8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

14 آذار ومُقدِّمات التغيير

14 آذار، يوم تاريخي؟ نعم! وأكثر. هذا ما أراده الناس رداً على 14 شباط "التاريخي" أيضاً بشؤمه وسواده. لكن ماذا يعني ذلك اليوم المشهود، إذا لم يؤدِ، بسحره وحلمه، وتألقه المليوني، الى تغيير ما. تغيير الأسباب التي أدت الى وقوع 14 شباط. والذرائع والمناخات التي أفضت الى اغتيال رفيق الحريري. أتكمن هذه الأسباب والحيثيات في طبيعة النظام الطائفي؟ أتكمن في الوصاية المزدوجة؟ أم الى كل ذلك تكمن في إحلال النظام الأمني والمخابراتي والعسكري محل التمايزات الديموقراطية النسبية عندنا والتي لم تقوَ عليها الحروب والاحتلالات والوصايات وإن ضيقت من هوامشها؟
لن أفترض أن 14 آذار سرٌ. ولا أنه واضح في تأثيراته ودلالاته. ولا أنه حاسم في قطعه بين زمنين تاريخياً وفكرياً وسياسياً. ولا أنه مجرّد امتصاص أو استيعاب للتململات التغييرية التي بدأت تلوح هنا أو هناك على غير تبلور أو صوغ وعلى غير اتضاح. وهل يعني كل هذا أنه وبرغم 14 آذار وامتداداته، يمكن القول ان التغيير المبتغى، بنسبه القليلة أو الكثيرة، هو في مكان آخر؟
وان هذا اليوم، ومن خلال ما يحلم بعضهم، أشار، وبزمن دهري، إلى أن الخلاص (أو التغيير أو الاصلاح) لا يتجاوز ما هو موجود في نظامنا وفي مجموعاتنا البشرية، وفي تصوراتنا ذات اليمين وذات اليسار، هذا إذا تكرّست عودة لغة اليمين واليسار على حساب القواميس الطائفية والمذهبية السائدة.
الموجود
إذاً 14 آذار لم يتحرّك إلا بما هو موجود. والموجود حالياً هو الحالات الطائفية. أو الأحرى سلطة الطوائف وظلالها وسحرها على الناس. أي أن كل ما جرى لم تفعله سوى الطوائف التي تصدّرت هي تجسيد الشعارات التي رفعت في "ثورة الأرز":
1) كشف حقيقة مَنْ اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
2) خروج قوات الوصاية من لبنان.
3) إسقاط النظام الأمني برموزه وأدواته ورؤوسه (الفارغة طبعاً).
أهي انتفاضة الطوائف؟ وإذا كان الأمر كذلك فماذا يعني الكلام على التغيير، وماذا يعني أيضاً الكلام على خيبات أصابت شرائح من خلال ما تم في الانتخابات، وما طرح من شعارات، ومن تحالفات، ومن وسائل. وإذا كانت الانتفاضة هي مسألة طوائف، فيعني أن المعارك السياسية، والعناوين الاصلاحية، هي مسألة الطوائف أيضاً. وتحديداً مسألة توازنات طائفية، وإصلاحات طائفية، وتغييرات ضمن السقوف الطائفية التي يتوّجها اتفاق الطائف؟ فهل كانت الانتفاضة، بملايينها، تسعى إلى تغيير من ضمن الطوائف، وهل يمكن القول ان الطائف نفسه كان إعلان تغيير؟ وإذا كان الأمر كذلك فتغيير ماذا؟ ميثاق 1943 أو دستوره أو زمنه؟ ويعني ذلك أن التغيير تم بواسطة الطائفية من أجل طائفية أخرى، أي من أجل تدجين طائفية ما بتحصين نظام طائفي لا يستوي بآلياته إلا بمنطق المقايضة تحميه وترعاه دول عربية وغير عربية، إذاً العودة إلى الطائف، عبر التدعيم الجماهيري، هي عودة إلى نظام المقايضة. مقايضة مقاطعة بأخرى. ومبادلة دور بدور. من دون التفكير بأي احتمال لهذا النظام، يومئ إلى ما يتجاوز المقايضة الطائفية بفضاءات مختلفة من علمانية وعقلانية ووطنية. وهذا ما وجدناه قبل الانتخابات وبعدها. قبل تأليف الحكومة وبعدها، والذين رفعوا شعارات الاصلاح والتغيير، إنما رفعوها بخفر هنا وبوضوح هناك، وكأنها ارتباط بنظام المقايضة. أي مقايضة "تنويرية" مقابل الانخراط في لعبة المقايضة نفسها.
أهذا كل شيء؟ يتساءل كثر ممن حلموا. أهذا كل ما أنتجته الانتفاضة: ترسيخ الظواهر الطائفية، وتفعيل الطائف، وتعزيز سلطة الغيتوات غير المعلنة، وامتصاص احتمالات الخروج من هذه الدوائر المغلقة.
الأسئلة
هذه الأسئلة المشروعة ومستتبعاتها وارتداداتها النفسية والفكرية، إذا توقفت عند تلك الوقائع المذكورة، فتعني في النهاية أنها كانت مجرّد تغيير في الأدوار، أو في الأكثر مجرّد استعادة نظام التبادلية المحكومة لكي لا أقول "الحتمية"، وأن طبائع الصراع الطائفي لم تتحوّل. بل وأن اعتبار أن ما تم من إنجازات سيحول دون انجازات أخرى لا يسعف غير من يريد أن تتم الأمور إلا وفق ما تمت. وأن مسألة التغيير باتت أبعد مما نتصوّر وما نتمنى. وهنا، قد نبرر للخيبات أن تأخذ مداها. وللاحباطات أن تدرك ما شاءت من الأدراك. والمفاجأة أن تأخذ الشكل الذي يجب أن تأخذه.
لكننا وإذا تجاوزنا الحدود العينية، والمنظور المباشر، نقول: صحيح ان الانتفاضة تحددت بمطالب محدودة وقد أنجزت هذه المطالب، وعاد كل شيء إلى طبيعته، وعلينا القبول بالأمر الواقع. هذا كلام الخائفين مما تستنبطه الانتفاضة، وكذلك هذا كلام الذين يريدون أن تنحصر الأمور بنتائجها المباشرة، أو الذين يريدون أن يعيدوا الأمور إلى مرحلة ما قبل الانتفاضة، وقد لمسنا بوضوح الخطط المبرمجة التي سعت إلى إشاعة الاحباط والخيبات واليأس لا سيما في صفوف الأجيال الجديدة، والمتطلعين إلى أكثر من "دوائر الطبشور" الميثاقية المعهودة، وإلى أكثر من شعارات آنية، ولقاءات تنتمي إلى المصادفات العابرة. على أننا لو تمحصنا، وخارج انطباعات التفاؤل أو التشاؤم، في المدلولات الخلفية التي يمكن التعاطي معها، من ضمن الانجازات المباشرة، لأمكننا اكتشاف ما أنتجته الانتفاضة من إتاحة احتمالات تجاوزها أو مقاربتها مقاربة جديدة:
التحرر
1 ـ إن التحرر من الوصاية لا يعني فقط مجرّد خروج نظام ما من الحياة السياسية. ولا مجرّد استعادة القرار الوطني فقط. ولا استبدال وصاية بوصاية فقط. ولا الانتصار على رموز وصاية من قبل رموز وصاية أو وصايات أخرى. وإنما، وإلى ذلك كله، محاولة اكتشاف الطاقات التي يمكن أن يفجرها المجتمع، عند إزاحته، كل ما يعيقه عن التعبير عن اعتمالاته. إنه الانتقال من حالة سكونية مفروضة، إلى حالة حيوية من شروطها الأولى إرادة تفكيك الواقع، من دون إلزامات سلطوية أو اعتبارات جاهزة، توصلاً إلى التقاط "الحقائق" (المتحوّلة) الدفينة أو المطمورة تحت ركام العادات والتقاليد والأعراف والمعطيات "النهائية". وهذا يعني خروجاً حراً من "الذوات" المغلقة (قسراً) إلى الذوات الأخرى. أي خروجاً حراً إلى عمق ما يجمع أو يفرِّق، هذه المكوّنات (الذاتية) للمجتمع.
فالتحرر من الوصاية الخارجية لا بد أن يستدعي تحرراً من الوصايات الداخلية. ذلك لأن كل وصاية (وكل وصاية خارجية هي استبداد) تستمد قوتها من أشكال الوصايات المرسومة. والتحرر من كل ما هو غير داخلي يعني بالضرورة تحرراً من الداخلي، لكن من دون إغفال شروطه ومتطلباته.
والانتفاضة، وإن تحرّكت مما هو موجود، أي من العلائق الطائفية، لكنها في الوقت ذاته أشارت إلى أبعد من هذه العلائق. ولهذا قلنا مراراً أن انتفاضة "الطوائف" فاضت على الطوائف. وما أنتجته من مظاهر قوية للطائفية سيؤدي، وربما على المدى الطويل، وإلى نقيضه أو خلافه. وإذا كانت الوصاية، كل وصاية، تفرض قواعد معيّنة لبقائها واستفحالها وتمكنها، لا سيما الطائفية (عندنا)، فإن التحرر من الوصاية هو بداية التحرر من هذه القواعد. أي إيجاد الهوامش المتحرّكة ضمن متون ما هو قائم. فللطائفية هوامش غير طائفية. وكذلك للعلمانية هوامش غير علمانية. وهذا لا يكتشف إلا بالتوجه إلى "الحقائق" باعتبارها "حقائق" تنفي نفسها. أو حقائق قابلة لكسر قماقمها باستمرار. ذلك أن أنظمة الوصاية تقولب فضاءات الحقائق قولبة قسرية، وتحول دون مقاربتها مقاربة تأويلية أو نقدية أو تفكيكية. أو على الأقل تحاول منع كل إرادة تفكير فيها باعتبارها بنى مغلقة لا بد أن تستخدم استخدامات عملية تخدم وجودها السياسي. وهذا يتطلب أن تتعامل معها تعاملاً سياسياً مباشراً. مجرّد تعامل سياسي بتحويل كل تناقضاتها واعتمالاتها وإمكاناتها إلى مجرّد عناصر سياسية.
وهذا يعني الحؤول دون فصل المجتمع عن النظام، والكيان عن النظام، فيكون المجتمع على صورة النظام، والنظام على صورة السلطة. وهذا ما حدث في أزمنة الوصايات كلها: من العثمانيين إلى الفرنسيين فإلى سائر أهل الوصايات صغاراً وكباراً.
وأنت عندما تتحرر من الوصاية إنما تحاول أن تفصل العلاقة القسرية بين النظام والمجتمع، بين السلطة والنظام. وهنا بداية تفتح المجتمع على نفسه بما تتيحه الحرية وأدواتها وقنواتها وتعابيرها. وهنا بالذات يبدو التعامل مع الواقع تعاملاً يفضي إلى تغييره. أو الأحرى يبدو المجتمع الذي يكب على نفسه (عبر الخروج من تخومه المفروضة) وكأنه يبحث عن نفسه. وكأنه تالياً يبحث عن احتمالات تغيير نفسه ضمن وجهات متغايرة، أو متخالفة أو حتى متناقضة، متخطياً "الوجهة" الأحادية المقننة التي تريدها له أنظمة الوصاية المزدوجة الخارجية وظلالها الداخلية.
الحدود
2 ـ وإذا كانت الوصايات الخارجية تلغي الحدود بين المجتمع والنظام، وتبدد الحاجة إلى أي تغيير جذري، أو هيكلي سياسي أو غير سياسي، فلأن العقل الذي تريده أن يدير الأمور هو "عقل أمني" مشترك أو غير مشترك. هذا العقل الأمني يعمل، أول ما يعمل، على تعطيل المجتمع ومن ثم على قمع تفاعلاته وهواجسه ورغباته وتعابيره، ليختزل في مرجعية ليست منه، وليقنن كل ما من شأنه أن يحرّك آليات هذا المجتمع وأدواته وحتى مكوّناته، بحيث تبدو خريطته مسخاً أو مشوّهة، منصولة وممصوصة، ومسلوبة. وعندما نعرف أن الأنظمة الأمنية العربية وجلها استبدادي، تحل نفسها محل المجتمعات، نعرف إلى أي مدى كاد النظام الأمني يمحو المجتمع بجهود حثيثة بين سلطتي الوصاية وممثليها المحليين والبلديين. وعلى هذا الأساس يتم، وعبر تعطيل المجتمع، إلغاء احتمالات التغيير أو التبديل أو حتى البحث عن "هويات" سياسية وفكرية. حتى الطائفية القائمة في مجتمع معطوب، هي طائفية تدمر طوائفها؛ وحتى العلمانية (المفترضة) في مجتمع معطوب، هي علمانية تخدم سواها، تدمر نفسها، وتفقد صلاحية "عقلانيتها"، ومنطقها، وتصوّراتها وحتى ايديولوجية. ففي ظل نظام مؤمنن ومعسكر تصبح الأفكار "مؤمننة" ومعسكرة. والطائفية مؤمننة ومعسكرة. وحتى الثقافة لا تخرج على هذه القاعدة.
وهنا بالذات يأتي إنجاز الانتفاضة بإسقاط رموز النظام الأمني، وهنا يتعدى الأمر الأشخاص والمراتب والرتب، إلى بنية النظام نفسه، وإلى مكوّنات المجتمع نفسه. فعلى امتداد ثلاثة عقود عشنا أنظمة أمنية متفاوتة ومتضاربة ومتكاثرة. وكان ان ضربت كل مؤسسات المجتمع من أحزاب ونقابات وجمعيات وحركات، وبدا كل شيء، وإلى حد كبير أحادياً. وصار الكلام على التعددية هو كلام على تعدد الطوائف، وصار الكلام على صدام الحضارات عندنا كلاماً على صدام بين الطوائف، وصار عصب الصراع طائفياً بدلاً من أن يكون سياسياً وفكرياً. وهكذا تعطلت الحياة السياسية. وما يستتبع ذلك من تراجع الحريات التعبيرية من الصحافة إلى مجرّد الهمس الشفوي. إذ أن إرساء القواعد الطائفية واصطفاء هذه الطائفية أو تلك لتكون أداة تحريض، أو مرمى مستهدفاً، إبقاءً لحالات الاستنفار، وكذلك ضرب الفكرة السياسية القائمة على اليمين واليسار، والليبرالية، والديموقراطية، وتفتحات المجتمع بكل نقائضه، تعني تثبيتاً وتجميداً بل إلغاء للحياة السياسية. فهذه الأخيرة لم تكن قائمة، إذ أن الطبقة الأمنية المشتركة عزلت الناس عن إراداتها، وعن رغباتها، وعن قراءاتها، لتدير اللعبة إدارة فوقية تحرص فيها على استبقاء العنصر الطائفي (دون سواه) الضيف الدائم لتهشيم المكوّنات المدنية، وتهميش الكتل الاجتماعية، وقتل الفردية نفسها. ولهذا يبدو كل نظام أمني هو نظام توتاليتاري. أو الأحرى موظف عند نظام توتاليتاري. وكل نظام توتاليتاري (دينياً كان أم علمانياً) هو نظام استبدادي ودكتاتوري. وهذا ما أريد للبنان: أن يصبح نظاماً توتاليتارياً استبدادياً، بغطاء طائفي، أو مذهبي أو مناطقي أو حتى وطني، فتكون وسائل السلطة في أيد حديد، وفي أيدٍ تستمد جبروتها من القوة والقمع والالغاء والمصادرة. ولهذا فكل نظام أمني هو نظام إلغائي. وكل عقلية أمنية (موجهة) هي عقلية إلغائية. ولهذا تركزت المواجهة (مواجهة المجتمع المدني بأدواته المحدودة) على امتداد العقود الماضية على إبقاء هامش ما خارج خريطة السلطة الأمنية، وخارج هيمنة العقل الاستبدادي الحاكم بالأصالة أو بالوكالة.
النظام الفوقي
وعندما تتوج الانتفاضة بسقوط هذا النظام الفوقي والاستبدادي (وعلى أيدي القوى الطائفية بالذات) فيعني أن الطوائف حققت إنجازاً غير طائفي. فصحيح أن النظام الأمني المشترك كان يحرص على تحديد الخرائط الطائفية، وصحيح أن بعض الشرائح الطائفية قبلت أدواراً أمنية (وصاية واستغلال وفساد وهيمنة)، لكن الصحيح أيضاً أن التظاهرات المليونية، ومتونها من الطوائف، هي التي تمكنت من تسجيل انتصار على تلك الهيمنة. وهذا يعني أن الانتفاضة في مجملها تفيض على الطوائف، وتعيد الهوامش الحية التي يمكن من خلالها تأسيس أو إعادة تأسيس العناصر القادرة على تحويل المجتمع من حالاته الطائفية إلى حالات أخرى ما تزال غامضة حتى الآن. وهذا يستدعي أن يكون ما تم في 14 آذار ليس تغييراً (بكبسة زر) مباشراً، وإنما إرساء مقوّمات للتغيير، أو فلنقل توفير مناخات للتغيير، وللخروج من موقع إلى موقع، ومن انتماء إلى انتماء، ومن صراع طائفي إلى صراع فكري وسياسي. ولهذا بات من الظلم القول أن "التغيير في مكان آخر" وبدلاً من ذلك "التغيير في ظرف آخر". ومن المقوّمات التي وفرها سقوط النظام الأمني وفي رأسها الديموقراطية والحرية والسيادة والبحث عن أفكار أخرى، والتزامات أخرى. والمسألة هذه ليست سهلة. ولا سريعة. ولا قريبة. إنما مسألة تتطلب ورشة جماعية من أهل الثقافة والفكر والاختصاصيين والباحثين والعلماء والمهنيين والعمال والموظفين والجامعيين والشباب... ورشة جماعية بمقاربات مختلفة. قد تؤدي إلى قيام أحزاب جديدة بمفاهيم جديدة تتجاوز الأطر الحزبية السابقة القائمة على الفكرة الواحدة والنموذج الواحد واللجان المركزية والمكاتب السياسية... وإذا كان العمل السياسي ـ الحزبي متصلاً بالممارسة عبر البحث عن الأفكار داخل متون المجتمع لا فوقه ولا خارجه، أو بهذا التفاعل الحي بين الأفكار والمجتمع، فإن الجو الذي أمنته الانتفاضة وانتصار المعارضة في الانتخابات النيابية برغم كل ما شاب ذلك، هذا الجو سيشكل فضاء لحرية التفكير والممارسة والحركة وتأليف الأحزاب والجمعيات، من دون روادع أمنية تقمع كل ما يفرزه المجتمع من خارج المعلبات الطائفية. وهنا بالذات يمكن التأكيد أن 14 آذار وما تلاه هو الذي حرّك الحياة السياسية بقضها وقضيضها. بحلوها ومرّها. بمعنى آخر تحرّكت الحياة السياسية مجدداً بعد تجميد ثلاثة عقود بالعناصر السائدة، تماماً كما تحرّكت الانتفاضة. وإذا كان من المستحيل انتظار أن يصير الشعب اللبناني كله علمانياً لكي يصنع الانتفاضة، فمن الطبيعي أن تتم الانتخابات والتحالفات على أسس طائفية. فهذا هو الموجود. فلو كان الشعب اللبناني علمانياً وتعامل مع الانتخابات تعاملاً مذهبياً لأُصبنا بالخيبة. لكن الطغيان الشعبي الحالي طائفي ومن الطبيعي أن تتم الأمور وفق هذا الواقع. فلا أحد قادراً حالياً على اختراع شعب بكامله. لكن في المقابل لا يمكن أن ننسى أن هذا الشعب بما هو عليه أسس لمقومات ولهوامش من غير المناخات التي يتحرّك فيها. وهذا هو سر الانتفاضة. إذ أننا يجب أن ننظر إليها لا كحدث آني أو مناسبي وإنما كحدث مفتوح على المستقبل. ويجب ألا ننتظر مردودات آنية تتلاءم وأحلامنا وأمانينا، بقدر ما يجب علينا أن ننتظر المستقبل. أي مفاعيل الانتفاضة في سياق تحرر الأفكار وممارستها، والتفتيش عن آفاق جديدة، فالانتفاضة غداً وليس أمس. وهي أمامنا لا وراءَنا. وعلى هذا الأساس قد يؤدي نزوعنا إلى اليأس والاحباط إلى القوقعة والاستسلام، وترك الاندفاعات اللاعقلانية تعيد العقارب إلى الوراء. والكلام هنا ليس من باب التفاؤل أو التشاؤم، بقدر ما هو من باب الايمان الذي يتجاوز هذه الثنائية. فالعمل الذي ينتظره الديموقراطيون والوطنيون والأحرار والمدنيون أبعد من مجرّد أمل يدغدغهم بشكل طوبوي وأبعد من يأس يقعدهم بثقل واقعية آنية؛ نقول ذلك لأن ما ينتظر التغييريين يتخطى النظرة الآلية للتغيير، وكذلك النظرة المعقدة لعدم التغيير كما يتخطى التعامل الانفعالي والاندفاعي إلى تأمل عميق بالواقع والوقائع والظواهر كافة، بحثاً عن تماسات وانخراطات وقراءات عضوية تستلهم المعطيات باعتبارها مفردات قابلة للتغيير، وتستثمر الظواهر باعتبارها منطلقات لاستنباط الحلول والأفكار والأطر والقنوات الملائمة. والكلام الطوباوي الفوقي الذي حفلت به "الأيديولوجيات" على امتداد القرن الماضي، والتي كانت نوعاً من الاعتساف الميتافيزيقي على المجتمع، تهاوت كبنى مغلقة وكأنساق "أبدية"، تسخّر الواقع لخدمة الهياكل السلطوية، والاتجاهات الاستبدادية. نقول هذا ونحن نفرّق بين الأيديولوجيا والأفكار. بين الأطر السياسية وبين الواقع. وإذا تساقطت الأيديولوجيات فكثير من أفكارها قد بقيت. من هنا علينا التفريق بين الأنظمة وبين منطلقاتها الفكرية الحية والمشرّعة على التاريخ: هذه الورشة المعقدة والمركبة والشاقة التي تنتظر الناس، ما كان لها أن تقوم لولا الانتفاضة ومفاعيلها وإنجازاتها التاريخية.
نكرر هذا لنذكر الاحباطيين بأن يتجاوزوا الظواهر الراهنة (وهي طبيعية) إلى ما وفر 14 آذار من مُقدِّمات للتغيير، ومن مجالات للبحث عن "حقائق" أخرى، وأفكار أخرى... وأنظمة أخرى، أي المجالات التي تجعلنا، بحرية، وبديموقراطية، ننضم إلى المجتمع المدني لنكتشفه، وليكتشفنا. لنحاول صنعه وليصنعنا... وإزاء ما يقال بأن "التغيير في مكان آخر" نقول بأن التغيير إنما هو في هذا المكان المفتوح والحي والمقبل.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00