على امتداد العقود الماضية، لا سيما في العقد الأخير، كان هناك حركتان مضادتان تتصارعان بلا تكافؤ: حركة تسعى إلى "تأييد" الحروب "الأهلية" باعتبارها معطى أصلياً ملازماً للشعب اللبناني، وحركة تسعى إلى الخروج من هذه الحروب "الموقتة" لاستعادة المجتمع دوره، خارج لغة القتل والتصفيات والالغاء والعنف والتمزيق. واللافت (بل الطبيعي أيضاً) أن متبنّي ضرورة استمرار الحروب الأهلية، و"قدريتها" و"تأصلها" في العقول والنفوس والنصوص، كانوا مزيجاً من إرادة سلطة الوصاية، وأدواتها وأجهزتها، ومن تبعية "السلطة الأمنية" المحلية، بأدواتها وأجهزتها، يصطف حولها أرهاط من التابعين والانتهازيين والسماسرة والفاسدين والمضللين (أيضاً)، والمتواطئين وإن من ذوي "النيات" الحسنة، الطهور، الغفور، من أرباب النضال القديم، أو الكفاح الجديد، من دون أن ننسى (ولو!) بعض المثقفين والصحافيين من حملة الأقلام والمماحي الذين يستثمرون أصابعهم العقيمة المتخشبة، في هذين النظامين الأمنيين، بلحمها وشحمها وعظامها.
هؤلاء (اليتامى اليوم)، ولكي يُديموا سلماً أهلياً مفخخاً بالحروب الجاهزة، ولكي تخلو لهم ساحة الفساد، والسرقة، واعتماد الصناديق السوداء (من الكازينو، إلى الأمن العام، مروراً بالمرفأ والمطار والمشاريع، والنفط، والكهرباء، والخليوي، والخوات المتعددة الأشكال والأحجام)، كان لا بد من إرساء نظام مخابراتي ـ أمني ـ قضائي ـ سياسي، يحاول عسكرة المؤسسات، وأمننة البنى الاجتماعية والادارات والسيطرة على الاقتصاد والاعلام والمنابر والأصوات، لكي يتمكن من تنصيب هيكل استبدادي، قمعي، أحادي... يصب في النهاية في المناحي التوتاليتارية التي تتميّز بها أنظمتنا الاستبدادية المظفرة "من الأبد إلى الأبد"، يمسك بمجمل السلطات، ويدمر روح العمل الفكري والسياسي والنقابي (قُسّمت الأحزاب أو وُحِّدَت مقسمة، فُتّتت النقابات، دُمّرت الهيئات الأهلية)، لضرب كل شكل من أشكال الممانعة، أو المناعة، أو المقاومة أو الاحتجاج...
وهكذا بات عندنا سلطتان في سلطة: سلطة وصاية وأخرى مُوصى عليها، سلطة مهيمنة وأخرى مجرورة خلفها، إلى درجة بتنا نتمتع بما لا تتمتع بها أعتى الأنظمة الاستبدادية: نظامان قمعيان يمارسان طغيان على شعب واحد. أو شعب واحد عنده نظامان أمنيان (بحمده تعالى وبحمد العروبة والقوميات على اختلاف مشاربها ومبالعها)، نظامان أمنيان، الأول الوافد متأهل في ميدانه منذ نصف قرن، والثاني البلدي في طريق التأهل على أيدي خبراء القمع، والكبت، والقتل، والفساد! فماذا نريد أكثر من هذا! والله، إنها لنعمة فريدة اصطُفينا دون سائر الشعوب للتلذذ بفاكهاتها وثمارها وفراديسها.
هذان النظامان الأمنيان، وعبر تكاملهما "الفوقي" كان لا بد لكي يُطبقا على كل المقدرات، وعلى كل القدرات والمقوّمات، وضعا في استراتيجيتهما "الثابتة" (بما أنه زمن الثوابت، وأي ثوابت وأي متحرّكات!) خطة لا تليق إلا بخطط "جمهوريات الموز والفستق والخس"، تتلخص ببعض النقاط التي دأب على تنفيذ بنودها:
الانقسام
1 ـ إبقاء حالة الانقسام الطائفي والمناطقي، والاجتماعي وتغذيتها وشحنها، لمنع أي حوار طوعي بين الناس. أي محاولة إبقاء مناخات كانتونية غير معلنة في "ظل" "وحدة وطنية" هشة، يتحكم بها النظام الأمني، بحيث تخفي في تضاعيفها بذور فتن وحروب محتملة. وهذا يعني شلّ حركة المجتمع، والحؤول دون استرداد مقوّماته وأدواته، وتعليقه على شفير "هاويات" لا تنتهي، ليعلن بنفسه أنه في حالة طوارئ أرساها النظامان وموّهاها بشعارات الحرية والديموقراطية والعروبة والتصدّي "للمخططات الخارجية" لا سيما الصهيونية منها... وسواها ممن يتطلبها كل "ظرف" مستجد، وكل حالة على "حدة".
2 ـ وفي هذا السياق "النضالي" كان لا بد من عسكرة "النظام". من أول إدارة مدنية إلى آخر بند من بنود القضاء: من الأمن العام، إلى الوزارات، إلى الحكومة، وإلى الأحزاب (الموالية)، فإلى النقابات... فتكون كلها حلقات متصلة مربوطة بالأجهزة الأمنية وبرؤسائها "الأبطال" (في ساحة الوغى). وهكذا أزيلت الحدود بين مختلف هذه البنى، ليكون الموظف الأمني "مرجعاً" في الاقتصاد، وخبيراً في المال والبنوك، ولِمَ لا في الثقافة، والنفط والكهرباء... والاتصالات. وهكذا أمننت السياسة، وتسيَّس الأمن، وتعسكر القضاء، وانتهكت القوانين والدولة والناس والحريات.
استباحة
3 ـ هذا الإمساك بكل شيء، واستباحة كل شيء، جعل النظام الأمني يلجأ إلى مختلف أشكال الارهاب والترهيب والتهويل والتهديد بفتح الملفات، واختلاق التهم، ليصبح القانون، والدستور، والقضاء، والعدل، مجرّد "ألعوبات" يتحكم بها النظامان (المهيبان)، ليفرض على المجتمع سياسة قبضة الحديد، وفي ظنه أنه ينجح في قتل روح المجتمع، وطمس تعدديته، وإعدام كل نَفَس احتجاجي، أو معارض، سواء في الادارات العامة والخاصة، والحكومات، أو حتى في البرلمان... وفي الاعلام. أي اتباع سياسة كمّ الأفواه والعقول والنفوس، وممارسة كل ما من شأنه قتل أي بارقة أمل في التغيير أو في المطالبة بالاستقلال والسيادة واستعادة الجمهورية من أيدي الاستبداديين... أي محاولة تيئيس موصوفة!
4 ـ محاصرة كل تحرّك لبناني باتجاه أي آخر خارجي لكسر سياسة الاستفراد بالورقة الداخلية، والانفتاح الخارجي، أي محاولة جعل علاقة لبنان بمحيطه العربي والدولي من اختصاصات النظام الأمني الاقليمي، سواء في المؤتمرات الدولية، أو المنتديات، أو القرارات. فلبنان غير موجود إلا عبر نظام الوصاية. وحتى انتماؤه العربي لا يكون عربياً أصيلاً مؤصلاً إلا إذا مرّ عبر دفعة الوصاية ومخابراتها وإراداتها. فلا ورقة لبنانية خارجية مستقلة (لأن ذلك يعني خروجاً على سياقات النضال والانتماء وارتماء في أحضان الخارج "البغيض" و"مخططاته" المشبوهة ضد من؟ الأمة العربية! وهكذا صار وزراء خارجيتنا المتعاقبون مجرّد "غارسونيية". ولأن السياسات الخارجية في عالمنا العربي ترسمها بدقة "الأجهزة" (العبقرية) لا أهل السياسة (باعتبار هؤلاء ملحقين بالأجهزة)، فتأملوا أي علاقات، وأي سياسة، وأي استراتيجيا؛ (والدليل هذه الانتصارات الديبلوماسية المظفرة التي حققها النظام الأمني عبر هذه العزلة العربية والدولية هيبته المفروضة عليه).
5 ـ محاربة كل شخصية سياسية أو هيئة أو شريحة، يمكن أن تخرج على "الطوع"، إما بتنفيذ إنجازات إعمارية أو اجتماعية، أو شعبية، أو بمحاولتها إقامة حوار خارج المعادلة المفروضة أي خارج ما يُهدد "التماسك" الكانتوني الذي يحرص النظام الأمني على إبقائه. بل والأخطر محاربة كل من يكسر الحدود بين "القوى" الداخلية بغية حوار أو تلاقٍ، لكي لا تزول، بفعل هذا اللقاء، "حالات" الحرب المعلقة فوق الرؤوس. ولعل هذا ما دفع ثمنه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، عندما أراد أن يفتح النوافذ والأبواب اللبنانية على بعضها! وكذلك عندما أراد التميّز بشيء من الاستقلالية والمبادرة في علاقاته الخارجية. وقد رأى نظام الوصاية وتابعه اللبناني أن الحريري بات يشكل، من خلال "حضوره" الداخلي القوي، وحضوره "الخارجي" القوي. ومن خلال مشاريعه التنموية، خطراً كبيراً عليهما. فحورب كما لا يحارب أي عدو! حتى اغتيل في ظن القتلة أن هذا الاغتيال (وقبله محاولة اغتيال مروان حمادة، وتهديد وليد جنبلاط والصحافيين والكتّاب والزعماء)، سيمر مرور الكرام، تماماً كما مرت سائر الجرائم السابقة. لكن الظن هذه المرة لم يكن في محله. أخطأت "العقول" الأمنية (وهي أصلاً فارغة وفاسدة وجاهلة وقصيرة المدى)، أخطأت بالحسابات والتوقيت وأدوات الجريمة ومحاولات التضليل وإخفاء الأدلة واختلاق فاعلين "وهميين"... انتكس النظام الأمني المشترك ووقع في الفخ الذي نصبه. وكانت شرارة الانتفاضة. انتفاضة الشعب على نظام كامل من الاستباحة والقتل والنهب والسرقة والفساد والهيمنة والعسكرة والأمننة، انتفاضة شعب توحد لاسترداد وطنه، وحريته، وسيادته، واستقلاله ووجوده، وكشف حقيقة مَنْ قتل زعيمه الكبير، وروحه النضالية العالية، الذي حقق بموته ما مُنع النظام الأمني الاستبدادي المشترك من تحقيقه:
الوحدة
1 ـ الوحدة الوطنية الطالعة من عمق الضمير الشعبي. وحدة "تحتية"، تجلت في الاعتصامات والتظاهرات التي ضمت لبنانيين وخصوصاً شباباً كسروا الحصارات الكانتونية التي وضعوا فيها، على امتداد عقود، والتفوا تحت رمزين: صورة رفيق الحريري والعلم اللبناني. وعلى هذا الأساس يمكن الكلام على منحى تأسيسي لهذه الوحدة يمكن أن يتجاوز الأطر الفولكلورية والثنائية والطائفية إلى معطيات ثقافية وتاريخية وسياسية عضوية.
"صورة"
2 ـ كسر "صورة" الشعب القاتل والمقتول، الهاجس الدائم بصنع الحروب الطائفية والمذهبية، وعاشق الحرية، ومرتكب المجازر والتهجير، إلى صورة أخرى تتجاور في خطوطها التوق الكبير، البلا حدود، لسلم أهلي غير مفروض من فوق، ومهدد من فوق أيضاً. أي كسر الصورة التي رسمها لنا كل وافد يدخل علينا لإنقاذنا، وتعليمنا المبادئ السياسية والديموقراطية والانسانية. وهذه "عدّة" الاستعمار المعروفة التي ورثها الطامعون فينا، من ذوي القربى وصولاً إلى ذوي المطامح العدوة وأقصد المطامح الصهيونية.
3 ـ بروز الشباب كعنصر حاسم في كسر تاريخ طويل من البقاء في الظل، أو الخضوع لالزامات "الظروف التاريخية"، أو التمزق في جغرافيات ممزقة، أو التحرّك في رمال متحرّكة. أي أن العنصر الشبابي الذي تفجر خارج الدوائر المرسومة، وخارج الأنماط التي حفرته الحروب والعنف والانغلاق. وها هو، وبأصابع واثقة، وكأنه يطوي صفحة الحرب، لا ليعلن حروباً أخرى من طبيعة أخرى، وإنما ليعلن مرحلة جديدة، لا بد أن تنبثق منها أشكال من النضال، وضروب من الأفكار، والانتماءات، والبنى، والأطر وحتى الأحزاب، التي تتخطى ما ألفناه في مفهوم الأحزاب، من مناح "غيتوية" وفكرة واحدة، ولجان مركزية، ومكاتب سياسية، وأحادية.
كأن الشباب، وبعد تداخل المناخات المتنوّعة، خرج بوعي حاد في طرق فهم الواقع، ومن خلال اللقاءات والتفاعلات التحتية، على امتداد أكثر من شهرين، وهذا من شأنه أن يبلور كثيراً من مفاهيمه الموروثة أو المتجددة، لرسم ملامح جديدة للتغيير، وللصراعات القائمة أو المفروضة. بمعنى آخر بدا ان الشباب بات يريد صنع "أفكاره"، و"معتقداته"، بعيداً من متطلبات الانسياق أو التبعية أو القبول.
ولهذا يمكن القول ان الشباب الذي كان عصب التحرّكات وجسدها، "فاض" على الأحزاب والبنى الطائفية والمذهبية والمناطقية والاقطاعية. تقدمها، وها هي تلهث وراءه بمحمولاتها وأثقالها، وإن ما زالت تحتفظ بقوتها وفاعلياتها وآثارها القوية على الواقع. إذن لبنان الجديد من "صنع الشباب اللبناني". من أنفاسه، وصدقه، وتوقه إلى الخروج من المعادلات القديمة، العتيقة، التي تحكمت بسلمه تحكمها بحروبه، والتي استخدمت كذرائع في إبقاء الوضع متجمداً، وكذلك في النفاذ منها إلى حالات الحروب والمشاريع التقسيمية والاستبدادية.
تفاعلات
4 ـ وهذا يعني، وفي العمق، أن الأفكار باتت تكتشف في تفاعلات المجتمع، وفي تضاعيف المقوّمات، وفي مادة الواقع، بدلاً من أن تسقط إسقاطاً من تجارب ايديولوجية، وفكرية، وسياسية، بشكل فوقي واعتسافي. وهذا يعني، أن المجتمع (الشبابي) يريد أن يكون النظام على صورته، وليس المجتمع على صورة النظام، كما هي الحال في الأنظمة الاستبدادية، والدكتاتورية والعنصرية التي تقولب الناس والواقع والمجتمع على صورتها. فهل سيكون لبنان على صورة مجتمعه الشبابي وغير الشبابي؟
5 ـ المشهد الاستقلالي لم يعد من رسم النخب السياسية برموزها التاريخية. ولا نتيجة مساومات أو اتفاقيات فوقية، أو حتى نضالات شخصية أو فردية. صار المشهد الاستقلالي أنأى من أي نخبة. صار من صنع المجتمع كله. والشباب ومعظمهم بل كلهم لم يعرف مذاق الاستقلال ولا الحرية منذ ولادته، ها هو يكتشف بيديه استقلاله، ويرفعه عالياً على أكتافه وآماله، ممثلاً بالعلم الواحد الذي صار رمزاً لهذا الاستقلال، ورمزاً للوحدة الوطنية... فانتقل بذلك من تحكم النظام البائد والرسمي إلى علم يخفق في أيدي الناس. صار علم الناس بعدما كان علم "السلطة". صار علم لبنان بعدما كان علماً غامضاً، ملتبساً بلا معنى، ولا انتماء، ولا ناس. ولذا، وكما أن الاسقلال يُصنع (يومياً) فإن العلم أيضاً يصنع يومياً. والشباب هم الذي صنعوا "الاستقلال الثاني" و"العلم الثاني"...
العروبة الجديدة
6 ـ ومن الأمور الأساسية التي تبلورت عنها التحرّكات الجامعة، هي نقل مفهوم العروبة من المواقع الرسمية والأنظمة إلى مواقع القواعد الشعبية. ذلك أن الذي يتحسّر على "العروبة" (بعد التظاهرات) ويخاف عليها، خصوصاً بعد خروج القوات السورية من لبنان، إنما يخلط بين العروبة والأنظمة. ولا نظن أن العروبة ولكي تكون عروبة عليها أن تمر بأنظمة المخابرات والقمع لترسخ ذاتها، العروبة تقترح كل يوم كمشروع مفتوح. أو كمفاهيم لا تتوقف عند فكرة ثابتة. فهي ليست ايديولوجيا مغلقة، وليست معطىً متجمداً. وليست قرارات "نخبوية" حاكمة أو غير حاكمة. ولهذا نقول للرئيس الحص "لا تخف على العروبة" (ولا تربطها بأي جماعة أو بأي نظام). (فالأنظمة العربية صفت ارث العروبة وصادرت القومية العربية)، من هنا نقول ان عروبة ديموقراطية شعبية ولدت في بيروت (بعد أن حاول مدعو تمثيلها دفنها في أراشيف الأجهزة والدكتاتوريات). عروبة شبابية، تتجدد باستمرار ارتباطاً بالتحوّلات التاريخية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. عروبة الواقع المتغيّر لا عروبة التواريخ البائدة. عروبة الناس لا عروبة النخب. عروبة الحياة والاحياء لا عروبة الموت والموتى. فاطمئن يا دولة الرئيس: لم تضرب العروبة في روحها وفي قسماتها وفي انتماءاتها كما ضربت في العقود الماضية، ونظن أن علينا توجيه تحية إلى الناس والشباب الذين، وبرغم القمع والاستبداد والفساد التي "أنجزت" باسم العروبة، بقوا على إيمانهم بها كشرط جامع لكن، كمعطيات متعددة. وعلمونا أن ليس هناك عروبة واحدة أبدية. وليس هناك هوية واحدة أبدية، بل هناك عروبة، تختزن في داخلها كل أشكال التنوّع والتطوّر.
7 ـ وكما أطلقت هذه التحرّكات مقاربات جديدة للواقع وللعروبة، ها هي تشق دروباً جديدة داخل "الأيديولوجيات" التقدمية واليسارية واليمينية والقومية. فمقابل فشل الأحزاب التاريخية في التعاطي مع الظواهر الراهنة، لاعتمادها الأساليب البالية، المتقادمة والمتجاوزة، ها هو اليسار يخترق جدران الطائفية والايديولوجيات الجدارية الاسمنتية، ليكون أحد التعابير الحية والطازجة عن تطلعات الشباب نحو التغيير الديموقراطي، الذي يصنع أدواته من قماشة المعيش، والحياة، والمتطلبات الراهنة.
يسار ديموقراطي من صنع الاعتمالات والتناقضات واختزانات الحاضر والماضي والمستقبل، من ضمن أطر تتجاوز الحزبية المغلقة، والتعاطي الفوقي. يسار ديموقراطي كان له دور بارز في الحراك الشعبي والشبابي الراهن، ودور بارز في محاولة صوغ ثقافة سياسية وفكرية ووطنية جديدة، لا تنفصل عن المتحوّلات التي تعصف بالعالم، وتساهم في صنعه. إنه اليسار الذي لا يكتمل في الماضي، وإنما يتبلور في المستقبل، باعتبار أن التاريخ بقدر ما هو وراءنا، هو أكثر فأكثر أمامنا.
اللقاء الشيعي
8 ـ ولعل من أبرز الظواهر التي انضمت إلى "انتفاضة الاستقلال"، ولادة "اللقاء الشيعي اللبناني"، الطالع من الثراء التاريخي المتنوّع والطويل لهذه الطائفة. ونظن، كأن "خاتمية" لبنانية إصلاحية جديدة، تقدم وجهاً آخر للنضال الشيعي اللبناني، وتطلعاً متميّزاً لارتباط الجماهير باستقلالها، وبنسيجها الوطني. ولعل ما يطمئن إلى ديموقراطية هذا اللقاء، ووطنيته واستقلاليته، وجود قامة تنويرية عالية على رأسه متمثلة بالسيد محمد حسن الأمين، المنقشع الفكر، والمنفتح، والصافي، حامل الانتماء العضوي إلى وطن مستقبلي، ووحدة وطنية داخلية. إضافة إلى الزميل نصير الأسعد، ذي التجارب العميقة في أمور النضال التغييري، على غير عسف وقسرية وأفكار مسبقة. ونتذكر هنا الدور الذي لعبه الامام موسى الصدر، في بدايات الحرب، وكان دوراً سلمياً موحداً حاول عبره، وبالوسائل الشتى، الحد من الاندفاع نحو العنف الطائفي، ومناخات التقسيم، وأمراض الطائفية والمذهبية. ونظن أن هذا اللقاء الشيعي المتقاطع مع الانتفاضة، هو جزء منها، وعلى نقيض من الحراك "القديم" الذي ساد على أيدي النظام الأمني المشترك، والذي كان يحاول صوغ مشاريع افتئات، وحروب، واحتمالات حروب دائمة. إنه الوجه الآخر المكمل لانتفاضة الاستقلال بعلاماتها الديموقراطية والوطنية.
9 ـ وكلامنا على اللقاء الشيعي اللبناني، لا بد أن ينسحب، على مجمل الملامح التي رسمتها الانتفاضة، كثورة على التبعية، والعنف، والاستبداد والهيمنة، والفساد، والنهب، والطائفية، والكانتونية، والتقسيم. ذلك، أن الحركتين المضادتين: الأولى (كما أشرنا في بداية المقال) تتمثل في استبدادية النظام الأمني، وقمعه المجتمع المدني وأدواته، وتشبثه بالاستتباع والدونية، والثانية هي التي صنعها الشباب، في ساحة الشهداء، وكانت من الاشارات الدامغة والحية، ومن التباشير الحية لقيامة لبنان آخر، واستقلال آخر، وديموقراطية أخرى، وحرية تكتنز من الأفكار المتقدمة اكتنازها من الانتماءات المفتوحة، والعروبة المفتوحة، وأشكال التجاوز المفتوحة.
10 ـ هل نحن "طوبويون" متفائلون أكثر من اللزوم، ربما نعم وربما لا! ونحن نعرف أن الثنائي المعارضة ـ الموالاة، إلى انخراطه في اللعبة "الجماهيرية" من ضمن القواعد المألوفة، إلا أنه سيحاول استيعاب هذه الظاهرة الشبابية، الاستقلالية، والديموقراطية، أو تبديدها، أو مصادرة "حيويتها"؛ هذا معروف. لكن هذه الظاهرة الملحمية لا بد من أن تقفز فوق المعارضة والموالاة، وفوق سائر القوى الثالثة أو الايديولوجية، لتنتج، (وربما بصعوبة) أفكارها، ووسائلها وأطرها، واستقلاليتها. بل ونظن، أنه وبفعل هذا الزخم التاريخي، ستحاول القوى السائدة، أن تعيد النظر بكثير من منطلقاتها الفكرية والطائفية والهيكلية، وعلاقتها بالناس، وبالواقع. وهي اعترفت أصلاً (سواء استيعاباً أو تزلفاً) بأن "الشباب تجاوزوها". وهم أمامها. أي أن هؤلاء الشباب، في معظمهم، لم يعودوا أبناءهؤلاء، بل صاروا آباءهم. ولم يعودوا وراءهم بل صاروا أدلائهم إلى صوغ مفاهيم أخرى للسياسة، وتجديد المقاربات التاريخية البائدة. والوسائل التي عفا عليها الزمن.
ما جرى أخيراً، هو الصفحة الجديدة التي علينا أن نقرأها بجدية وانفتاح وتماهٍ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.