هل كنّا ننتظر من "انتفاضة الاستقلال" أن تُحدث ثورة شاملة في الواقع اللبناني تصيب المناحي الاقتصادية والفكرية والسياسية والثقافية، أم أن حدود هذه الانتفاضة كان يجب أن تتصل بالمطالب الملحة والأهداف الساخنة، والتي تتلخص بـ: 1) كشف حقيقة مَنْ اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، 2) انسحاب القوات السورية من لبنان، 3) استقالة رؤساء الأجهزة الأمنية، وهي مطالب حققت الى حد كبير تحت ضغط التحركات الشعبية التي توّجها الرابع عشر من آذار 2005؟
قد يكون بعضهم حلم كثيراً، ومَنْ لا يحلم كثيراً عندما يرى حجم الانتفاضة، وحجم الغضب، والعصف الذي دفع بالناس إلى أماكن جديدة من التعبير السلمي عن "ثورتهم"، وإلى محطات طازجة وُحَّدتهم من كل المناطق والفئات والطبقات والأجيال. هذا البعض الذي عانى ما عانى، على امتداد عقود، من الاستبداد والطغيان والظلم والقمع والارهاب والخوف والذل والفاقة والتهديد، كان لا بد، وهذا من حقه، أن يوسع مدارات شغفه وحلمه إلى أبعد من المطالب الثلاثة التي رفعت في التحرّكات. ذلك، أنه من الطبيعي بالنسبة إليه، أن يفتح هذه المطالب على آفاق التغيير بمستوياتها وتعابيرها، وينزع إلى بناء وطن متحوّل يتجاوز الارث الطائفي والمذهبي وبين التخلف والجمود وما تكرّسه من فسادٍ وتواطؤ وتبعية.
هذا طبيعي ولا بد أن يخطر، خصوصاً لدى الشباب، في هذه العاصفة البيضاء التي جرفت وإلى حد كبير النظام الأمني من دون أن تجرف النظام، وكشفت، وإن بالخيوط الأولى الدامغة، ملامح قتلة الحريري، بقسماتهم المجرمة والمتوحشة، وحملت القوات السورية على الانسحاب. هذه إنجازات تاريخية بالطبع. لكن بعض الحالمين أرادها أن تكون مقدّمات لتحويل طبيعة هذا النظام، بمشتقاته وظواهره، وبنيانه، فلا نكتفي بما ظهر، بل نغوص على الطبقات السفلى من مكوّنات النظام وفلسفته ودستوره. "فلنكمل الحلم" قال بعضهم. وهذا شيء رائع. ولنوسّع الحلم. ولننشره في كل الخلايا والمسام والشرايين، وليكن التغيير في كل شيء.
هؤلاء الحالمون بالذات هم الذين قد لا تكون اكتملت فرحتهم. رأوا وشهدوا ما أنجز وفرحوا واغتبطوا لكن ثمة شيئاً ناقصاً جعلهم يغصون ويتحسّرون. كأنما لا فرحة كاملة إلا باكتمال التغيير دفعة واحدة، وبزمن قصير يحرق المراحل ويختصر التطوّرات، والمآلات. وهنا نقول ان أمثال هؤلاء الحالمين، بصفاءاتهم العالية، وبنقائهم الناصع، وبيوطوبيتهم المتفجرة، وطوباويتهم المُنزَّهة، ضرورة. بل هم ملح الانتفاضة. وهواؤها. لكن نقول في المقابل، ان المبالغة في التركيز على هذا التحسّر، والمبالغة في الإصرار على هذه "الخيبة" من شأنها أن تطمس ما تمَّ إنجازه. وأن تبث الفقدان في نفوس المنتصرين من أهل الديموقراطية والحقيقة والسيادة والاستقلال، وأن تؤدي إلى مجمل تداعيات نفسية وفكرية، قد تخدم أولاً وأخيراً المنهزمين من أهل التبعية والنظام الأمني والفاسدين والعملاء والاستبداديين الذين، وبعد اندحارهم أمام المد الشعبي السلمي وتساقطهم "قبل نضوج التين والعنب"، ما زالوا يستنفرون فلولهم وأسلحتهم البائدة، وأساليبهم البوليسية لتشويه هذه الانجازات والتقليل من أهميتها، تمهيداً لضربها لمحاولة العودة إلى الوراء، أي محاولتهم استعادتهم المبادرة، ومصادرة هذا الانتصار التاريخي. وهذا ما يحاولون فعله. وهذا ما يحاولون ترسيخه، مستفيدين من بعض الثغرات في صفوف المعارضة، ومن بعض الاداءات لا سيما قانون انتخابات عام 2000. فهؤلاء الذين استبدوا وظلموا ونهبوا وقتلوا وعاثوا فساداً وجعلوا كل الوطن رهينة مآربهم وأطماعهم وجنونهم، يريدون أن يستفيدوا من مناخات "الخيبة"، ومن تناقضات المعارضة، ومن هشاشات الظواهر الطائفية، ويبددوا الشمل، ويخلقوا البلبلة، ويعيدوا البلاد إلى أجواء القسمة والشحن الطائفي والمذهبي، والفوضى، فلعل في ذلك ما يؤخر تجرّعهم قطرات الهزيمة الأخيرة، ويؤجل نيلهم ما يستحقون من عقاب على جريمة اغتيال الحريري، وما ينتظرهم من حكم وإدانة. ولهذا، فمن غير الطبيعي، أن نغرق في خيبة التغيير الشامل، وأن نفجع بأحلامنا الكبيرة، وننسى هؤلاء. أي ننسى أن الأولويات القاهرة حالياً تكمن في استكمال تحقيق المطالب التي رفعت تحت شعار "انتفاضة الاستقلال"، وفي تصفية البؤر الأمنية، وفي استعادة الديموقراطية. وهذه الأمور لا يمكن أن تتجسّد، إلا عبر نقل السلطة من أيدي الطغمة العسكرية إلى أيدي المعارضة التي تمثل في شرائحها المتعددة مكوّنات المجتمع المدني. والانتقال هذا لا يتم راهناً، لا بثورة شعبية غير محددة الأدوات والأفكار، ولا بفوضى "خلاقة"، ولا بمغامرات عنفية، وإنما، بمحاولة تغيير الواقع بالوسائل المتاحة في الواقع نفسه، أي، راهناً، بالانتخابات، برغم كل الهنات والشوائب التي تعاني القانون الذي ستجرى على أساسه، وهو القانون الذي فرضه النظام الأمني، لتحجيم المعارضة المسيحية ورفيق الحريري ووليد جنبلاط في العام 2000.
ولهذا فعلت الطغمة العسكرية كل شيء لتحول دون إجراء الانتخابات في موعدها. ماطلت. ناورت. أجّلت. بلبلت. اختلقت تناقضات. هددت بحرب أهلية. وضعت سيارات مفخخة. هددت رموز المعارضة. وزّعت التهم. استنفرت كل قذاراتها. لكنها لم تنجح. قررت الانتخابات في موعدها. وأمام قوة المعارضة الساحقة، وإزاء انتصاراتها المنتظرة، سحبت فلول الطغمة العسكرية بما تبقى لها من رموز معلقة تعليقاً بمواقعها لا سيما رئاسة الجمهورية، خناجرها المفلولة، وأسلحتها، ووسائلها الاعلامية، لتفكيك المعارضة، وتمزيق وحدتها، من الداخل نفسه. والمفاجأة (هل هي مفاجأة؟) أنها لجأت إلى رمز من رموز المعارضة، وهو الجنرال ميشال عون الذي وقَّتت عودته قبيل الانتخابات (يحكى عن صفقة بينهما) ليكون حصان طروادة، تستخدمه بخبثها "وطيبته"، بعهرها وبطموحه الجامح للسلطة، بفسادها ونرجسيته، لتفكيك العناصر التي صنعت الرابع عشر من آذار، وهذا ما بدا أنه تطوّع (تلقائياً؟) لتنفيذه. فهو منذ أن حط في مطار بيروت، حاول، (ربما من دون أن يدري ماذا يقدم)، حَرْف الأنظار عن مجمل أمور:
1) الانجازات التاريخية التي حققت، فلم يركز عليها، وتغاضى عنها، وكأنها لم تكن، 2) حَرَف الأنظار عن النظام الأمني ورموزه، 3) محاولة طمس حقيقة مَنْ اغتال رفيق الحريري، وتحويل الأنظار عن ذلك، 4) التهجم على أركان المعارضة والسكوت عن رموز نظام المخابرات، 5) التقرّب من النظام السوري بممالأته، وغض النظر عن ممارساته في لبنان، وحتى عن الخلاف معه، وهو الخلاف الدموي الذي أسفر عن نفي العماد ومنعه من العودة وقمع مؤيديه بوحشية، 6) فتح ملفات الفساد بالمنطق العضومي وقد نسي العماد أن ملفه كان من ضمن هذه الملفات وبعضه اتهامه بفضائح مالية، 7) تملقه لبعض فلول النظام الأمني من سياسيين وعسكريين، وتهويله بالتعاون معهم في الانتخابات، 8) استعادته خطاب التخوين بحق المعارضة، وهو الخطاب الذي خوّنته به واتهمته بالعمالة لاسرائيل، 9) اعتماده المنطق الالغائي (اعتمده في حربه مع جعجع) باختزاله المعارضة في شخصه الكريم، واتهام أركان المعارضة بمن فيهم الشهيد الحريري بأنهم ما كانوا يسعون إلى التحرير، باعتبار أنه وحده "المحرر" و"المنقذ"، وأبو المعارضة وأمها واخواتها وخالاتها وكنتها وجاراتها. وقد نسي أنه جاء إلى المعارضة في منتصف الطريق بعد كمال جنبلاط وصائب سلام (نفي إلى سويسرا)، وريمون إده (مات في منفاه)، وأمين الجميل (نفي 12 عاماً) والشيخ صبحي الصالح (استشهد من أجل السيادة) والمفتي حسن خالد... وكميل شمعون وبيار الجميل... ألغى الجنرال كل هؤلاء "الرواد" (وكان عندها قائداً للجيش. أي موظفاً مأموراً غير مسيس إلا بطموحاته الرئاسية)، ثم ألغى كل الذين صنعوا "انتفاضة" الاستقلال: من وليد جنبلاط إلى مروان حمادة والبطريرك صفير فرفيق الحريري مروراً بقرنة شهوان والقوات والكتائب (لاأقصد زميله كريم بقرادوني بالطبع أو ميشال سماحة ونادر سكر ورشاد سلامة...) المعروفين بإخلاصهم للسيادة أيام الغزو الاسرائيلي ثم الوجود السوري، 10) تشويه صورة المعارضة وتسفيهها وتلطيخ التحرّكات الملحمية التي شهدها لبنان على امتداد أكثر من شهرين بمن فيها الشباب، وبمن فيها ربما "تياره"، 11) الظهور بمظهر "المصلح"، ضمن اقتراحه برنامج عمل مشترك مع المعارضة. هذا جيّد! لكن المسألة الآن لا يمكن أن تتسع لمناقشة أفكار الجنرال وهي من ملمومات البرامج المرحلية للحركة الوطنية، والاقتراحات الاصلاحية لحركات كثيرة قدمت قبل نصف قرن، ويمكن أن نذكر في هذا المجال الأطر التنظيرية والفكرية للحركات الليبرالية كالحزب الديموقراطي، وحركة الوعي اللبنانية، وبعض الاصلاحات للحزب الشيوعي في مؤتمره الثالث... ونظن أن تركيز الجنرال على الجانب الاصلاحي، مقابل محاولة إلغائه الطبقة السياسية ومديح الطبقة العسكرية وحتى الأمنية يخفي أموراً عدة، منها تمويه رفع سقف مطالبه بعدد المقاعد، ومد جسور "مخفية" مع النظام الأمني المشترك، والمزاوجة مع هذا الأخير وتطلعات المجتمع المدني. على أننا، وإذ "نحاور" سلوكيات الجنرال بعد عودته "المدروسة" إلى لبنان (من قبل أهل السلطة وبعضهم في دائرة الاتهام بجريمة اغتيال الحريري)، فلأننا، وبرغم كل شيء، لا نرى الجنرال وتياره إلا ضمن صفوف المعارضة لأنه جزء منها (وليس كلها)، ولأنه دفع ثمناً لها (وليس كل الثمن)، ولأن مكانه الطبيعي لا يكون على منصة الاتهام مع بتوع النظام التابع، والفاسد، وهو النظام الذي حمل الجنرال إلى المنفى وحال دون عودته إلا "بشروطه". وإذا انزلق الجنرال إلى مثل هذه المنزلقات، بوضع نفسه في موقع "الموالين"، فستتساقط مصداقيته، وتذبل هالاته، وقد لا يكون مختلفاً عن رموز تلك المرحلة المعروفين. من هنا لا نريد الجنرال إلا في هذا المشروع التحريري الاستقلالي الذي لا بد أن يؤسس لسلطة مختلفة، ولنظام مختلف. فلا يفوتن هذه المناسبة التاريخية (وقد بدا أنه يتنكر لها وهو من صانعيها)، ويعزل تياره الذي بنى أثناء وجوده في باريس علاقات جيّدة مع الناس، ومع مختلف الأحزاب والتيارات الراسخة والجديدة.
فالتغيير المرحلي المطلوب الآن، يتصل بتحويل السلطة من سلطة معسكرة إلى أخرى مدنية، ومن استبدادية إلى ديموقراطية (بالشروط المتوفرة)، ومن تابعة إلى متحررة. وعلى هذا الأساس، يمكن المباشرة، وانطلاقاً من هذه المعطيات الجديدة، في العمل على إحداث تغيير، وعلى المديين القريب والبعيد، في مستوى البنى القائمة، والنظام الراهن برمته، بطريقة سلمية متمهلة، تقوم على تراكم الأفكار والخبرات والممارسات الحزبية والسياسية. ونتوقع عندها، أن تتأسس أحزاب جديدة، متنوّعة التوجه، فيعود الصراع من صراع طائفي. مذهبي إلى صراع فكري. ومن صراع غريزي إلى صراع معقلن، ومن تصادم المشاريع الماضوية إلى تنافس المشاريع الحاضرة والمستقبلية. وهذا يعني أن أي تغيير لا يتم إلا عبر الانفتاح على الزمن الجديد، بظواهره الجديدة، ومنتوجاته الجديدة، وتحوّلاته الجديدة، بحيث يصبح هذا التغيير فعلاً مستمراً، يتجاوز نفسه عبر قدرته على الابداع وعلى النقد الذاتي والموضوعي.
كل هذا لا يمكن أن يحصل بكبسة زر، أو بمجرّد بيان إصلاحي، أو انقلاب مفاجئ، أو معجزة إلهية، وإنما في توفير مناخات له، أهمها الديموقراطية، وحرية التعبير، وإتاحة الفرصة للمجتمع المدني بقول ذاته، وبتفسير ذاته، ورصد الوسائل لتحوله، وتفتحه، بعيداً عن أي طغيانية أو أحادية، أو انغلاق، أو غيتوية، أو مناخات معسكرة أو أمنية. بمعنى آخر، كل ما يتيح لمكوّنات المجتمع المدني أن تحقق ما تصبو إليه، وما تريده. وما تنزع إليه. وعلى هذا الأساس يمكن القول ان ما نعيشه اليوم أساسي، ومصيري، لأنه المقدمات الأولى للتغيير، والاشارات الأولية لكل احتمال بالتحوّل. وعلى هذا الأساس نرى إلى مشاعر الخيبة التي اعترت بعضهم، بالنسبة إلى انتفاضة الاستقلال، بأنها في غير محلها. بل ويمكن اعتبار ما يجري اليوم، من ممانعة النظام الأمني السابق، ومؤامراته، ومحاولات تخريبه، وشحنه الطائفي، ومن بلبلة في صفوف المعارضة، مجرّد مناخات طبيعية، تواكب كل مرحلة انتقالية، وكل عبور من موقع إلى موقع.
فالانتفاضة خميرة تحتاج إلى وقت لتصير خبزاً.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.