8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بيروت تنتخب غداً 14 آذار

غداً الحدث الكبير. الحدث الآخر الكبير، المرحلة الأولى من أول انتخابات تجري في لبنان، منذ أكثر من ثلاثة عقود، من دون أي وصاية خارجية، عربية أم غير عربية. هذا الشعور بافتتاح المشهد الاستقلالي، في صناديق اقتراع عاصمة العرب، بيروت، ومدينة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومنطلق المقاومات الشتى على امتداد التاريخ اللبناني، هذا الشعور الذي يختلج كل منا، بعدما يكسر حواجز الخوف، ويحطم أغلال الوصايات، وينضم الى عمق العمق في ذاته، وعمق العمق هو الحرية أولاً، الحرية التي بدونها لا يمكن كشف حقيقة من اغتال شيخ الشهداء، ولا أهمية استكمال مراحل التحرير بإسقاط من تبقى من النظام الأمني وفي رأسه رئيسه المرابط، بلا رباط، ولا جأش، في قصر بعبدا.
بمعنى آخر، كأنّ غداً هو تجديد انتخاب 14 آذار بكل ما يحمل من قوة، ودلالات، وإشارات دامغة، لمعاني الوحدة الوطنية، وتجربة الاستقلال، واستعادة الديموقراطية، وترسيخ السلم الأهلي، والانخراط بشغف بمشروع الإعمار، وبناء دولة المؤسسات والقانون الفعلية، لا الأمنية، ولا المخابراتية ولا الإرهابية، ولا المافيوية.غداً لا بد، ومدفوعين برمزية 14 آذار، (الذي كان الرد الكبير على 14 شباط)، سيستمتع أهل بيروت، قبل سواهم، وفي اللوحة الانتخابية الأولى، الطازجة الألوان والمحفرة الخطوط، والخلابة الرونق، بوضع أصواتهم الحرة، في صناديق الاقتراع الطازجة، لانتخاب جمهورية لبنان الكبير، بولع من يكتشف أو يعيد اكتشاف، وبعد ليل طويل، معنى أن يحمل خريطة وطنه التي تتنفس بكل أبنائها ودساكرها ومدنها وجبالها وسهولها وسواحلها، بكلتا يديه، وكأنه يحمل زمناً كاملاً من الولادات والينابيع والأحلام الطرية.
ذلك أن لبنان بعد 14 آذار صار آخر. ذلك أن لبنان 14 آذار سيكون غداً آخر. ذلك أن المفتتحات الكبرى، هي التي تفصل بين مرحلة ومرحلة، بين ليل وصبح، بين أمل وخيبة. ولهذا وكما أقضّ 14 آذار المليونيّ الأنفاس، والقامات والأعلام، مضاجع العبيد والمستعبدين فها هو 29 أيار، غداً، يقض مضاجع الذين لم يقرروا بعد الانعتاق من أغلالهم والانضمام الى الوطن. وقد فعل هؤلاء المستحيل، وبكل أسلحتهم الخبيثة (باتت مفلولة وخشبية)، وقذاراتهم، وعقولهم المنتنة، أن يفسدوا معاني 14 آذار، وتالياً معاني المشهد الأول من الاستحقاق الانتخابي غداً. وهذا يحيلنا على مشاعر الرعب، والخشية من استكمال مفاعيل الانتفاضة، بما جسّدته من طاقات كانت موؤودة، ومحرّمة، ومكسورة، ودفينة مَهاناتها، وذلها. بعض هؤلاء أراد الالتفاف على المدّ الشعبي، والآخر حاول تدارك مواقف له مشينة، لا سيما في وضع قانون الانتخابات 2000، بالتنكر له، والإرتداد عليه، واتهام المعارضة بتبنيه، ضمن خطة مشؤومة لتأجيل الانتخابات، أو حتى لإلغائها. وبعدما فشلوا، ها هم يشككون بالاستحقاق الانتخابي، ويعمدون الى أساليب رخيصة للنيل من شرعيته، باعتبار أنه مرتبط بالقانون الذي وضعوه بأنفسهم، في ظل النظام الأمني، لضرب الشرعية التمثيلية للشهيد الكبير رفيق الحريري، ووليد جنبلاط، وجزء من المعارضة. ونظن أن الأسلوب واحد: فكما تنكروا لما فعلته أيديهم وعقولهم المجرمة باغتيال الحريري، وذرفوا دموعاً أقسى من الزجاج والمعدن أمام شاشات التلفزيون استنكاراً للجريمة و"حزناً" على الراحل، ها هم وبالأسلوب التنكري ذاته يتنكرون لقانون وضعوه بأنفسهم ذارفين دموع التماسيح على الديموقراطية التي داسوها ببوطاتهم وجزمهم على امتداد عقد ونصف العقد. والمتتبع للأحداث منذ الانسحابات وتساقط لصوص النظام الأمني وسفاحيه، وتأليف لجنة التحقيق الدولية، وتلاويح الاستحقاق الانتخابي، يعرف أن الهدف الأول لهؤلاء المفجوعين بسلطتهم المفقودة، هو تشويه الإنجازات التاريخية التي حقّقت، لعرقلة استكمال حلقات هذه الإنجازات، من خلال انتقال السلطة من أيديهم القذرة الى أيد أخرى يختارها الناس. وصار "بلبالهم" يقلل من أهمية ما تحقق، بل يشكك في ما تحقق، بل يقفز فوق كل ما تحقق، وكأن شيئاً لم يكن. بل كأن ما كان بعد 14 آذار لا يتجاوز أن يكون مجرد "غمامة صيف"، أو أضغاث أحلام، أو حتى رعب كوابيس. وفي هذا الإطار نظموا حملة، لانتهاك الوحدة الوطنية التي تمثلت في الانتفاضة لا سيما في 14 آذار بافتعال شحن طائفي (تلفزيوني وإعلامي تضليلي) وبمحاولة تفكيك المعارضة، بخلط أوراقها ووجوهها، وكسر الحدود بينها وبين فلول "موالاة" ارتهنت بالوصايات والفساد. ومن المؤسف أن يكون العماد ميشال عون تولى "طوعاً"، ولأسباب معروفة، هذه المهمة التخريبية لمعاني الانتفاضة، سواء بوضع رموز الانتفاضة على مستوى واحد مع رموز النظام الأمني، أو بمصادرته لإنجازاتها، أو بتشتيت وحدتها، أو بتضليل الرأي العام، وتحويل الأنظار الى ملفات الفساد التي لفّقها عدنان عضوم (وملفه المالي والسياسي من ضمنها)، أو بخروجه النهائي من 14 آذار، لينضم نهائياً الى معسكر الوصاية، والنظام الأمني، وقتلة رفيق الحريري. وهذا شيء مشين. غير مبرر. يدل على معضلة مستعصية لدى الجنرال، الذي يبدو أنه يصنع نهايته بيديه، وهو يحسب أنه يصنع نهاية الانتفاضة وأهلها، أو يصنع "حلمه" الخاص. كل ذلك لبث روح الإحباط، وزرع الخيبة في نفوس اللبنانيين الذين فعلوا الانتفاضة، وسيفعلون تتماتها الدستورية والتمثيلية. والكل يعرف أن وراء هذه الإحباطات التي ينعق بها بعض أهل النظام الأمني، وبعض المعارضة المضموم إليهم، حمل الناس على الإحجام عن المشاركة في الاستحقاق الانتخابي، أو على الأقل، تيئيسهم من كل قدرة على التغيير، أو إضعاف هممهم، تأثيراً على كثافة المشاركة ليشكك هؤلاء الغربان بشرعية الانتخابات. ولا تهمل في هذا المجال، المراهنة على فوز بعض المرشحين بالتزكية في بيروت (ولاحقاً في مناطق أخرى) لمضاعفة هذا التشكيك تحت شعارات تافهة لـ"اللوائح المعلبة" أو "اللوائح المحادل" أو اللوائح المفروضة. وكأنهم تناسوا "نظام" الودائع الذي ولى في بيروت، وفي أماكن أخرى، "ودائع سورية" (مفروضة بالقوة)، وودائع أمنية، وودائع مافيوية، وودائع عائلية... بل كأن انسحاب "هذه الودائع" (المسمومة)، وسحب غطاء المودِعين، جعل هؤلاء بلا حول ولا قوة، عراة أمام هزال شعبيتهم لكي لا أقول انعدامها. "فبتوع" الودائع وبعدما "أعيدوا" سالمين الى البراثن التي أودعتهم، يعمدون وبوسائلهم الرخيصة (لم تتغير) الى تمويه معاني الاستحقاق الانتخابي في بيروت وتبديد الوحدة الوطنية التي تجسّدت في لوائح الشهيد رفيق الحريري، تمهيداً لرفع الصوت بالغبن، أو بالتخوين (بدأ بعضهم باتهام أميركا وإسرائيل وأوروبا بتعليب اللوائح)، وبدأ بعضهم باعتبار هذه الانتخابات وسيلة لتنفيذ 1559، وتجريد حزب الله من سلاحه، وعقد صلح مع إسرائيل. وقد تناسوا أن حزب الله ينتمي الى هذه اللوائح التي لفظتهم.
هذه الحملات المخابراتية المتدرجة ثم المتصاعدة تسابق الزمن ساعية الى حماية بعض الرؤوس (والوصايات) من التساقط إزاء الاستحقاقات المقبلة، من انتقال السلطة، الى انهيار البنية الأمنية، فإلى استدعاء بعض المتورطين (كباراً وصغاراً من هنا وهناك وهنالك) بقتل الحريري.لكنه تسابق بات غير متكافئ بعد 14 آذار. بل إن كل تسابقٍ بات بعد ذلك شبه محسوم. فسلاحف النظام الأمني لم تعد قادرة على منافسة عاصفة الانتفاضة.
وهذا ما يفسّر التحولات الدراماتيكية واشكال الانهيارات المتعاقبة في صفوفها. ونظن ان كل المحاولات التي اعتمدها هؤلاء لتشويه معاني الانتفاضة، والانقضاض على تداعياتها ونتائجها وظواهرها (الاجتماعية والسياسية) وتبديل اجنداتها، باتت وراءنا. ذلك، انه، وبدينامية قلّ نظيرها عادت الحياة السياسية ببشائرها العمومية الى البلاد، بعدما اعدمت على امتداد عقود ثلاثة بأيدٍ وافدة (وبلدية) كثيرة، وهذه العودة الميمونة بدأ يستوعبها اللبنانيون، وإن لم يستعودوها بفعل الضغوط والقمع واللعب على التناقضات ومصادرة الارادات الوطنية ومجلس النواب والحكومات والهيئات الأهلية.
هذه الحياة السياسية بتنا نراها ونلمسها ونتشمّمها مستعيدين مذاقها المفقود طويلاً، عبر التنافسات والخلافات والاختلافات في وضع برامج العمل الانتخابية وتأليف اللوائح بعيداً من الادارات الفوقية التي كانت تفرض الانتخابات كوديعة خالصة وكاملة، وهذا ما ازعج الذين كانوا يرمون بالمظلات وبغيرها في مجلس النواب، ولا علاقة لهم بأي صفة تمثيلية. بل ان هذه "الودائع" (الثمينة) راحت تنسحب من هنا وهناك بعدما اكتشفت ان لا المخابرات ولا الوصايات عادت قادرة على حمايتها وزرعها كأجسام مشوهة وغريبة في البرلمان اللبناني.
نقول هذا ونحن نعلم ان المؤامرات التي يخطط لها فلول النظام الأمني وافتعال التناقضات واثارة الشحن المذهبي والمناطقي، لن تتوقف من بعبدا حيث القابع يقبع منتظراَ "قدره المحتوم"، فإلى بعض ديناصورات ذلك النظام كآل المر ووزير البينغو الفرنجاوي ورئيس الحكومة الافتراضية العازف عن الترشح حتى الآن وقد يعود لأنه عودنا هذا النوع من التبدلات المفاجئة التي تبحث عن "القطبة المخفية") وبعض القامات السياسية القزمة من بتوع الزلاعيم العالية...
سيحاول هؤلاء ان يفعلوا كل شيء لتعطيل هذه الحياة السياسية المستعادة، والمجتمع المدني المستنفر في حيوياته، ولهذا علينا مواجهة هذه المؤامرات الخسيسة بكثير من العمل الجاد، أوله الحفاظ على وحدة المعارضة التي هي من الوحدة الوطنية، وتنمية التنوعات ضمنها التي هي من تنوعات المجتمع وأخيراً النزول بكثافة للاقتراع غداً الأحد للائحة الرئيس الشهيد في بيروت، وهكذا يكون لبيروت معنى المبادأة التي عرفت به، في منحاها الطليعي والمتقدم وهكذا يكون لبيروت أن ترسم اللوحة الأولى من لوحات الديموقراطية الآتية المتحللة من ارث النظام العربي المشؤوم، ومن بقايا حروب الآخرين على الوطن، وهكذا يكون لبيروت ان تنطلق "باللا" المدوّية في وجه الذين جعلوا الشعب اللبناني رهينة لزمرة فاسدة، وفي وجه المجرمين الذين اغتالوا الشهيد الرئيس "بطل الاستقلال" ونعم" مدوية ايضاً، للوطن ـ الاستثناء حامل القيم الديموقراطية، والسلم الاهلي، والمستقبل المصنوع بأيدي ابنائه.
غداً، يوم آخر، غداً 14 آذار آخر. وكما كان هذا الأخير، احتفالاً كبيراً بانتصار لبنان، كل لبنان، على مصادريه وجلاديه والقتلة والمجرمين واللصوص، فسيكون غداً احتفالاً باستكمال "مراسم" النصر.
فبهذه الاحتفالية العالية، سينزل اهل بيروت ليقترعوا ليملأوا الصناديق بآمالهم وغضبهم وفرحهم ووفائهم لأنفسهم أولاً، وللشهيد ثانياً، ولكل القيم التي يؤمنون بها.
غداً، في 29 أيار، اكثر من انتخابات، وربما أكثر من احتفال. وأكثر من نصر يحقق في صناديق الاقتراع. بل وأكثر من "ثأر" من القتلة والعملاء.
غداً، أمر مستعاد: وطن يصنع بأيدي ابنائه. حرية تعجن بعرق اهلها. ديمرقراطية يصوغها الشغوفون بالحرية. حقيقة يكشفها التواقون الى معرفة الحقيقة. سيادة تسيد شعبها على نفسه.
غداً، استكمال 14 آذار، لتنضم أخيراً بيروت الى بيروت، وتكرس عاصمة للوطن، وقبلة لكل المواطنين، وقلباً ينبض بكل انفاس الناس، وبكل آمالهم بإنشاء وطن يعود مختبراً حضارياَ لكل التجارب الطليعية، والديموقراطية، والتوحيدية.
غداً، يكرس اللبنانيون انتصارهم على العبودية...
غداً، يوم بيروت، يوم بيروت المشهود، يوم بيروت الشهيد التي تنهض من ركامها وموتها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00