المسألة من ثلاثين عاماً عندنا في لبنان، وقرابة نصف قرن (ميمون) في عالمنا العربي، هي أولاً وأخيراً مسألة الديموقراطية.
ونظن أن احد الأسباب الرئيسية لاعلان حروب الجوار المتعدد على لبنان هو أولاً وأخيراً، الديموقراطية. اذ أن صراعاً مموهاً هنا وسافراً هناك، كان وراء محاولة الحسم باتجاه تصفية ما تيسر من الديموقراطية المتاحة في لبنان، قبل الحرب، لكي يتم الانسجام بين نظام ديني في اسر اسرائيل بفيترينة مدنية، وبين انظمة عربية باطنها وظاهرها على سواء استبداديان.
في السنوات العشر الأخيرة، وبعد حروب تدمير للمؤسسات والأفراد والجماعات، على مختلف الأصعدة تساقط النظام أو ما تبقى من النظام في القبضة الأمنية، وصادرت المخابرات كل شيء: من القرار الاقتصادي الى القرار السياسي فالى القضاء، وسائر الادارات والأجهزة بما فيها الحكومات ومجلس النواب.
حُسمت اذن؟ إلى حد كبير، وإن في عواصف من الغبار، الشعاراتي، وامعاناً في تقسيم البلاد تقسيماً طائفياً، بحيث وضعت الطوائف في مواقع المواجهة، بلا حوار ولا تلاقٍ. فاللاديموقراطية تعني الافتراق بين مكونات المجتمع، ونفي المشتركات الاجتماعية والتاريخية وطبعاً الطائفية بينها.
فكل طائفة في كانتونها وحدة معزولة تعادي الأخرى، ضمن تكاوين عنف وإلغاء تتنامى بتنامي القمع، والمنع والردع والعسف.وعلى هذا الأساس انتفى مفهوم الشعب الذي يصنع الديموقراطية، لتحل محله "شعوب" متناحرة، وانتفى المجتمع بمكوناته وصيغه وتعددياته لتحل محله "مجتمعات" متناثرة، خائفة، تسعى إلى من يحولها محميات، او كانتونات مرتبطة بالخارج.
وبالتالي كان من العسير التفكير في ديموقراطية ما، تغيب عنها الارادة الشعبية، ويمنع عنها الاختيار، فلا كان ممكناً اجراء استفتاءات الـ 99.99 بالمئة، ولا كان ممكناً البحث عن صيغ تؤمن الحدود الدنيا من الممارسة الجماعية المباشرة. وعندها كان من الضروري (الممكن) البحث عن هوامش خاصة يتحرك على رقعها الصغيرة شيء من الحرية الاجتماعية (المجزوءة)، كخميرة صالحة تتنتظر الظروف الملائمة لتتسع وتكبر. ولا نبالغ اذا قلنا ان انتفاضة 14 آذار (كرد على 14شباط) طلعت من هذه الهوامش التي كانت تتراكم مفاعيلها على امتداد ثلاثة عقود، ومن هذه "الديموقراطيات" او الأحرى الممانعات الموزعة بلا توازن، بين الجماعات والأفراد، بصعوبة شديدة نظراً لتنامي النظام الأمني والمخابراتي واستفحاله ووقاحته وفساده.
وعندما "انفجر" الحدث الأكبر، منذ الاستقلال، أي 14 آذار، كأنما انفجرت هذه الهوامش ومكبوتاتها، في كل اتجاه، لتُحوّل مساحات عامرة للاختيارات الأساسية التي تلخصت في استرداد الاستقلال، وفي اسقاط النظام الأمني، وفي كشف حقيقة من اغتال الشهيد رفيق الحريري وهي حقيقة مرتبطة بالعاملين المذكورين، وليترجم كل ذلك بانتصار أهل الانتفاضة في الانتخابات النيابية وتسلم السلطة عبر الحكومة، أي لاسترجاع الديموقراطية المخطوفة والمحكومة او المصادرة. على أن هذا الانتصار الديموقراطي الكاسح، ومن ضمن الروحية التي دفعته، وكذلك من ضمن الفصول المهزومة ذات الامتدادات الخارجية، وَضع امام خيارات جديدة، هي الخيارات التي من الطبيعي أن تترتب من خلال الانتقالات المفترضة من نظام شعبوي ـ نخبوي (معسكر مؤمن) اي نظام شعبي بمواصفات خاصة قائم على قواعد طوائفية ذات مشروع وطني ـ اصلاحي، تحريري، وعلى وشائج مجتمع حي وجد تعبيره الأقوى في انتفاضته وتالياً في انضمامه او محاولة انضمامه إلى ادواته المدنية وشرائحه المضمرة والظاهرة. بمعنى آخر، استرجاع ديموقراطية هي مزيج هجين (بين تطلعات اصلاحية شاملة واعتبارات "تاريخية" تلتزم المكونات والعناصر والالزامات (الطائف)، لتضع نقاطاً محددة، وخطوطاً لازمة في تحركها وفي حرصها، وفي تؤدتها سعياً إلى الجمع بين نظام "مطلق" وبين ترميمات نسبية، على مستوى النظم والقوانين والمؤسسات.
ونظن انه وعبر هذه الالتزامات ـ التوازنات، حاولت بقايا النظام البائد اختراق هذه الصيغ الهجينة من ناحية، ووضع المرحلة الجديدة برمتها في حالات من عدم الاستقرار والخشية والترويع (الحصار البري ـ البحري)، استمرار الاغتيالات، وكذلك استمرار استخدام هذه الاغتيالات، كورقة ضغط، لمحاولة استرجاع المناخات القديمة، اقصد مناخات الحرب التي حسمها 14 آذار. أي العودة إلى نبش الماضي، لتدمير انجازات الحاضر. أو الأحرى محاولة استخدام اخطاء الماضي للسيطرة على الحاضر، ليتم عبر ذلك، تفكيك مفاعيل الانتفاضة، وتبذير انجازاتها، والتقهقر إلى مواضع التناحر والتقسيم والشرذمة، لإحياء مشاعر التيئيس، وتحريك مكامن الخوف وحالات الاهتزاز والتأرجح وعدم الثبات.
وهكذا قام صراع بين أهل الحروب والمآسي والقتل والاستبداد (وهم أهل الماضي الأسود) وبين أهل الانتفاضة. وكان من الطبيعي أن يلجأ أهل الحروب والنظام الأمني وامتداداته الخارجية العضوية إلى التهديد بفتح ملفات استنسابية تطال التحالف الجديد، كملف المهجرين، واثارة الغرائز الطائفية، وملف التعامل مع اسرائيل، واستثارة اشكالات تتعلق بالطائف، وبالتوازنات ولم يكن "أفضل" من "زغلول الرابية" (جنرال الهزائم) في فتح هذه الملفات مصوباً نيرانه الطائشة (كنيرانه في حربي التحرير والالغاء الخاسرتين)، في اتجاه تحالف الانتفاضة ونابشاً في قبور الماضي، مستثنياً نفسه، متقدماَ كمنقذ طهور متطهر عفيف متعفف وكأنه بمنأى عن هذه الملفات. أي انه نصّب نفسه حامياً للنظام الأمني المشترك (الذي هزمه ونفاه وراكم له الاتهامات وسمّك ملفه: من اغتصاب السلطة، إلى الفساد المالي، فالى الاتصال بالعدو، لنضيف ملفه العراقي، اذ يمكن أن نسأل العماد أين هي أموال النظام العراقي البائد التي تسلمها كمساعدة لمحاربة النظام السوري القائم. بل "يمكن أن يُسأل "عماد الأطهار" عن الأموال التي قدمها له الناس في حروبه الخاسرة وعن مصيرها ومآلها... فبرغم أن نوافذه من زجاج وبلا زجاج يلعلع صوته جعيراً في فتح ملفات استنسابية هدفها الأول والأخير تخريب السلم الاهلي، واصابة بعض الأطراف المنافسة له. واذا كان لا بد من تحديد بعض الأسئلة المتصلة بملف العمالة مع اسرائيل، فعلينا أن نسأله: ماذا كان يفعل العماد عندما كان يلقب نفسه "بصخر" وهو اللقب الذي كان يستخدمه أثناء انخراطه في بعض اطراف الحرب اليمينية، التي كانت متهمة آنئذ بالعمالة لاسرائيل. وماذا يقول لبعض حلفائه الجُدد الذين لم يكتفوا بزيارة هذا المسؤول الاسرائيلي أو ذاك وانما بالمجيء على الدبابات الشارونية إلى بيروت. بل ونسأله عن كثير من اتصالاته "المشبوهة" مع بعض القيادات الأميركية "المتصهينة". بل ونسأله أين كان هذا المناضل عندما راحت القوات الأميركية تقصف الجبل وعندما ارتكبت اسرائيل مجازر صبرا وشاتيلا: لم نسمع منه كلمة استنكار واحدة. بل ونسأله من يُعوّض المواطنين الذين اصابهم قصفه العشوائي (في الغربية والشرقية) ودمر منازلهم وقتل الكثير من ابنائهم وذويهم. أولا يجب ان يطالب هؤلاء العماد عون بتعويضات؟ او لا يجب ان يفتحوا ملف التدمير المنظم (العشوائي) الذي قام به عماد الخراب في حربي الالغاء والتحرير؟
ونحن اذ نورد هذه "المآثر" العونية (ومنها ايضاً هروبه من ساحة القتال وتركه جنوده وحدهم في المعارك، ساعياً إلى سلامته الشخصية الغالية وسلامة بعض ضباطه الميامين) فلنذكر زغلولنا الصادح ابداً من "رابيته" بأنه كان جزءاً ثقيلاً من الخراب الذي اصاب لبنان، قبل "الطائف" وبعده، وجزءاً من تلك الأمراض التي نريد أن نبرأ منها، ويبدو انه، وفي الوقت الذي برئ كثيرون ممن شاركوا في الحروب، ما زال ممروضاً بتلك اللعنة المشؤومة، فلعّل الخراب (كما يتمنى) سيوصله الى مبتغاه الأول والأخير: قصر بعبدا.
ويمكن أن نضيف اموراً ومؤامرات كثيرة تدبر في الخفاء على أيدي بعض المخابرات المشؤومة، لتدمير انجازات 14 آذار التوحيدية واختلاق اجواء القسمة بين المذاهب والطوائف وكان آخرها محاولة افتعال فتنة بين السنة والشيعة، ومن قبل بين الدروز والدروز، وبين الدروز والموارنة، ومن ثم بين المسلمين والمسيحيين، لتعود الأمور كما كانت عليه اثناء حروب الآخرين على لبنان، بسلاح التناحر الطائفي والمذهبي، ليسود بين كل هذه الأطراف منطق العنف والقوة والالغاء والموت والقتل لضرب الملامح الديموقراطية، والسيادية والتحرر التي بدأت تظهر وتجلت في الانتخابات النيابية وتأليف الحكومة.
فالمعركة الراهنة ما زالت هي معركة الأمس. بين معركة الوصايات وادواتها وعدتها المخابراتية والأمنية المعروفة، وبين معركة الديموقراطية والحرية والاستقلال. أي معركة بين الظواهر التي نتجت عن 14 آذار والظواهر التي انهزمت بعد 14 آذار. وفي المحصلة معركة شرسة بين النظام الشعبوي البائد ولغته الشعبوية، وبين النظام الشعبي الذي تكوّن برغم كل الصعوبات التي يواجهها، وهي معركة لن تنتهي. لأن معركة الحرية، وتعزيز المجتمع، والاستقلال لا تنتهي، ونظن، أن لبنان بعد الانتفاضة، سيلقى كثيراً من الممانعة، والاعتراض وحتى الحروب المتنوعة والحصار للحؤول دون تنمية هذه المكتسبات. بمعنى آخر، ولأن هذه المكتسبات المتصلة بالديموقراطية، والاختلاف تعيد هذا البلد إلى أن يكون في مرتبة الاستثناء، فإن التعرض لهذا الاستثناء قد يكون استراتيجية بعض الأنظمة الطائفية والتوتاليتارية، والاستبدادية.
اذ ان الغاء الاستثناء اللبناني كان في بعض وجوهه من أسباب الحروب الطويلة التي اعلنت عليه. فكأن الاستثناء "ممنوع" في وسط عربي وغير عربي غير استثنائي (إلاّ للطغم الحاكمة الفاسدة والمجرمة). وكأن الديموقراطية (كاستثناء) ممنوعة ايضاً في وسط دكتاتوري غاشم.
وكأن الارادة الشعبية (كمصدر للسلطة) ممنوعة في وسط تحوّل فيه الشعب إلى قطيع الـ 99.99 بالمئة، والخطاب السلطوي والسياسي الى خطاب شعبوي وفوقي واستعلائي.
وننتظر كما علمتنا الأحداث على امتداد ثلاثة عقود، محاولة انقلابية يقوم بها "المتضررون" (وجلهم من ابواق وابواب وعتبات واذيال النظام الأمني البائد ومشتقاته)، على الاستثناء اللبناني، لأن آمالاً كبرى (من الأنواع القومجية الرائجة، قومجية الأحزاب والأنظمة ودكنجية القضايا، وسماسرة الخراب)، تولتها جهات خارجية عديدة على سحق هذا اللبنان المختلف الذي انضم الى مختلفه، والى اللبنان المتعدد بعدما كسر الأحادية التي كادت تستتب توتاليتارية من النوع الرخيص، والى المجتمع نفسه الذي استعاد الكثير من تكاوينه المدنية الحية، والى مسيرة الاعمار التي تعزز هذه الظواهر المتنامية، وعندما نتحدث عن مسيرة الاعمار فلكي نذكر ان رؤوس الأجهزة الأمنية (الفارغة عادة) كان الإعمار (كاستثناء حضاري واقتصادي) من مستهدفاتها ومن محظوراتها (كلنا يتذكر كيف حوربت مشاريع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وباي شراسة وغدر أوقفت في مجلس الوزراء وخارجه). إذ ان إعمار الأمكنة ليس إلاّ حلقة من حلقات إعمار السياسة والفكر والثقافة. فالاعمار الذي تمّ على امتداد المرحلة السابقة ( وقيل انه تحقق "بالتسلل" والحيلة ازاء الارادات المحلية وغير المحلية الممانعة)، كان استنهاضاً متسعاً للطاقات البشرية والمادية ونوعاً من أنواع الحرص على المكان، برموزه وجمالياته.
ونظن أن السلطة الجديدة ليس لها إلاّ أن تكمل هذه المسيرة وسط تهديدات بتخريب الأمن (متفجرات، حصار. اغتيالات وارهاب)، ووسط تشكيك بقدرتها على الاستمرار.
انه "التشكيك" ( التيئيس، الاحباط) في قيامة لبنان الاعماري والسياسي والاقتصادي هاجس المتضررين من الاستثناء اللبناني. ويكفي أن نعلم ان موسم الاصطياف قد ضُرب (وليس على ايدي الاسرائيليين هذه المرة الذين كانوا يفتعلون الأزمات في مطلع كل موسم سياحي) وأن الموسم الزراعي قد لحقه الاذى (وايضاً ليس على ايدي بني صهيون... بل... ) ويكفي ان الصناعة قد أُعطب بعضها (بفضل الحصار غير العبري) لنعرف إلى أي مدى يراهن المراهنون على ضرب الاقتصاد والاعمار لضرب الأمن والاستقرار واستدعاء نداءات الهجرات المتجددة.
فلبنان، الذي تحرر واجترح معجرة التحرير عليه أن يدفع، افراداً وجماعات ثمن كل هذا. وهنا لا نستثني الاعلام الذي سيكون من ضمن اشكال الحصار المتعدد، بعدما كان ضحية النظام المخابراتي الذي استوعب عدداً لا بأس به من الزملاء (!) الصحافيين. اذ اي صحافي هذا يختار موقعاً ضد الحرية اي ضد نفسه. وهل يستحق أن يوضع في سجل الصحافة!). بمعنى آخر سيحاول المحاولون استعادة المبادرة بتعطيل انجازات 14 آذار والقضاء على النموذج اللبناني الاستثنائي ليعود لبنان صورة طبق الأصل عن هذه الانظمة العربية التي لم تقدم الى شعوبها سوى القتل والقمع والاستبداد والفساد والهزائم والخراب والفقر والذل والمهانة.
لكن لبنان، لن يعود الى الوراء. والهوامش الديموقراطية، برغم كل شيء، ستتسع، ونموذج الاستثناء سيكبر، وان ببطء، وان بصعوبة، وان وسط حروب معلنة عليه، الحروب التي جعلته على امتداد 30 عاماً ورقة، مجرد ورقة، في ايدي الوافدين والطامعين به.
ورقة صفراء في ايدٍ أكثر صفرة!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.