النظام العربي" الخمسيني. نصف قرن راكم فيها "حكامنا" الخراب فوق الخراب، حتى صار كل شيء خردة. ارضنا خردة. ديموقراطيتنا خردة. مستقبلنا خردة، هذه الخردة الشاملة ورثت حكمها خرِدةً من فلول النظام البائد ومن هياكله المدمرة، ومن أبوابه المخلّعة، ومن محركاته المعطوبة ومن سقوفه المقبوعة. خردة تحكم خردة. وفي كل هذه الظواهر المَرَضية المستشرية يبدو كل اصلاح حقيقي او حتى جزئي بعيداً. وكل تغيير محكوماً بما هو اسوأ، من الواقع. فنظام الخردة العربي، بعقله الخردة، والذي لم يورثنا سوى الخردة، من ابناء واحفاد ـ خردة، ومن حرس قديم، جديد خردة، من الصعب أن يقوم باصلاح نفسه، او باصلاح ما حوله. اذ كيف يمكن أن يقوم اصلاحُ ما اذا غابت عنه الركيزتان الاساسيتان، اي ركيزتا، الديموقراطية: تداول السلطة (حكم الاكثرية المنتخبة) وسيادة القانون. وكيف يمكن أن تقوم هذه "الخردة" الحاكمة بأي عملية تصليح (او اصلاح) او ترميم اذا كانت هي تحتاج الى من يصلحها، ويحاسبها ويقومها وينتقدها، بمعنى آخر كيف يمكن خردة ـ حاكمة، بلا عقول سياسية (او حتى ثقافة سياسية) او تربية سياسية ان تفكر حتى في التغيير اذا كانت لا تعترف بالمجتمع كمصدر سياسي لكل تحول واستشراف، ولا تعترف بأي حوار مع هذا المجتمع.
فأي فكر هذا سيغيّر اذا لم يمر بمصفاة المجتمع المتعدد. بل أي تحول متعدد التوجه يمكن أن ننتظر من "بقايا" سلطة "احادية" او عائلية (مجزؤة) او "طائفية" او مناطقية؟ كيف يمكن أن نتوقع شيئاً من نظام ـ الخردة، وهو لا يعترف الا بنفسه. فلا حرية، ولا ديمرقراطية، ولا قوانين ولا دستور، والسؤال: اترى إلى متى سنبقى متعايشين مع دول لا تؤمن حتى بقوانينها بل إلى متى يمكن الصمود في دول ما عادت دولاً. وانظمة ما عادت انظمة. وحكاماً ما عادوا حكاماً؟ فكيف يؤتمن غير المؤتمن وغير المستأمن على الأمن والمواطن والحياة؟ وكيف يعطى الفاسد ان يبشر بالخير والسلامة والنقاء؟ وعلى هذا الأساس بات عبثاً انتظار ما لا ينتظر من هذه الطبقات، الخردة المتسلطة في بعض البلدان عندنا، لا لأنها باتت، بفعل سلوكها وجنونها وغبائها وقمعها من اسوأ الانظمة التي عرفها العالم، بل لأنها باتت تشكل خطراً على ناسها وعلى تاريخها وعلى بنيتها نفسها لكي لا اقول على وحدتها. ذلك أن الحديد والنار والبطش اذا ترافقت مع غياب العقول السياسية (حتى البائسة منها) فمن غير الطبيعي ان تبقي تماسكاً حقيقياً في الشرائح والمكونات السياسية والاجتماعية، ومن غير الطبيعي الا تؤدي الى كوارث اقتصادية أكثر فداحة، وإلى اخطاء يومية واستراتيجية مميتة. وما كان يتم في الماضي، في عز هذه الانظمة وفي قمة جبروتها، لم يعد جائزاً اليوم. فالظروف التي كانت تستغلها هذه الأنظمة لاركاع شعوبها وغير شعوبها والاعتياش على خراب الآخرين، واللعب بمصائر الناس، والاتكال على التوازنات الداخلية والخارجية، لبقائها في السلطة، او لاستبقاء ادوار ما لها، لم تعد واردة الان. فالعالم تغير، والناس تغيروا، والزمن القديم لم يعد صالحاً للجديد، ولهذا نجد أن بعض هذه الأنظمة، اما انه يؤخر تساقطه بعد "نضوج التين والعنب" بالهروب إلى الامام، ومحاولة الاتكال من جديد على "خراب الآخرين" واما انه يستجدي بقاءه عبر الاستعداد للتنازل عن كل شيء شراء السلطة بأي شيء في الوطن: الكرامة، الثروات الوطنية، القضايا الكبيرة... فهؤلاء الذين تعودوا المتاجرة بما ملكت ايديهم وما لم تملك ها هم جاهزون بل ويستميتون للمساومة، والصفقات، مقابل ما تبقى من وجودهم المتقهقر. لكن يبدو ان "عدة النصب" والاحتيال التي استخدموها كثيراً وكثيراً صارت بضاعة كاسدة وصدِئة وغير قابلة للاستعمال وغير "مقبوضة". والمحزن ان هؤلاء لم يعد لديهم ما يعطونه ويهبونه... لقاء استمرارهم وها هم بالجملة والمفرق، يتسولون اي صوت قريب أو متباعد لعله "ينجدهم"، او يُعينهم، أو يُجيرهم... "ولو من الرمضاء بالنار!"
فُرغَتْ جُعبهم كما فرغت عقولهم. واذا تبقى شيء توارثوه وحافظوا عليه، في هذا الفراغ الشاسع، والعزلة الكاملة والافلاس العمومي، فهو القتل. فهؤلاء المنتصبون بذل فوق ركام خرابهم، بنوا نظامهم وقوتهم وهيمنتهم على القتل. لم يعطوا شعوبهم والآخرين سوى القتل. القتل الفردي والاغتيالات الجماعية.
لكن مرة أخرى نقول: حتى القتل كأنه صار بضاعة قديمة من عصور بائدة. حتى القتل صار عبئاً عليهم. فالجريمة احياناً تقتل اصحابها. وترتد عليهم. وتكشف مستورهم ونياتهم واساليبهم. ها هم، على امتداد هذه الأرض العربية الغالية، باتوا كأنهم من فصول ديناصورات ماضية. من اشباح عالم قديم مخيف ومروع. لكن مصير الديناصورات المحنطة وغير المحنطة الانقراض ببطء او بتسارع. دفعة واحدة أو بالتقسيط. ونظن ان هؤلاء "المتبقين بلا تاريخ ولا جغرافيا ولا بوصلة، يشاهدون كما على شاشة مكبرة، وبالحركة البطيئة مآلاتهم وتساقطهم.
هكذا يتساقطون كالخردة، قطعة قطعة، امام شعوبهم، الذين آن لهم ان يروا فصلاً جديداً من الحرية، والديموقراطية فصلاً جديداً من الحياة الجديدة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00