8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

غداً ينتخب الشمال 14 آذار

.. وغداً الحلقة الأخيرة من الانتخابات، في الشمال، لتكتمل فيها المعركة المستمرة بين وجهتين: الأولى يمثلها تحالف فلول النظام الأمني والعماد ميشال عون الذي انضم إليه، بكل "صدقية" و"وطنية"، ونزاهة، ليسجل في ذلك خيانة مثلثة لذاته وتاريخه أولاً، ولقواعده ثانياً، ولـ14 آذار ثالثاً. أما الوجهة الثانية فتتمثل في الذين جسدوا، وصنعوا، انتفاضة الاستقلال، وحققوا إنجازات تاريخية: خروج قوات الوصاية، تساقط رؤوس النظام المخابراتي، ولجنة التحقيق لكشف حقيقة من اغتال الشهيد رفيق الحريري. والإنجازات، أو خلفية الإنجازات هذه قامت على تحقيق وحدة وطنية لم يعرفها لبنان منذ ثلاثة عقود.
ونظن أن الحلقة الرابعة غداً، لا تخرج على هاتين الوجهتين: ففلول النظام الأمني مع واجهتهم الجديدة "زغلول الرابية" (وكان أيضاً زغلول بعبدا حيث خاض حربين مدمرتين وخاسرتين. فمجده تدمير وهزيمة) يسعون عبر كل الوسائل التي يستخدمونها إلى جملة أمور:
1 ـ محو آثار 14 آذار بما يمثله ويعبر عنه، 2 ـ تفكيك وشائج الوحدة الوطنية التي انعقدت في الانتفاضة بإثارة الفتن الطائفية، واستحضار لغة الحرب، والتقسيم. فهي وجهة تقسيمية، أو بالاحرى وجهة تقسيمية تعيد رسم مناخات الغيتوات والانفصالات التاريخية والوطنية والجغرافية والدينية والعشيرية. 3 ـ تحقيق مكاسب انتخابية تُستغل لمحاولة طمس حقيقة من اغتال الحريري، أي إبعاد كأس استدعاء بعض الرموز المحلية وغير المحلية للتحقيق، ونظن أن هذه نقطة مركزية في أهداف تلك الفلول. 4 ـ محاولة استنقاذ بعض المسؤولين عن الفساد والقمع والإرهاب والسرقة والنهب. وكلّنا يتذكر الصناديق السود التي كان يعتمدها بعض أهل نظامنا الأمنيين ومن يستأمن في ظلهم: كصندوق الكازينو، والمرفأ، وسباق الخيل، والمطار، والمشاريع، والخلوي، والكهرباء، والخوة، والبنوك لا سيما بنك المدينة. 5 ـ استعادة المبادرة لاسترجاع مناخات الفرقة بين اللبنانيين وتصويرهم مجموعات من الطوائف والقبائل والمتوحشين ومحترفي تحارب لا يستقيم معهم استقلال أو سيادة لأنهم غير أهل لهما، وعليه، ينبغي الاستنجاد بالوصاية لفرض التعايش أو حتى المواطنة أو السلم الأهلي، 6 ـ القضاء نهائياً على التفكير في نظام ديموقراطي يتأسس على التفاعل الخلاّق بين المكوّنات المتعددة في البلاد، ليتسنى ضرب احتمالات تعزز المجتمع المدني بأدواته الشتى، وفرض نوع من العسكرة لتصيب مجمل تفاصيل الحياة بحيث يتم استسلام الناس لكل إرادة فوقية محلية وخارجية، واستعادة جعل لبنان مجرد ورقة، ورقة تفاوضية، أو ورقة ضغط، أو ورقة تلاعب، في ظل انعدام أي حركة احتجاجية أو استقلالية.
مضامين 14 آذار
هذه الأهداف التي تضعها فلول النظام الأمني المشترك تحرك غداً (وحرّكت في الدورات الثلاث الماضية) انتخابات الشمال، لتقابلها، وبقوة وبإصرار وشفافية مضامين 14 آذار وشعاراته وامتداداته واشتقاقاته.
بمعنى آخر تبدو عملية الغد نوعاً من الحسم بين الوجهتين: فإما أكثرية تقضي على روح الانتفاضة وتستعيد كوابيس نظام الوصاية، وإما أكثرية وطنية ترسخ القيم الوطنية، من وحدة وحرية واستقلال وديموقراطية، أي استرجاع "اللبنان" الحلم، المشرق، الحي، المتمرد على كل إرادة فوقية وخارجية، وكل استبداد، ودكتاتورية وأمننة.
ويكتسب يوم الغد بعداً آخر مميزاً، لكون معركة الفصل هذه تتخذ من الشمال ساحة لها. وغني عن القول ما يعني الشمال بمدنه ودساكره وجروده وساحله بالنسبة إلى اللبنانيين، فالشمال، ككل، هو المكان الأخصب للتنوع الطائفي والديني والسياسي والأيديولوجي والحزبي. وهذا التنوع الغني هو الذي سيكسبه مناعة كبرى ضد أشكال الموجات الهستيرية واللاعقلانية الطائفية التي افتعلت في كسروان وجبيل والمتن الشمالي. هذه الموجات البشرية غير المبررة التي جرفت الوجهات الوطنية والميثاقية المعتدلة كنسيب لحود وغبريال المر وفارس سعيد وكميل زيادة وكارلوس إده...
ونظن أن النتائج الكارثية التي تحسب على الذين استسلموا لأكاذيب "زغلول الرابية" (مرشح الرئاسة بحمده تعالى! وهنا بيت قصيده: القصر أو القبر، الرئاسة أو خراب البصرة)، وأضاليله، واستغلاله كل ما يدمر نسيج الوحدة الوطنية، لينتصر على هذه الوحدة، ويشيع مناخاً من التخريب الاجتماعي والميثاقي، نظن أن النتائج الكارثية هذه لن تدرك الشمال المحصن بوعي أهليه وفئاته، فدروس الكارثة المتنية والكسروانية والجبلية، تعلمها الشماليون جيداً أو أخذوا منها "العِبَر والإبر"، ولن يقعوا في تلك الفخاخ التي نصبت لسواهم.
قلعة حصينة
فالشماليون من طرابلس إلى زغرتا إلى البترون والكورة والمنية والضنية وبشري، لا بد من أن يعلنوا غدا انهم ما زالوا قلعة حصينة في وجه التيارات المريضة، يقاومون كل محاولة لتمزيق وحدتهم، وتشويه عروبتهم، وتزوير لبنانيتهم، ومصادرة حرياتهم، وسرقة ديموقراطيتهم، والهيمنة على وطنهم. الشمال غداً هو الشمال كما عرفناه دائماً وعلى امتداد تاريخ هذا البلد الحي، الواعي، المثقف، المتسامح، الحرّ، الأبيّ، المتنوّع، المتمسك بالقيم الوطنية لا بشعاراتها البرانية، الحريص على اختياراته الكبرى، هذا ما نتوقعه غداً من لبنان الشمالي:
أن يتولى شرف الحسم في المسألة الوطنية الكبرى، في المسألة الأهم منذ الاستقلال، أن يتولى شرف الفصل بين 14 آذار و 14 شباط. أن يقول الكلمة الأخيرة التي تعلن انتصار لبنان الكبير على "اللبنانات" الطائفية الكانتونية، وعلى "اللبنان" المصادر، والمستوعب، والمسجون.
ولا نظن أن الشماليين سيخذلون أنفسهم، أو يخذلون الحلم الذي شع في الانتفاضة.
ولمع في عيون الناس، ولا نظن أن الشماليين سيقعون فريسة الشائعات، والأساليب البوليسية، والدس، واستثارة المذهبية والطائفية. لانهم يعرفون جيداً أن هذه الوسائل من قاموس أهل النظام الأمني المشترك، الذين لم يكتفوا بتشويه صورة لبنان واللبنانيين في الداخل والخارج، بل عطلوا الحياة السياسية وحق الناس في اتخاذ خياراتهم، فإذا كان فلول النظام المخابراتي يستمرون في محاولة تعطيل الحياة السياسية التي استعادت كثيراً من حيويتها، بعد أفولهم، فإن أهل الشمال، غداً، سيكرسون بأصواتهم، وبحرية قرارهم، هذه الحياة السياسية التي أُعدمت على مدى ثلاثة عقود، وباتت في قبضة الطبقة الأمنية، والتي لا حياة للبنان من دونها. ولهذا يعرف الشماليون جيداً، ومن خلال تجاربهم المريرة بالأنظمة المخابراتية، أن لبنانهم لا يستوي إذا صار على صورة النظام العربي، وعلى صورة البنى المعسكرة، والهياكل السلطوية المعدنية. وأهل الشمال يعرفون جيداً أن الطائفية صناعة، يبتكرها كل من يريد الهيمنة. ويعرفون أكثر من غيرهم أن السياسة الاستعمارية منذ الخلافة العثمانية وحتى اليوم، ومروراً بالانتدابات الفرنسية وسواها، استخدمت الطائفية وزبانيتها، لتحدث شروخا مزمنة في نسيج المجتمع تتسلل منه للتحكم بالبلاد وتكريس وجودها واحتلالها، بل ويعرفون أكثر أن كل الذين وفدوا إلى لبنان استخدموا السلاح الطائفي الذي استخدمه الاستعمار لتبرير تدخّلهم أو وجودهم أو استمرارهم في لبنان. وفي مختلف هذه الحالات، كانت الحياة السياسية معطلة، أو مقيدة، أو معطوبة، ذلك أنه لا يمكن أن تقوم ديموقراطية من دون استقلال، ولا يمكن أن يقوم استقلال من دون حرية، ولا يمكن أن تقوم حرية إذا لم تتحرر من الأدوات "الاستعمارية" وفي طليعتها الطائفية.
فالشماليون يعرفون أن النظام الأمني في لبنان، والذي عاث فساداً، لم يركّب إلا لإبقاء الشروخ الطائفية مفتوحة؟ ولم يعزز إلا ليكون بديلاً من الإرادة الشعبية الحرة، ولم يكرس إلا ليكون غطاء معدنياً للوصاية أي وصاية.
مسألة وجودية
ولهذا فالمعركة ليست تجريدية، أو افتراضية، إنها مسألة وجود: يكون لبنان أو لا يكون. يكون لبنان الكبير أو لا يكون، يكون النظام الديموقراطي أو لا يكون، يكون الاستنهاض الاقتصادي أو لا يكون. نعم! هذه الانتخابات، ومن ضمن الظروف الراهنة، هي معركة وجود، لا معركة أحجام ومواقع وأشخاص. هي معركة فاصلة بين زمنين: زمن الانتدابات المقنعة أو زمن القرار الوطني. معركة فرز بين رموز النظام المعسكر المخابراتي البوليسي التابع وبين رموز 14 آذار. معركة حسم بين أن يستمر المنحى الاستبدادي الأحادي المحكوم بأشكال الوصاية والارتهان، وبين أن يبدأ عهد آخر يصنع فيه اللبنانيون اختياراتهم وأشكال ديموقراطيتهم وتحررهم.
لا يحتاج الشماليون إلى من يذكرهم. بل نحتاج نحن إلى ذاكرتهم، ولا يحتاج الشماليون إلى من يدلهم على الفاسدين وأهل القمع والهيمنة والنهب والسرقة والفتن، لأنهم عانوا منهم أكثر مما عانى سواهم. ولهذا لا يرد في خاطرنا أن نتوقع أن يصوّت الشماليون لمن أباحوا دم الحريري، وسهّلوا قتله، وحاولوا تضليل التحقيقات وتمويه الأدلة واختلاق التبريرات، وأن يصوتوا لمن وضع البلاد على امتداد عقود في مناخات الخوف والارهاب والتنكيل والظلم والمصادرة والترويع. وهؤلاء معروفون واحداً واحداً، وأن يصوّتوا لمن صنع 14 شباط وحاول تشويه 14 آذار، أو أن يصوتوا لمن باعوا أنفسهم لرموز النظام الأمني، فضربوا بساعده، وسرقوا ونهبوا وفحشوا في ظله وحمايته، وأن يصوتوا لمن ارتهنوا ورهنوا إرادة أهلهم لكل أشكال الهيمنة والمصادرة.
... سينحازون
لا نظن أو يرد في خاطرنا، بأن الشماليين سينحازون إلى جماعة 14 شباط ومن وراءهم، وهم الذين قتلوا رفيق الحريري، وحاولوا قتل مروان حمادة، وأخيراً لا آخرا اغتالوا سمير قصير. وفي موازاة "استراتيجية" القتل يهددون الناس والزعماء والصحافيين والكتاب بالتصفية، ليشيعوا جواً من الإرهاب والترهيب وهو الجو الذي أشاعوه على امتداد 15 عاماً.
ولا نظن أن الشماليين سينقادون إلى اللعبة الطائفية والمذهبية، والتي يروّج لها لطمس الأمور، واستغلال هذه الآفة، ليس لأهداف انتخابية فقط، وإنما كسلاح احتياطي يلجأ اليه "الشباطيون" لحماية أنفسهم من التحقيقات في قتل الحريري.. والآتية بلا ريب!
الشماليون يعرفون جيداً ما أهمية 14 آذار، لأنهم من صنّاعه، ويعرفون جيداً مخاطر الانقلاب عليه، وتصفية إنجازاته، لاستعادة غربان النظام الأمني المشترك ووحوشه. ويعرفون جيداً ماذا يعني تساقط الاعتدال مقابل التطرف من كل جهة، وماذا تعني العودة إلى أجواء التناحر الطائفي، وماذا يعني، خصوصاً العمل على تحفير جديد للنسيج الوطني.
كل ذلك يعرفه الشماليون، من الأقصى إلى الأقصى، ويعرفون ماذا سيحل بالبلد إذا لم يدافعوا عن أنفسهم أولاً، وعن 14 آذار ثانياً، وكيف ستعود الاستباحة، استباحة كل شيء، الأفراد والحقوق والقضاء والسياسة والاقتصاد والحريات والديموقراطية... يعرفون أن في أيديهم غداً استعادة الانتفاضة بكل بنودها التوحيدية. وأنّ في أيديهم رسم خريطة لبنان، أتكون من كرتون النظام الأمني، أم من تراب الوطن كله.
ونظن ونتوقع أن يلبي الشماليون نداء الأرض، والانسان، والحرية، ودم الحريري الذي أُهدر، ودم سمير قصير، وكل من صفّيَ قبلهما، وصراخ السجناء والمعتقلين، وضحايا النظام البوليسي..
غداً سينتخب الشماليون لبنان الآخر، لبنانهم، لبنان الشرفاء والأحرار، غداً سينتخب الشماليون من أعطوا وقاوموا وضحّوا وعمّروا.
غداً سينتخب الشماليون مستقبلهم الذي سيصنعونه بأيديهم، لا بأيدي المجهولين والعملاء والقتلة والفاسدين.
غداً يوم آخر، سيشبه يوم 14 آذار.
غداً يوم آخر سيشبه الذين صنعوا 14 آذار، غداً يوم آخر، يوم بعث الانتفاضة وانتصارها الحاسم.
غداً سينتخب الشماليون لبنان 14 آذار، غداً سيهزم الشماليون أهل 14 شباط المشؤوم. وسائر أيامهم المشؤومة.
غداً يوم الحرية.
غداً يوم السيادة
غداً يوم الاستقلال
غداً يوم الديموقراطية.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00