8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إنتفاضيّو الوصل وعرّابو الفصل

عليك ان تفصل قطعاً بين الانتفاضة ومطالبها وشعاراتها وناسها ومناخاتها وبين ما بعد الانتفاضة، فهذه انتهت بانجازاتها المعروفة، وعلينا البدء بمرحلة جديدة، هي في الواقع، عودة الى السابق أي الى الزمن الذي سبق تلك الملحمة الشعبية الكبرى.
محاولات الفصل بدأت بتفكيك العناصر المكونة للانتفاضة، وذلك بصفقة بين "الموالين" آنئذ وبين "بطل التحرير والمغاوير والاساطير" العماد ميشال عون الذي كان اول المبادئين الى تهشيم ظاهرة الانتفاضة والغاء مفاعيلها ليصادر هو تحريرا، ثم ليمتد موقعاً إلى جانب الذين نفوه واعتقلوا انصاره وقمعوهم... اي الى جانب اهل النظام الأمني والمخابراتي.
ثم تكثفت المحاولات عبر خلط الأوراق في الانتخابات وكسر تحالفات اهل الانتفاضة، وتدمير مناخات الوحدة الوطنية، عبر شحن طائفي ومذهبي ومناطقي شاركت فيه بعض وسائل الاعلام المشهود لها تاريخياً بهذه المهمة.
وبعدما فشلت رهانات اهل النظام الامني المشترك عبر نتائج الانتخابات التي اكتسحت فيه الجبهات الانتفاضية المناطق وقطفت الاكثرية كان على الخاسرين او فلول الخاسرين ان يحاولوا الفصل بين الانتفاضة ونتائج الانتخابات وبين نتائج الانتخابات وبين تأليف الحكومة. اي تعطيل الاكثرية وجعلها اعدادا معطوبة ازاء توزيع الادوار على بعض الكتل بتصعيد المطالب، وتحديدها وتأبيدها. كأن يتمسك عون بوزارة العدل (ولماذا يقتصر اصلاحه وتغييره على وزارة العدل دون سواها)، ثم كأن يتمسك حزب الله وامل بوزارة الخارجية. (ولماذا يقتصر النضال ولا ننسى الصمود والتصدي على وزارة الخارجية دون سواها) واذا ما تحلحلت هنا او هناك فالاطراف ذاتها ستحاول افتعال ازمات لمنع الاكثرية من ممارسة حقها بالحكم، مستغلين طرح الاكثرية شعار اليد الممدودة، والوحدة الوطنية، وحكومة الاتحاد الوطني. اي اما اشراك الجميع في السلطة، او لا شي! وهنا نستأنس ببراءة الاطفال في عيني الرئيس لحود الذي تميز عهده هناك فوق في القصر (او تحت) بالالغائية وفتح الملفات الكيدية والقمع والتهديد والتزوير واغلاق المحطات التلفزيونية وقصف المباني الاعلامية. فهو (ومن وراءه بالطبع. وهو ليس اكثر من ورائه) من جهة "يستميت" من اجل "حكومة الجميع" وفي الوقت نفسه يتم تحريض بعضهم على التشدد بالمطالب؟ فهل المتشددون بالمطالب هم جبهة واحدة (امنية) سرية تبدأ مع عون ولا تنتهي عند هذه الجبهة المتصدية او الحركة المتعادية؟
فسياسة الفصل هذه بين الانجازات والمطالب والمناورات لا تهدف فقط الى تخريب الحياة السياسية التي بدأت تلاويحها بين تقهقر النظام الامني التابع، واستشعار الحاجة الى خارج الحدود كشروط من شروط هذه الحياة السياسية الطبيعية فقط، وانما ايضا الى وضع البلاد التي يفترض انها باتت ضمن حكم الاكثرية، في ازمة شاملة. في طريق مسدود. فلا الاقلية تعترف بأنها اقلية، فتعرقل باسم "اشراك الجميع او لا شيء"، ولا الاكثرية تريد بعد ارادتها المشاركة الوطنية في الحكم، ازاء الاستحقاقات الشتى الحاضرة والمقبلة، ان تنفرد فتتهم بالهيمنة او بالسيطرة من قبل الذين هيمنوا واستفردوا واستفرسوا على امتداد قرابة عقدين. وكل ذلك لا بد ان يطرح علامات استفهام حول الديموقراطية نفسها. حتى الديموقراطية التي تقول بحكم الاكثرية، لا يراد لها ان تكون ديموقراطية ولا التوافقية كطرح على هامش الديموقراطية اللبنانية، قابلة للتنفيذ في ظل جعلها اداة لطمس الحدود بين الاكثرية والاقلية، وتمويه الانتصارات التي حققت. ونظن ان وراء كل ذلك غبارا "انقلابيا" مضمرا (وأحيانا سافرا) للارتداد على كل السلطة المفترضة. وبين انقلابية مقنعة بشعارات "شعبوية" (وفاقية) وبين ارادة شعبية منتظرة، كأنما تريد الاقلية (بكل ما تعنيه الكلمة) ان تغتصب السلطة من جديد. فما نعيشه اليوم شهدناه طيلة خمسين عاما من النظام العربي الذي حكم معظمه عبر اقلية مستترة وقامعة اكثرية شعبية كانت تزور او تموه بانظمة "الطوارئ" المعلنة على الملأ وبمسرحيات الاستفتاء والمبايعة التي نعرف جيدا ان الطغم الحاكمة كانت تختلق نتائجها الـ 99.99 بنسبة الـ99.99 بالمئة، ونظن ان احدى المشاكل الراهنة انهم (اي فلول الخاسرين) لا يريدون ان يتحرر لبنان من موروثات النظام الامني العربي ومن نماذجه "الاحادية" التي اعطبت كل شيء في الامة العربية من فكرة العروبة والقومية واليسار واليمين الى الاقتصاد فالى الديموقراطية محققة الهزائم "المظفرة" التي لم تغب منذ نصف قرن (بحمده تعالى).
فالصراع، اليوم، وسحنته البادية، تأليف الحكومة، عاد لا يقتصر على المواجهة بين اهل النظام السالف والاكثرية الراهنة فقط، وانما ايضا صراع بين ان يكون لبنان ديموقراطيا (او يستعيد ملامح من ديموقراطيته) وبين ان يكون امتدادا للانظمة العربية. بين ان يكون حُراً بسيادته وبين ان يكون ثابتاً بوصاية معنوية (وفكرية) ومباشرة. فالسيادة، بالنسبة الى خطاب بعضهم، ليست سوى سراب، وخراب. وكأن الدعوة اليها وممارستها ستعودان بالوبال علينا. اذ لا سيادة بلا خراب. ولا ديموقراطية بلا اثمان باهظة، ولا حرية قرار بلا فوضى.
ولهذا فان ما نعيشه اليوم لا يعدو كونه استمراراً او شريطاً استرجاعياً لمجمل الحقبات السابقة، التي جعلت الساحة اللبنانية فيه حلبة محسومة النهاية والظفر لكل الظواهر الاستتباعية، ولكل الادوات الاستبدادية ولكل اشكال الهيمنة الخارجية، كشرط من شروط استتباب شيء من الامن، وشيء من الاستقرار، وشيء من الطمأنينة، بل كأن هذا الصراع الذي استنفر طيلة العقود الماضية، لم يكن ثمنه اقل من الموت والتدمير والتهديد وجعل البلاد امام هاوية مفتوحة من الحروب والقتل والطائفية. وهل يمكن فصل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن ثم التفجيرات الليلية في بعض المناطق، ومن ثم الاغتيالات الصباحية لبعض رموز 14 آذار (الشهيدين سمير قصير وجورج حاوي) ومن ثم اللائحة السوداء التي تتضمن اسماء المرشحين للشهادة، فالى تهديد بعضهم بحروب اهلية، سوى استبقاء الحالات الاستثنائية في مجتمع يتجه إلى وضعه الطبيعي، أي التمتع بحرية الاعتمالات والتناقضات والاختلافات في فضاء من الحرية والديموقراطية، اي استرجاع الحياة السياسية بكل ما فيها من اخذ ورد؟ فمشكلة النظام الامني الذي يستميت من اجل تفشيل كل مظهر من مظاهر الحياة السياسية، وكل تطور في سياق المجتمع المدني، وكل ايمان بطاقة هذا الشعب واختزاناته المبدعة، هي مشكلة عضوية. وصارت الاستثناء بعدما كانت القاعدة، فقبل 14 اذار كان عندنا نظام امني مخابراتي معسكر تتخلله ممارسات ديموقراطية مهددة بتسلطه وسطوته وبطشه. الآن، وهذا يحز في قلوب الامنيين والمستأمنين، من بلديين (عملاء) وغير بلديين (اوصياء) ان الحياة السياسية صارت القاعدة والنظام الامني (بفلوله) هو الاستثناء اي الهامش. وها هو بما تبقى له من انياب ونواجذ يحاول ان يقرض هذه التجربة، ويمزقها قبل ان تكتمل فتكون نهايته المحتمة.
أوليس هذا ما يفسّر محاولة ان يطغى الهامش (المرذول المنبوذ) على المتن في اللعبة السياسية الحالية التي تحررت من كثير من المحمولات والاثقال الامنية، او ليس ثمة محاولة لاستعادة ملامح الانقلابية العربية (التي خانت هذه الامة العظيمة وطعنتها في صميمها واتاحت للعدوالصهيوني بالغطرسة والتفوق والهيمنة على امتداد الخريطة العربية باستثناء جنوبنا البطل)، والطغيانية الاقلاوية (بالنسبة لنتائج الانتخابات) وتفكيك مكونات النسيج الاجتماعي والوطني، ليبدو البلد وكأنه مجرد خِرَق متناثرة لا يجمعها الا القمع والاستبداد والوصاية؟
اعداء
وترى من تخدم هذه المخططات المستمرة سوي اعداد لبنان وتحديدا العدو الاسرائيلي؟ ومن المستفيد من نشر الفوضى بكل مستوياتها سوى العدو الاسرائيلي؟ فهل يريد النظام الامني ببقاياه وارتباطاته وارتهاناته ان يكون خادم اسرائيل في لبنان، وان جاهر بمعاداته التوطين اومشاريع الاستسلام او التطبيع؟ فهل نحارب العدو ونحن نمهد له الارضية؟ وهل ندعي صمودا ونحن نخرب الصمود الوطني؟ وهل نحصّن اوضاعنا السياسية والاقتصادية بمحاولة ضرب الحياة السياسية والاقتصادية؟ وهل يؤدي التضييق المادي على لبنان الى ادامة التصدي للمشاريع "المشبوهة"؟
ان من يتابع الوقائع ابتداء من اغتيال الرئيس الشهيد الحريري وحتى اليوم يكتشف ان خيطا سريا (وبارزا احيانا كثيرة) يربط محاولات تعطيل هذا البلد. وكأن الاثمان التي على النظام الامني دفعها لا تسدد الا بتخريب الوطن، ونشر الفوضى، وتصويره وكأنه غير قابل للشفاء. وغير قابل للحكم، وغير قابل للسلم. ولا للازدهار، ولا للديموقراطية. الخيط السري ممسوك جيدا من جهات معروفة جيدا. ولن يفيدها غبار الشعارات ولا وحولها (الطاهرة)، ولا قذاراتها (النقية) من اخفاء تلك التصميمات الخبيثة والخطرة، بل كأن الجامع المشترك بين ارتباكات النظام الامني ورموزه (السفلية والعلوية) اظهار ان لا "وجود" للبنان، ولا وجود حتى للشعب اللبناني الا عبر وضع يوحي بأن العسكرة على النمط العربي هي التي تؤكد هذا الوجود. وان اعطاء صورة عن كيان مزعوم، وأرض مزعومة، وناس مزعومين وحتى تاريخ مزعوم، كفيل ان يثبت مختلف المقولات الامنية، أو اليس هذا هو الوضع العربي، أرضاً وشعباً وكياناً، منذ جاء انقلابيو العتمة، وصُنّاع الظلام، واغتصبوا السلطة هنا وهناك، ليبذلوا كل جهودهم الاستبدادية، ويثبتوا هذه الصورة "الابدية" الشعوب العربية شعوب مزعومة، والاراضي العربية افتراضية، والتاريخ العربي مسألة طبشور وحبر، والا كيف نفسر هذه الهزائم "المظفرة". وكيف نفسرخسارة الارض، والهجرات والاستفتاءات، والصمت، سوى ان كل شيء، في ظل هذه الانظمة "الحقيقية" وهم وسراب.. "كلمات كلمات كلمات".
وليس غريباً ان النظام العربي، عندما اقتحم لبنان (وقضى على العروبة اولا!)، منذ عقود اراد ان يحول لبنان ايضا بحسب النموذج الذي لفقه لبلدانه: لا شيء حقيقياً وباقياً سوى "النظام"... وكل شيء يهون من اجل بقاء النظام وأهله.. وعلى امتداد العقدين الماضيين صارت تؤلف الحكومات عندنا كما تؤلف حكومات النظام العربي. وتنتخب المجالس النيابية كما تنتخب المجالس النيابية العربية. (عبر المخابرات طبعاً والقتل والفرض والقمع والفساد)... وصار القضاء عندنا كما هو القضاء عند بتوع النظام العربي: قضاء افتراضي مزعوم محكوم بالاجهزة والعسكر والسلطة السياسية (التابعة بكل تأكيد).
اليوم، يتصرف الخاسرون والموالون والموالي وكأن شيئاً لم يكن. كأن النظام العربي ما زال نظاماً عربياً عندنا. وان الانتفاضة لم تحصل. وان الانتخابات النيابية تمت فبركتها وتم تزويرها بتعيين "الودائع" و"المساطر" والمساطيل، اليوم، وعبر وقائع محاولات تأليف الحكومة، يتصرف بعض المرتبطين بالاجهزة، بالطريقة ذاتها، وبالجبروت ذاته، "ليفرضوا" شروطهم اي شروط الاقلية على الاكثرية، لمحو كل أثر من آثار الانتصارات الشعبية اولا بتحويلها إلى شعارات "شعبوية"، ثم لمحو كل اثر لمعنى الأكثرية النيابية بتحويلها فعلياً الى "اقلية"، ثم لضرب أي لعبة ديموقراطية بتحويلها إلى مطالب طائفية.. أي تعطيل المجلس النيابي برمته، تمهيدا لتعطيل كل سلطة فعلية تريد انقاذ لبنان مما خلفته الانظمة المخابراتية على امتداد عقود...
انها محاولات العودة الى الوراء والورائيين، وتصفية كل أثر من آثار 14 آذار، والسؤال: اما كان يجب تجنب "التحالف" مع هؤلاء "الانفصاليين"، اقصد الذين يريدون ان يفصلوا أولاً لبنان عن تاريخه، ثم الانتفاضة عن الشعب، ثم الشعب عن وحدته، ثم الانتخابات عن نتائجها، ثم الاكثرية عن اكثريتها ثم الديموقراطية عن الناس.. ليوحدوا كل ذلك بنظام امني تافه محكوم بنهايته مهما فعل!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00