هل كان ممكناً بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط الماضي، وقبله محاولة اغتيال مروان حمادة، وبعد انتفاضة 14 آذار، هل كان ممكناً تصوّر أن مسلسل الاغتيالات (والتفجيرات) سيستمر بالوتيرة ذاتها، وبالذهنية ذاتها، وبالأيدي ذاتها. والارهاب ذاته، ليكون الصديق سمير قصيرشهيداً آخر يضاف إلى الشهداء الآخرين؟
قتلوا سمير قصير ليقولوا لنا بالفم الملآن (والعقل البائد) ان ما أُخذ بالحرية سيؤخذ بالقتل، وما استُرَدّ بالانتفاضة سيُسترد بالاغتيال. وما انتُزِع بإرادة الشعب، سينتزع بالارهاب، وان علينا ألا ننتظر الأفضل، بل الأسوأ، ولا السلام بل الفوضى، ولا راحة البال بل الخوف. هذه هي الرسائل المتجددة التي بعث بها، إلينا النظام الأمني المشترك نحن اللبنانيين، لا سيما الذين شاركوا في صنع الانتفاضة، والذين نزلوا إلى الشوارع بكل أحلامهم وحرياتهم (المهدورة)، وديموقراطيتهم (الموطوءة). في السابق، وعلى امتداد مرحلة الوصاية المشؤومة الفوح والبوح، وضعوا الاستقلال مقابل حيواتنا. والسيادة مقابل خرابنا والديموقراطية مقابل تجديد الحروب، وقالوا لنا: اختاروا بين الاثنين: فإما أن نقتلكم وندمر البلد على رؤوسكم وإما أن تكفوا عن المطالبة بزوال النظام الأمني، وجلاء أهل الوصاية.
وحَسِبنا أن النظام الأمني بادَ. وان بتوع الوصاية ترحلوا. وأن نسمات رطبة هبت على حياتنا السياسية عبر تحديد موعد الانتخابات وإجرائها، وعبر تساقط رؤوس النظام الأمني (الفارغة، أصلاً). لكن أرادوا أن يبقى "حسباننا" مجرّد حسبان. والواقع مجرّد واقع افتراضي. أرادوا أن يفهمونا أنهم ما زالوا هنا في أعقابنا. داخل منازلنا. في شوارعنا. في مقاهينا. في سهولنا. وجرودنا. ما زالوا هنا بكل جبروتهم. وإرهابهم. وإجرامهم. وما علينا إلا أن ننتظر "أحكامهم" القاتلة في حقنا. في حق كل مَنْ صرخ بالحرية. في حق كل مَنْ طالب بالاستقلال. في حق كل مَنْ حمل قلماً. وصوتاً. وفكرة، في حق كل مَنْ يؤمن بالديموقراطية. في حق كل مَنْ شارك بدك صروح النظام الأمني المشترك. ولكي يؤكدوا لنا على "صدقيتهم" قتلوا سمير قصير، لا كمن يقتل صحافياً حراً ناهضهم. بل سمير قصير كرمز من رموز استمرار الانتفاضة، بل كظاهرة حية بدأت تنتشر، بعد تحرير لبنان (وقبل ذلك) وتطالب بسقوط الدكتاتوريات والفاشيات المتأصلة والمرسخة هنا وهناك على امتداد الوطن العربي المفجوع باستبدادياته. فسمير قصير. هل قُتل كصحافي؟ نعم! لكن قُتل أيضاً كواحد من ملايين بدأوا يهدرون في الشوارع، والمنتديات، معلنين أن الزمن لن يعود إلى الوراء. وان الزمن لن يتوقف عند هؤلاء المجرمين. وان أشياء جديدة بدأت تلوح من داخل المجتمعات، وتبشر بمواقيت جديدة، وبعصر جديد. قتلوه لأنه يمثل، بصوته وجرأته وصفاءفكره والتزامه وحرية قوله، هذا الزمن الجديد. أو هذا الانبعاث الجديد. وها هو سمير، الصديق والأخ (والطالب الذي درسته في المرحلة الثانوية) أول شهيد بعد استشهاد رفيق الحريري. أول شهيد لانتفاضة 14 آذار الميمونة.
وإذا كان 14 آذار أرعبهم، وشتتهم فمن الطبيعي أن يحاولوا القضاء على روح هذا التقويم الوطني الملحمي؛ من الطبيعي أن يستجمعوا فلولهم القذرة وأشباحهم السود (المهزومة) في الأقبية والغرف المعتمة، ويحاولوا الانقضاض على رمزية تلك اللحظة المكتنزة تاريخاً طويلاً من القهر والحلم، من الغضب والألم، من الأمل والاصرار على التغيير. وقد جاءهم، وللأسف، عون من "زغلول الرابية" (ما غيرو) العماد عون، الذي رجع بشعار الاستقلال، ثم بَرَك إلى جانبهم يحاول أن يحيي "وجودهم" البائد، يستحضر حضورهم المفكك، يستنهض إرهابهم، عندما ترك المعارضة أو عندما عقد صفقة مع الشيطان، وعاد بهذه الصفقة من منفاه لا ليلعب الدور البطل، بل ليلعب الأدوار التي لعبها أهل النظام الأمني ابتداء باميل لحود وجميل السيد ورستم غزالة وانتهاء بحلفائه "الأبرار" من ميشال المر إلى سليمان الفرنجاوي فإلى طلال أرسلان، فإلى عمر كرامي... فالتيار الوطني الحر لم يعد، لا تياراً ولا وطنياً ولا حراً؛ وميشال عون "زغلول الرابية" كما كان "زغلول بعبدا" عندما اغتصب السلطة وتعامل مع صدام حسين ودمّر ما دمّر، وتسبب في مئات الضحايا، في حرب سماها تحريراً، وكانت وبالاً وخراباً. ها هو يعود زجالاً، ليس للتحرير والاستقلال وإنما زجال جديد للنظام الأمني البائد، يحاول بأفكاره الضحلة الصبيانية (وهل نسميها أفكار!) وبسلوكياته السوريالية، وبتناقضاته الهستيرية، أن يغطي على الجرائم التي ارتكبت، لا سيما جريمة قتل الرئيس الحريري، ومحاولة قتل مروان حمادة، واليوم جريمة قتل سمير قصير. ومن الطبيعي، ومن ضمن متطلبات دور العماد ـ المستعمد ـ المعتمد الجديد في النظام المخابراتي، ان يعتبر اغتيال سمير قصير قضية أمنية لا سياسية، تماماً كما حاول أن يروج بعض "عمد" النظام المخابراتي كعدنان عضوم ومصطفى حمدان وجميل السيد (رائد العماد الفكري والسياسي والاحتجاجي!) واميل لحود وسليمان فرنجية وطلال أرسلان، بأن اغتيال الحريري كان "حادثاً" أمنياً لا سياسياً مدبراً. فهل نقول ان دم سمير قصير في عنق العمادين لحود وعون، بعد ممانعة الأول عن إقالة مَنْ تبقى من رؤساء الأجهزة، وتحريض الثاني على الاعلام والاعلاميين، والصحافة والصحافيين لا سيما "المستقبل" و"النهار"؟ بل هل نقول ان مهمة عون الجديدة، ليست في محاولة تفكيك المعارضة (خصوصاً المسيحية منها) فقط ولا بإشاعة مناخات "حروب أهلية" (طائفية) ولا بمحاولة إرجاع عقارب الساعة إلى زمن "الالغاء" (والجنرال ذو عقل (!) إلغائي بامتياز تذكروا الأمس وتفحصوا أقواله وممارساته اليوم بعد عودته المدبرة إلى وطنه)، وإنما، بضرب كل الانجازات التي تحققت بعد 14 آذار. بل بتشويه هذه الظاهرة الاستقلالية النادرة، وبتسفيه تطلعاتها ورموزها وناسها. إنه لولا "دعم" الجنرال (جنرال؟ بل أي شاويش!) للحود (دعم المعتمد الجديد للمعتمد القديم)، ومحاولة تبرئة جميل السيد، وحرف الأنظار عن جرائم النظام الأمني، وإقامة تحالفات انتخابية (قائمة على برنامج عمل تافه بالطبع كواضعيه) مع رموز هذا النظام وأزلامه، لما عاد وتجرأ القتلة على استرجاع عدة القتل (تتذكرون عدة شغل وزير الداخلية السابق سليمان فرنجية قبل اغتيال الحريري)، ليقتلوا رمزاً من رموز 14 آذار. فمن الطبيعي أن يتلازم تجديد الارهابيين خططهم وعدتهم واعدادهم، وخروج عون من فضاء المعارضة إلى خصم من خصوم 14 آذار. ومن الطبيعي أن يتواكب انفصال جنرال قصر بعبدا سابقاً (لن يعود إليه لاحقاً) عن مواقعه التي يجب أن يكون فيها مع انتفاضيي 14 آذار، و"انتعاش" خطط القتل والتفجيرات وإهدار دماء اللبنانيين. فكأن سبيل عودة فلول النظام المخابراتي الذي أراد أن يعطل المجتمع المدني ووجه إليه ضربات قوية هزته ولم تسقطه، يلتقي تقاطع عودة "زغلول الرابية" تحت شعارات مخزية، متواطئة، وبحسابات "باعة الفستق والقضامي"، حسابات تتصل بزعامة هذا الرجل "الفضائي"، "الكوكبي" الذي ألغى كل الناس ليكون بديلاً منهم. لكنه استثنى هذه المرة (ويا للعار! ويا للعار) جنرالات القتل، وأزلام التبعية، ومصادري الارادة الوطنية، والمتآمرين على سيادة البلد وحرياته.
ونظن أن هذا التقاطع التاريخي بين جنرالي بعبدا (السابق والحالي) أو توضيحاً: عسكريّي بعبدا والرابية، الأول بدوره القيادي في نظام المخابرات، والثاني بمحاولاته تهميش المجتمع وقادته ورموزه، هذا التقاطع "المعسكر" "المجنزر" "المجولق" هو المسلك الذي ينفذ منه المجرمون، (قتلة رفيق الحريري، وكمال جنبلاط، ورينيه معوض...) ليستكملوا مخطط إشاعة جو من الرعب، والموت، والفوضى، والترهيب، ليكون الصديق والزميل الشهيد سمير قصير "القطافَ" الأول وليس الأخير، كما يبدو. إذ أن أعوان عون، وبعونه يركزون على تبرير استشهَاد قصير، وعلى تبرئة السفاحين... بالطرق ذاتها التي اعتمدها القتلة والمتواطئون معهم في تبرير قتل الحريري باعتباره "حادثاً" أمنياً، وليس "حدثاً سياسياً". فالطرق "العقلانية" المعسكرة والذهنية المخابراتية واحدة عند بتوع عون الذي سقطت قبعته العسكرية في معارك التسعينات فَداسَها وهرب تاركاً جنوده وحدهم في ساحة القتال؛ وهي أيضاً واحدة مع "بتوع" النظام العربي المعسكر كله، فمن الطبيعي إذاً أن يصب "زغلول الرابية" (عفواً يا زغلول الدامور فأنا أقدرك) عند اميل لحود وما يمثل فالاثنان من مدرسة "فكرية" فاشية واحدة (ألا تجد أيها القارئ ملامح نشوء فاشية متجددة في الخطاب العوني؟). والاثنان مهووسان بالسلطة (التسلط): الأول زغلول "الروابي"، كان شعاره في التسعينات عندما اغتصب السلطة بمساعدة شبيهه صدام حسين "القصر أو القبر". وهذا شعار "غراب" بعبدا اليوم: "القصر أو القبر". (لا سمح الله يا جنرال فأنت عزيز على قلوبنا).
إذاً انتصرت الذهنيات الأحادية (الفاشية) على خصومات الماضي، وتناقضات الحاضر، بين الجنرالين. وها هما يشقان دروب "المستقبل" معاً، بأهداف مشتركة: تقسيم المعارضة، ضرب الوحدة الوطنية، تشويه 14 آذار، إثارة الفتن الطائفية (يتولاها عون ببراعة فائقة. ببراعة من تتساقط هالاتُه حوله كالذباب)، وطمس حقيقة مَنْ قتل رفيق الحريري، وضخ الدم في شرايين النظام الأمني الناشفة، ومن ثم محاولة التشكيك بشرعية الانتخابات تمهيداً لإحداث حالة فراغ لتملأها بالطبع رموز المخابرات البائدة إذاً وكما رفع شعار "الجيش هو الحل" (تبناه العماد!) فالشعار اليوم "العماد هو الحل" بشراكة نظام استبدادي تابع. وهذا ليس كثيراً على "عماد" لا يرى في الكون غير نفسه. ولا تُحرّكه سوى نرجسية مرضية جعلته يقول بلا خجل أنا هي المعارضة والمعارضة هي أنا، ماحياً من الوجود كل الذين سبقوه إلى النضال من أجل الاستقلال والحرية كالعميد ريمون إده (مات في المنفى) وكميل شمعون، وكمال جنبلاط وصائب سلام (نفي وسمح له بالعودة ليموت في وطنه)، وسمير جعجع ومن ثم وليدجنبلاط ورفيق الحريري والبطريرك صفير وقرنة شهوان... وبالطبع مئات الألوف من المنتفضين في ساحة الشهداء (من دون أن ننسى المقاومة الوطنية، والمقاومة الاسلامية التي حررت الجنوب). كل هؤلاء لم يفعلوا شيئاً. وحده صنع التحرير. الكل كانوا مع النظام السوري، وكان وحده مع التحرير (هل ننسى علاقته بالنظام البعثي العراقي وبصدام حسين الذي أمدّه بالمال (أين تلك الأموال يا جنرال الطهر. يا "بتولاً" زرت يوماً ايكه) والسلاح ليجعل من الجنرال أداة في صراعه مع النظام البعثي السوري، وكانت النتيجة مغامرة عسكرية خاسرة سلفاً. والخسارة، كما نعلم، تتحوّل نصراً عندنا. وها هو المنتصر المهزوم يعود إلينا لا ليساعدنا على نيل الاستقلال بل ليساعد من هم ضد الاستقلال لاسترجاع التبعية التي قد توصله (بحسب نياته البيض) إلى قصر بعبدا.
ونظن أن الجنرال فعل خيراً بانفصاله عن المعارضة، (التي لا يعترف بها أصلاً). ونظن أن زجال الرابية فعل خيراً بمحاصرة نفسه، عن المجتمع المنتفض، لأنه يساهم بذلك في صنع "سقوطه"، وفي خراب تلك الفاشية المتجددة التي تطل ملامحها من خطابه وممارساته وعقليته.
وقد فعل رأس التيار الحر خيراً بتحالفه مع زُمَر النظام الأمني، ذلك أن الرأس المعسكر، لا يمكن أن يصنع ديموقراطية أو يقبل بها أو حتى يؤمن بها، فالمعارضة اليوم، أمامها طريق وعر وطويل في بناء نظام ديموقراطي متصل بمعطيات الواقع. ونظن أنها تحررت من عبء ثقيل، ومن "حصان طروادة" واضح، ومن "رابوق" من "روابيق" الماضي. وما استشهاد الصديق والأخ والرفيق سمير قصير سوى مناسبة أخرى لأن تستعيد المعارضة خطوطها وخططها وتبعث حيويتها من أجل استكمال معركة التحرير والاستقلال وكشف حقيقة مَنْ قتل الحريري وسمير قصير. أما تصريحات التيار الوطني الحر بأن حادث الاغتيال "أمني" لا سياسي فنعتبره تواطؤاً مع القتلة وتغطية لجريمتهم وتحريضاً على الاستمرار في مخطط إجرامهم بحق الصحافة والأحرار الاحتجاجيين، ولهذا نحمل زغلول الرابية والروابي مسؤولية كل جريمة سيرتكبها النظام الأمني، وسيكون دم كل شهيد في عنقه.
وأخيراً، أقول لك يا سمير، يا صديقي ورفيقي، ويا أيها الطالب الذي علمته يوماً، ثم علمني أياماً، وأعطيته يوماً ثم أعطاني أياماً، أقول لك، نم قرير الصبح فأحلامك الكبرى في الحرية والديموقراطية وفي دك صروح الاستبداد والدكتاتوريات، ستتحقق، وأن المشعل الذي رفعته طويلاً، وسقط من يدك بعد استشهادك، ها هو مرفوعاً بأيدي مئات الألوف، بل الملايين. ومن يَصرْ ألوفاً لا يموت. والألوف التي تصير واحداً لا تموت.
ها أنت بالفولار تمشي بين الألوف كالألوف، تصرخ بحناجر الألوف. كالألوف، حلمت طويلاً وها هي الألوف تستمر في حلمك.
فنم قرير الحلم يا صديقي ورفيقي سمير قصير.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.