عندما تمت الانتخابات النيابية بنجاح قالوا انها الانتخابات النيابية الأولى التي تجري ولبنان من دون وصايات على الأقل مباشرة. وعندما كُلِّفَ السنيورة تكليف الحكومة ـ بالاجماع، قالوا انه أول تكليف يتم ولبنان من دون وصايات على الأقل مباشرة. وعندما بدأت عرقلة التأليف (الاغتيالات، الحصار البري والجوي الشقيق، وافتعال فلول النظام الأمني الأزمات) قالوا من الصعب أن تؤلف الحكومة من دون الوصايات السابقة. وعندما ألفت على الشكل الذي ألفت فيه قالوا انها حكومة تصاغ من دون وصايات، أو على الأقل، محاولة أن تصاغ من دون أيدٍ قاهرة، ومستبدة.
كل ما قيل (وسيقال) لا بد أنه صحيح وواقعي أيضاً. ذلك أن كل استحقاق قد أنجز أو قيد الانجاز، مصيره أن يعبر مناطق مرئية وغير مرئية وعرة، ومطبات مفاجئة وغير مفاجئة، وارباكات متعددة المصدر الواحد تقريباً. ذلك أن الخروج من الضفاف التي رسمتها الأجهزة، والعسكرة، والأمننة المركزية، هو خروج الى ضفاف أخرى رسمتها بملامحها الأولى انتفاضة الاستقلال. أي أن كل ما سيجري (ونتمنى ذلك) لن يكون، لكي يكتسب المواصفات الجديدة، والتغييرية، إلا من هدي روح الانتفاضة.
وإذا استعرضنا ما تحقق (قبل الحكومة) من تساقط عدد لا بأس به من رؤوس الأمننة (المعدنية المرنانة المطنانة)، واستمرار لجنة التحقيق الدولية في كشف حقيقة مَنْ قتل رفيق الحريري (وكان من ثمارها وقطوفها الأخيرة توجيه أصابع الاشتباه نحو مصطفى حمدان "ظل الرئيس"، وساعده، وسوى ذلك)، وإطلاق سمير جعجع من معتقله، نرى بوضوح، انه وبرغم قسوة الدرب وأشواكها، فإن العبور إلى ما بعد النظام الأمني شبه طبيعي، بل ويمكن القول ان إيقاع وتيرته شبه طبيعي أيضاً.
ذلك أن تجاوز المرحلة الأمنية لا تكون حقيقية إلا إذا استعادت الأكثرية الجديدة المعنى الأساسي لرسالة "لبنان" ومبرر وجوده، وتميز حضوره، وهي الديموقراطية المتكاملة التي تبدأ بحرية التعبير وتلتزم احترام حقوق الانسان مروراً بالمضامين الاقتصادية، والسياسية والثقافية، وبالعدالة وبتحرير القوانين والقضاء من الاملاءات السياسية وغير السياسية. وهذا يعني، في العمق، استرجاع العلاقة التفاعلية (أو الجدلية أو الحوارية) بين المجتمع وبين السلطة، بين الفرد وبين حريته، بين الجماعات واختياراتها، باعتبارها تعبيراً عن تعددية طائفية وفكرية وسياسية. أي تعددية متفتحة أريد لها أن تكون على مدى السنوات الثلاثين الأخيرة "أحادية"، كانتونية، مغلقة، وعدمية. فالنظام الأمني المشترك حاول، وبكل جبروته وأساليبه القمعية ومؤامراته، تحويل هذه التعددية إلى بؤر مستنفرة، ومتقابلة، ومتواجهة ومتحاربة على فوهة صراعات "دائمة" لينفي بذلك حتى "مفهوم" الشعب الواحد، وإحلال أن لبنان هو بلدان عديدة (جمهوريات مضمرة)، وشعوب عديدة أجبرتها المصادفات التاريخية على اللقاء في جغرافية مهتزة وزئبقية وحتى موقتة، وهي مرشحة في أي وقت لأن تتناحر وتنقسم، لا سيما في زمن تعطى أن يكون لها استقلالها أو سيادتها، وعندها تكون الكارثة. فالسيادة بالنسبة إلى النظام الأمني هي إعلان حرب. وإظهار عجز، وإعلان جغرافيا ديموغرافيتها وهمية أو على الأقل متحرّكة.
ونظن أن استرجاع مفهوم التعددية عبر الديموقراطية ينفي أولاً الوهم الأحادي. ويكسر ثانياً المشاريع التقسيمية، ويجافي ثالثاً احتمالات هيمنة حزبية أو طائفية أو ايديولوجية على شرائح ومناطق. بمعنى آخر تستعيد التعددية معناها الجمهوري، ومداها الدستوري، بحيث ينتقل لبنان من تشتتاته "الأهلية" إلى نسيجه الشعبي. وهذه المهمة صعبة لكن ليست مستحيلة. فالأمور المكرّسة خارج "الجمهورية" سواء كانت محلية بلدية أو غير بلدية، تسلّم "سلطتها" إلى الجمهورية، أي إلى السلطة التي، إلى اعترافها بهذه التعددية السياسية فإنها تضع حداً لتعدديتها الأمنية. والتعددية الأمنية، لم تكن يوماً، منفصلة عن السلطة التي اختزلت الناس والسياسة والحرية والقضايا بالأمن المركزي.
إن انتقال لبنان من سلطة غير سياسية إلى سلطة سياسية، ومن نظام وصاية (مرتبط بالسلطة غير السياسية) إلى نظام ذاتي، ومن مناخات شعبوية إلى مناخات شعبية (عبّرت عنها الانتفاضة والانتخابات)، يعني انتقال لبنان من ثقافة الاستتباع والاستبداد إلى ثقافة الديموقراطية في ظل النظام الطائفي الراهن. وهنا لا بد من الاشارة إلى أنه مطلوب العمل من ضمن ما هو متوفر وموجود للوصول إلى كثير من التغيير. وإذا كنا لا نستطيع بين ليلة وضحاها، اختراع شعب علماني أو عقلاني، فيمكن، في المقابل تحويل المعطيات الراهنة إلى ما يتجاوزها. تماماً كما تم عبر الانتفاضة عندما صاغت الطوائف نفسها مشروعها الاستقلالي الوطني.
على هذا الأساس لا يمكن اعتبار هذه السلطة الجديدة المنتخبة، سوى الحلقة الأولى في إعادة تأسيس نظام، هو إلى ارتباطه بكل الواقعيات التاريخية والدينية، ينحو إلى توفير احتمالات أن يُعبر المجتمع عن نفسه، محاولاً في ذلك طرح الأسئلة الكبيرة، سواء ضمن أطر حزبية ومؤسساتية محددة، أم من ضمن تكريس الفرد كقيمة قادرة على المراجعة والنقد خارج أي اعتساف جماعي أو أحادي أو سلطوي. وهنا، يمكن الكلام على احتمال البحث عن طاقات المجتمع، (بما هو مجموعة أفراد لا قطيع) وعن تطلعاته وعن انتقاله من واقع إلى واقع، ومن حالة إلى حالة، بطرق متشعبة وباجتراحات فكرية وسياسية واقتصادية وثقافية على تماس عضوي بالمكوّنات المختلفة، وبالتركيبات التاريخية.
إن مثل هذا الخروج (والانتقال خروج) إلى الفضاء الحي، لا يتم بطريقة آلية، أو حتى عضوية، باعتباره "مركباً" من عوامل وتناقضات تنتظر من يؤطرها، ومن يحوّلها إلى أنماط وبنى مفتوحة على الذات قدر انفتاحها على كل الظواهر الخارجية، بكثير من الوعي والدقة وحتى النسبية. إذ إن مثل هذا الخروج يعني أيضاً خروجاً من الحالات والأفكار المطلقة (الطائفية، المذهبية...) إلى المقاربات النسبية، حيث لا حقائق طغيانية، ولا اعتسافات فوقية، ولا حركة تاريخ واحدة. ولا قدر واحداً. ولا إرادة صاهرة بالقوة. ولا مشيئة استعلائية.
لقد عشنا العقود الثلاثة الماضية من دون أسئلة وحتى من دون مجتمع. ومن دون محاولة خروج، أو استنهاض للخروج، لأنه فُرض علينا مناخات خططت أن تبقى الأمور في دوائر مغلقة. وفي واقع مصنوع من وقائع تكرّس هذه المطلقات. كل طائفة واقع مستقل. وكل جغرافية موسومة بجماعتها. وكل تاريخ مشطور عن سياقه. وكل مستقبل محكوم بالثبات والتجمد، وكل تحوّل يراوح في رماله. وعليه، قسمت الجامعات تقسيماً مناطقياً ومذهبياً بحيث يصبح حتى التعلم والتربية والمعرفة أجزاء متناكرة، تعزز هذه الأخلاقيات المتقوقعة. وقسمت المناطق وطُيّفت الأمكنة، في جغرافيات "ملعونة" وديموغرافيات موصومة، ليحد هذا التقسيم من أي احتمال بالانفتاح أو حتى باللقاء، إلا من ضمن حسابات سياسية تتغيّر بتغيّر الأمور والأحوال، ليتحوّل لبنان إلى "ذوات" صغرى ودوائر لا توحي لا بما هو مشترك ولا بما هو متداخل. فلكل مجموعة "اثنيتها" وثقافتها وحضارتها. وعليها أن تحافظ عليها من "الاثنيات" الأخرى التي لها ثقافتها وحضارتها أيضاً. أي أن المجموعات بمحمولاتها الشتى وُضعت في حالات عدائية متبادلة. كل "حضارة" تهدد الأخرى. كل ثقافة تنفي الأخرى. وهكذا بات الكلام على كونفدراليات أو فدراليات طائفية ومذهبية، كلاماً عادياً "وواقعياً"، وكل كلام عن مجتمعية مشتركة، أو تاريخية مشتركة أو حتى مصير مشترك كلاماً وهمياً، بل كلاماً محظوراً، لأنه قد يهدد هيمنة كيميائيي الحروب، وصناع الهيمنات، ومصادري الشعوب. وهنا بات كل كلام على التعددية كلاماً على تثبيت هذه الكونفدراليات، وأشكال التشتت والبعثرة، كان هذا بيت قصيد كل الذين وفدوا إلى لبنان، إما ليحوّلوه ورقة سياسية في أيديهم، أم ليستقروا فيه باعتباره امتداداً لارثهم الجغرافي أو التاريخي. ولو عدنا إلى أجواء الاغتيالات والحروب التي تمت لاكتشفنا أنها كانت محاولات لردع كل خروج من فكرة الفدراليات، وكل تمرد على الأمر المفروض. أي ضرب كل محاولة توحيدية تسعى إلى استعادة العناصر المشتركة التي تجمع الشعب الواحد. هكذا اغتيل كمال جنبلاط، والمفتي حسن خالد، ورينيه معوض ومن ثم رفيق الحريري وصولاً إلى جورج حاوي وسمير قصير. فهؤلاء وسواهم تجرأوا على المحظور. أي على استرجاع الوشائج العميقة التي تجمع مكوّنات المجتمع.
وهنا بالذات يمكن تحديد الدور العظيم للانتفاضة، فهي كانت أولاً وأخيراً انتفاضة الجذور. أو ثورة الجذور. حيث كَسَرَ المجتمع كل التابوهات التي نفته وفُرضت عليه بالحروب والقمع والقتل والترهيب والعسكرة والهيمنة والتبعية وخرج من فدرلياته الموسومة، ومن مناطقياته المبتورة، ومن "إطلاقياته" المحسومة، إلى الواقع، واقعه، أي أنه حطم السدود التي كانت تحول دون تمازج ينابيعه وروافده وأنهاره. وانتفاضة الجذور تعني إعادة اكتشاف الأرضية المتسعة تاريخياً وثقافياً للمجتمع. تعني إعادة وعي حي بالواقع والوقائع. ويعني كذلك اختيار السبل لاستكمال الانفتاح، ومسح الغبار عن قسمات المجتمع كله. المجتمع المطمور. الموطوء. المدعوس. المجهول. المقموع. المسلوخ عن أعضائه وأجساده. ونظن أن هذا الخروج الجماهيري في الانتفاضة كان التجلي الأول (غير النخبوي) للاستقلال. إذ هو تجاوز لنضال عام 1943 الذي كان ذا سمة نخبوية. وهو أول خروج شبه إجماعي غير قائم على التسوية، بل منطلق لصنع تغيير ما. وهو أول خروج يلعب فيه الشباب دوراً سياسياً ووطنياً توحيدياً، بعدما وُرّط الشباب اللبناني في السنوات الثلاثين الأخيرة في حروب التقسيم والالغاء والقتل والمجازر والتعصب...
من هنا بالذات يبدأ الكلام على الحكومة الجديدة. فهي أول حكومة منبثقة من أول انتفاضة شعبية منذ الاستقلال وقبله. وهي أول حكومة تحمل إرثاً جماعياً توحيدياً مدعماً باليوم المشهود 14 آذار بامتداداته ومفاعيله. وهي أول حكومة (كما سبق أن قلنا) لا تتحكم بها الوصايات ولا تقوم على الالغاء وبفعل زخمها الشعبي العارم. وهي أول حكومة استقلالية تؤلف بعد حروب الآخرين، الأقربين والأبعدين. أي حكومة تحمل روح 14 آذار، ورمزية الانتفاضة، وحضور الشباب.
ولهذا، من الطبيعي أن تواجه هذه الحكومة معارضات الذين واجهوا الانتفاضة، وكانوا جزءاً من النظام الأمني، وجزءاً من النظام البوليسي، وجزءاً من الاستبدادية الطغيانية. ونظن أن هذه المعارضة "الجديدة" ستحاول فصل الحكومة عن الانتفاضة ومعانيها بإرباك الأولى وتشويه الثانية. كما ستحاول تخريب المنحى الاستقلالي للحكومة، ودفعها إلى الشعور بأنها عاجزة عن تسلم السلطة، وممارسة عملية الانتقال، وترسيخ السلم الأهلي، بمعنى آخر ستلجأ هذه المعارضة (وجلها من فلول النظام الأمني) إلى تخريب كل مسعى لإقامة الديموقراطية، بفرضها خطاباً شعبوياً، ابتزازياً، طالعاً من الذهنية المخابراتية، على أن يواكب هذا الخطاب الشعبوي، تشكيك بقدرة السلطة الجديدة على الامساك بالأمن، وبالبلاد، ناهيك بالوضع الاقتصادي... فإلى استثارة أو افتعال أزمات من مستويات عدة: تفجيرات اغتيالات، حصارات، شائعات، ضغوط، إرهاب... تهديد. وهذه كلها بدأت تباشيرها وتلاوينها بالظهور هنا وهناك. فمعارضة الداخل ليست أكثر من واجهة سياسية لنظام أمني خارجي. وعليه فهي لن تتحرّك إلا بهذه المناخات والتوجهات. إنها معارضة طالعة من أحضان الاستبداد المخابراتي المشؤوم، فكيف يمكن أن ننتظر منها أداءً ديموقراطياً، ودوراً تتنكبه المعارضة عادة، باعتبارها تعبيراً عن مواقف شرائح من الناس. ولو استعرضنا معظم الوجوه المرشحة للمعارضة كما عرفنا أول من أمس من خلال "الجبهة العريضة"، لوجدنا أنها، وعلى امتداد السنوات العشر الأخيرة، عملت "بعقول أمنية" (لا سياسية) مستعارة ومقولبة، وهذا يعني أن علينا أن ننتظر من هذه "القامات" "السامقة" بوطنيتها /و"عروبتها" المريضة، ما لقيناه منها، وممن وراءها في الماضي. وعلينا أن ننتظر تنسيقاً بينها وبين مَنْ تبقى من فلول النظام الأمني المشترك وامتداداتها في الشارع وفي الأوكار. ولن نستغرب إذا "ألهب" هؤلاء الشوارع (كما فعلوا سابقاً) بتظاهرات ملمومة وبإحراق دواليب وقطع طرق وتكسير سيارات ومحال وافتعال صدامات. هذا منتظر من معارضة لم تمارس يوماً، وهي في الحكم، أي نوع من الديموقراطية، فهذه الأقلية الفاشلة، والمفجوعة بنتائج الانتخابات وبحكومة "الوفاق الوطني" (وهي أي المعارضة ظاهرة الشقاق الوطني، والقسمة الوطنية، والتبعية العاملة) لن تتورع عن أي شيء مدفوعة بإملاءات مَنْ يحاصر لبنان، ومن يتحفنا بهداياه التفجيرية، ومن "يُخَرِّج" لنا الشهيد تلو الآخر، ومن سرق ونهب وطغى وتسلطن وظلم وعاث فساداً.
وعلى هذا الأساس فلن يكون لهذه المعارضة (ونتمنى أن يكون توقعنا في غير محله) أن تعارض. ولا أن تُنادِد. ولا أن تقارع. بل لها أن تخرب وتهدد الأمن والاقتصاد والناس والديموقراطية لا لتفشل هذه الحكومة فقط، بل لتفشل أي حكم وطني في الامساك بالسلطة، من دون وصاية أو استلحاق.
على أننا ننتظر، في المقابل، من هذه الحكومة ألا تنجر إلى مخططات هذه "المعارضة" المشؤومة، وأن تحسم في خياراتها التأسيسية الكبرى، تحت شعارها الكبير "حكومة للبنان ومن أجل لبنان" "حكومة للحقيقة ومن أجل الحقيقة"، "حكومة للديموقراطية ومن أجل الديموقراطية"، "حكومة للمجتمع المدني ومن أجل المجتمع المدني"، "حكومة للسلم الأهلي ومن أجل السلمي"، و"حكومة للتغيير ومن أجل التغيير"...
إنها اللحظة التأسيسية؟ نعم! وإن كانت ربما لحظة تمهيدية للتأسيس المقبل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.