كأن جورج حاوي هو الذي صنع موته بيده. صنع شهادته بحياته. وكل شهيد يضع حياته بموته.
جورج حاوي كان يصنع كل يوم موته عندما خاض المحظور. عندما اختار الحرية والعروبة والمقاومة والعلمانية والانحياز الى القضية الفلسطينية، ذلك أنه بهذا كان قد دخل المحظور، واخترق المحرّم. وكل مَنْ يختار المقاومة سبيلاً لا بد من أن تكون حياته كفخارة في يديه، يحملها هنا ويرميها هناك.
ولعل "أبا أنيس" كان يعرف لا سيما في السنوات الأخيرة، ولأنه وامتداداً لخياراته السابقة وكذلك لتحولاته اللاحقة قد أدرك اقتناعات التواصل والحوار وردم الهوى بين شرائح المجتمع اللبناني، كان يعرف، وبحس مرهف ومُسيَّس ومجرب، أنه "يرتكب" المحظور. وأنه يقامر" بحياته. أبو أنيس كان يعرف أنه عندما حسم موقفه وانحاز الى الانتفاضة و14 آذار والى السيادة والحرية، وكان من رموزها المليئة والمعبّرة، كان يعرف أنه يضع نفسه على مرمى الشهادة. على مرمى الغدر. لأنه، ومن تجاربه الخصبة مع هذه الأنظمة المعسكرة الفارغة، كان يعرف كم هي غدارة ولئيمة ومجرمة.وكان أبو أنيس متيقناً، أنه، وبهذا الانحياز الحاسم، الرائع، للانتفاضة، والذي منحها نكهة أخرى، ولوناً آخر ينضاف الى ألوانها، ونبرة تغييرية معتقة، كان متيقناً أن هذا العهد المشؤوم البُومي بامتداداته واشتقاقاته وخلفياته و"باطنياته" و"طياته"، لا يجيد سوى الإلغاء. سوى "محو" الآخر. مسح كل صوت معترض. ولأن هذا العهد ربيب النظام العربي، فجورج كان على تأكد من أن الغدر من سماته. والوقاحة من ملامحه. والقتل من دعائمه. ذلك أن جورج حاوي، عندما كشف هذا العهد المعسكر المؤمنن التابع، وانحاز الى الناس، كان يصنع الحرية بيد، وشهادته بيد أخرى. فإزاء هذا العهد المجرم، ليس لك إلا أن تختار بين نظام أمني مستتبع وفاشي وبين مقاومة له، من شروطها الأولى أن تكون دائماً على مرمى غدرها.
فلبنان، قديمه وحديثه، لم يعرف عهداً أكثر شؤماً، وسوءاً، وفساداً، وتبعية، وقمعاً، وخبثاً من هذا العهد الذي، إن اختزلت انجازاته، فلن تعود بسوى الخراب، والانتهاك، والارهاب، والترويع! إذ، ماذا كان يمكن أن تنتظر من عهد بدأ بخطاب دموي "حجاجي" النبر، غُرابي الرؤية، استبدادي اللغة، عنوانه تعانق ومضمونه: تقطيع الأيدي، واغتصاب الدولة، وتشويه القانون، وتسفيه القضاء.
هذا العهد، تتذكر إنجازاته وتخاف، تسترجع مناخاته فتروّعك سحنه المعدنية، وتعيدك انتهاكاته الى أزمنة الدكتاتوريات المتخلفة، وتستبقيك أعماله في إدراكِ ما وصل إليه النظام العربي (البائد) والمتجسّد بصلافة هنا وهناك.
ويبدو أن هذا العهد المستعهد، لا ينتشي إلا بنكهات الانتقام، ولا تقوم قيامته إلا على إلغاء مَنْ ينتصب في وجهه، ولا تستمرئه إلا الأماني السفلية، الخارقة بحدادها وسوادها وخرابها.
...وربما كان من انتشاءاته الأخيرة، ما خلفته فيه، وعلى امتداد، أيامه التمديدية، من ضحايا وشهود وشهداء، أولها اغتيال الحريري، وقبلها (وإن بنشوة ناقصة) محاولة اغتيال مروان حمادة، لتعود هذه الانتشاءات الى ذراها باستشهاد سمير قصير وجورج حاوي... لتبقى شهيته مفتوحة على سمير آخر وجورج آخر، وكذلك على رفيق آخر.
زمن القتلة
إنه زمن القتلة بامتياز! زمنه بامتياز. يعيشه كما يعيش المتصوّف صوفيته بذوبان وحلولية؛ وكما تمتزج فخاماته بما تفخّمه مواكب الراحلين ـ المُرَحَّلين، وكما يستثير حضوره ـ الغيبوبي ما يلمع من الدم في المحجر، والجبين، واليدين.
...إنه جورج حاوي شهيد آخر في زمن القتلة. في زمنه. وها هو يتناثر في فضاء هذا الوطن، لأنه، استجمع تواريخه كلها وسكبها في الانتفاضة. في 14 آذار. هذا الذي ناضل في كل الاتجاهات، وخاض الحروب، والمعارك، وتجارب الأفكار والايديولوجيات، يصفيها كلها، بدقائقها، ومحمولاتها، في لحظة تاريخية فاصلة في ساحة الشهداء. إذ أن الشهيد جورج حاوي، المتعدد على تماسك، المتفتح على تواصل، عرف، أن بداية كل نضال، ومسيرة كل نضال، ووجهة كل نضال، لا يمكن إلا أن توافي قدرها (المختار): الحرية بما تعني من سيادة، ومن استقلال، وما تستتبعه من تغيير. فالنظام الأخير لكل الأفكار، ولكل الاختبارات، هو النظام الديموقراطي، المستقل، الحر، السيد. هذا هو المآل الأخير، أو الأحرى المآل الذي يفضي الى تلك المآلات المفتوحة. أولم يكن الشهيد سمير قصير على هذا المنوال؟ وكذلك الشهيد رفيق الحريري، وإن من مبتدآت مختلفة، وإن من مُغترفات أخرى.
إنه لقاء الروافد. لقاء 14 آذار. لقاء المتناقضات هنا، والمؤتلفات هناك في قمة واحدة: الانتفاضة. من هذه النقطة بالذات، كان على الانتفاضيين والأحرار أن يعلنوا انتصارهم، بقدر ما كانوا يتهيأون لدفع الأثمان. فللنصر ثمن. وللحرية ثمن. وللسيادة ثمن. ولمواجهة الاستبداد والنظام البوليسي والمخابراتي ثمن، أقله التخويف والتيئيس وأفدحه القتل، وأعظمه محاولة محو العلامات والدلالات والرموز. وهذا ما يقولونه في سرائرهم المنتنة: "لن نترك فرحتكم تكتمل لا بانتهاء الوصاية، ولا بتساقط الرموز الأمنية، ولا بالانتصارات التي حققت في الانتخابات. ولن نترككم تحلمون لا بالسلم الأهلي، ولا بالحرية، ولا بالأمان، ولا بالازدهار. فلتكونوا دائماً على مرمى ارهابنا الرسمي وغير الرسمي، المعلن والخفي؛ ولتكونوا دائماً على شفير هاوية ما: الموت، أو الترهيب، أو التفجير، أو التهديد! عيشوا أفراحكم التحريرية بخوف وربما بندامة. فلتوزع اللوائح السود بأسمائكم المرشحة للقتل والتصفية، لكي نحوّل راحتكم جحيماً، وأحلامكم كوابيس، ومشاعركم المتفجرة أشلاء تتناثر قدامكم، ووراءكم. فلنحوّل أرضكم المحررة الى لحود، وقبور، وساحاتكم الى شموع ودموع وتفجع، ونحن من قصورنا، ودورنا وغرفنا المعتمة، كنيرون وهتلر، نستشعر القوة والخلود والراحة. قتلنا رفيق الحريري لكي نقول لكم، وبلا خجل وبلا استحياء، اننا قتلنا رفيق الحريري. ثم قتلنا سمير قصير لنذكركم بأننا قتلنا رفيق الحريري وحاولنا قتل مروان حمادة، ثم قتلنا جورج حاوي لنقول لكم اننا سنقتلكم واحداً واحداً، صوتاً صوتاً، وجهاً وجهاً، عن بكرة أبيكم وأمهاتكم وأخواتكم... وسنصطفي طلائعكم، وخيرة كتابكم، وزعمائكم، وصحافييكم، ومفكريكم، وكل مَنْ تجرأ علينا، أو رفع علماً في ساحة الشهداء، وكل مَنْ كتب حرفاً في الحرية، وجملة في الاستقلال، ومقالة في الديموقراطية، ونقداً لنا، ولأجهزتنا، ورموزنا، وكل مَنْ صرخ بكشف الحقيقة، ومَنْ هتف بالتحرير، ومَنْ صاح بالتغيير".
الوتائر
هذه الوتائر المتصلة والكبائر المغلظة تُحرّك هذا النظام منذ طلوعه الكالح. وهذه الوتائر وإن حالياً على شيء من الارتخاء، تدفعه بعد هزيمته، ومن شفير نهاياته، ومن أرماقه المتقطعة، ما زال يستخدم ما تبقى من أسلحته: القتل. وكان على هذا النظام الأمني المشترك، ولكي يعوّض عن خسارته، أن يستجير برمضائه، فاستجلب على عجل عماداً أعمته شهوته للسلطة، فأغدق ما أغدق عليه من وعود دغدغت "شمائله"، لينضم إليه، ويكون رافعة من رافعاته وشاهد زور من شهود زوره.
وهكذا كان: تحوّل العماد عون "بطل 1559" و"بطل التحرير" (!!) والمهلوس بأمجاده الوهمية، ونرجسياته المنتفخة وأناه المتورمة، وزجلياته اللفظية، الى بوق لنظام العهد الأمني، مفترقاً عن الذين كان يجدر به، لو كان على ما يدّعيه، أن يكون معهم، لاستكمال معركة التحرير والسيادة وكشف الحقيقة والتغيير. شاهد الزور هذا، أقصد "زغلول الرابية" وسائر الروابي، و"جنرال الهزائم" (كل الحروب العسكرية التي خاضها خسرها وهرب من ساحة القتال، تاركاً جنوده يواجهون وحدهم مصيرهم)، يلعب، وإن بفكاهية مبتذلة، وميلودرامية "هندية"، الأدوار التي أوكلت إليه:
1) محاولة تغطية كل الجرائم والتصفيات التي يرتكبها النظام الأمني، تحريضاً على الاستمرار في هذا المخطط الدموي.
2) محاولة تشويه معاني 14 آذار وتلطيخها وتبديد إنجازاتها التاريخية.
3) محاولة ضرب كل القامات السياسية والثقافية والشعبية التي صنعت الانتفاضة، برشقها بالاتهامات، أو بتوجيه البروباغندا الطائفية والمذهبية إليها.
4) إعادة الأمور الى ما قبل اغتيال الرئيس الحريري، أي قبل الانتفاضة أي الخطوط التي يحتلها نظام الاستبداد والتبعية والقمع والفساد والسرقة.
5) محاولة حرف الأنظار عن الانتصارات الانتخابية التي حققتها المعارضة، واستعارة لغة المخابرات في التعاطي معها، وكذلك استعارة نبرة عضوم وحلفائه للنيل من المنتصرين (ملفه المالي والأمني كان من ضمنها).
6) تجييش الشارع الطائفي (المسيحي) خدمة للتطرّف والانعزالية المتجددة، التي تُصاهِر في فاشيتها الناشئة فاشية النظام الأمني "الراسخة": وهكذا تلتقي الفاشيتان تحت شعارات "أخلاقية" وطهرانية وطوباوية مزيفة.
7) استخدام اللغة الديماغوجية والشعبوية البائدة (هي لغة الفاشيين تاريخياً) لذر الرماد في العيون، وتحويل الأنظار عن المشاكل الحقيقية التي يعيشها لبنان.
8) إيجاد حالة تقسيمية عمودية في المجتمع لا سيما في ما تجلى في الانتفاضة، لخدمة مخلفات الفتنة وضرب السلم الأهلي الذي قد يتسلل منها جنرال الخراب، الى السلطة (شغفه الأول والأخير)، والذي، عبره، يقضي على أحلام التغيير والديموقراطية.
9) طرح نفسه، في العمق، كبديل موضوعي من السلطة الأمنية ورموزها وأطماعها، بحيث يمكن القول انه بات يلعب الدور الذي لعبه وما زال رؤوس الأجهزة الأمنية، ورموز التبعية، من منطلقات "طهرانية" كذوب، ومضللة. وهذا ما يجعله ينبري للدفاع عن زميله "جنرال" بعبدا (كان يصفه في السابق ومن منفاه الباريسي الفخم والمخملي بعميل سوري)، أو لإبعاد أصابع الاتهام عن مرتكبي الجرائم، ليتهم مداورة أو مباشرة الضحايا أنفسهم، أو المرشحين "للتضحية".
البائد
إذاً وجد هذا النظام البائد مَنْ يحاول تسنيده، وإن بيأس، وعبثية، لكن لا جنرال الهزائم "زغلول الرابية" ولا بقايا العسس والعيون، ولا حشرجات التبعية القاتلة، يمكن لها أن تنقذ "جَلاّب المصائب"، من القدر المحتوم: دفع ثمن كل ما ارتكب في عهده من جرائم ومن انتهاكات ومن فساد وإفساد وقمع وتخوين وترويع.
وتأتي جريمة قتل جورج حاوي، وكأنها اللحظة القصوى لاستعادة أسلحة الانتفاضة السلمية، والعودة الى الشارع في موازاة الامساك بالسلطة والقضاء على النظام الأمني وما تبقى منه. إنها لحظة المواجهة الفاصلة بين زمنين. الزمن القديم وبومه الناعق رأس هذا النظام المخابراتي الهمجي، والزمن الجديد وغرته الشهداء: رفيق الحريري باسل فليحان، سمير قصير وجورج حاوي. الزمن القديم، زمن الاجرام المنظم، والارهاب المبرمج، وأجندات الموت، والزمن الجديد بشائر شباب الانتفاضة، وناس ساحة شهداء، وأعلام الحرية، وبين هذين الزمنين كأنما أعمق من هاوية تتسع يوماً بعد يوم، كلما حاول "موتى" النظام قتل "أحياء" "الانتفاضة". وكلما سجل الاحتجاجيون الانتصار بعد الانتصار. نعق المنهزمون دماً وتفجيراً وقتلاً.
رحل جورج حاوي حاملاً في عينيه شمعة من الشموع التي أضيئت على الضرائح، ووردة من تلك الورود التي شَهَرَها ناس الانتفاضة وشبابها، وعلماً من تلك الأعلام التي رفعها الملايين، العلم الذي عرف أخيراً طريقه الى الهواء.
رحل جورج حاوي مغمضاً عينيه على تاريخ طويل من النضال، فاتحاً يديه على تاريخ طويل من النضال أيضاً، النضال المقبل في أصوات الانتفاضيين والأحرار وعشاق الديموقراطية والوطن المستقبل الحر.
رحل جوج حاوي، وكأن وراءه كثيراً يشبهونه في كلامه، وفي سيرته، وفي حلمه، وفي مقاومته، وفي نضاله. كثراً يشبهونه كثيراً كثيراً لأنهم ينتظرون هنا أن يلتحقوا به في شهادته، وهناك ينتظرون أن يكتمل الضوء في أرضهم. أرضهم كلها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.