13 نيسان 2005 لم يكن انقلاباً على الذات اللبنانية وانما انقلاب على الصورة التي وضعها الآخرون عن الذات اللبنانية على امتداد ثلاثين عاماً من الحفر والتشويه والتسفيه والتقطيع. صورة رُسمت بالدم والقتل والمذابح دأب الذين صنعوا حروبهم، عندنا وبتواطؤ مع بعض الواجهات المحلية، على رسمها من دون ملل أو كلل أو رحمة، حتى بات الشعب اللبناني في ذهن الشعوب العربية والعالم مجموعة "شعوب" طائفية مريضة، مضروبة في صميمها، غير قابلة للشفاء.
وقد جُعل "صُنّاع" الحروب، والجلادون ممن وفدوا إلى لبنان تحت سُجُف التبريرات والمطامع الشتى، ملائكَة الانسانية، ومنقذينا من آثامنا وخطايانا، ومخلصينا من جيناتنا وذواتنا الشريرة "الأمّارة بالسوء". فهم ملائكة الرحمة بامتياز!
ويكفي أن نستعيد "رسائل" هؤلاء الوافدين من أول نظام عربي إلى آخر جندي اسرائيلي، مروراً بالتنظيمات والحركات والقوى، حتى نستعيد صورتنا التي وصل الأمر بهم إلى اقناعنا بها، لنعرف إِلى أي مدى ألحق هؤلاء الضرر بنا، لا من حيث تدميرهم البلد من أقصاه إلى اقصاه، ولا من حيث ارساء احتلالات متنوعة ولا من حيث إلغاء الدور الريادي لبيروت، والدور الثقافي الطليعي لها، وانما أيضاً في اسقاطنا جميعاً في مشاعر البؤس واليأس والذنب، حتى بتنا نخجل من كوننا لبنانيين، ونخجل حتى من انتمائنا إلى المحيط العربي وحتى إلى الانسانية!
ونظن أن هذه الصورة الدونية التي وُضعنا في قسماتها وتحافيرها طويلاً، ورثها كل الذين "شرّفونا"، من العقلية الاستعمارية الغربية التي سادت قروناً، والتي كانت ترى في كل شعب تريد استعماره شعباً متوحشاً، بربرياً، قاصراً عن التعايش وحكم ذاته وقد قصدته لتعلمه كيف يعيش وكيف يسوس أموره وكيف يحترم بعضه، وكيف يتحضّر، ويتأنسن:
هكذا رسمونا طويلاً: الموبقات تلصق بنا، ونُحمّل مسؤوليتها (بالقوة)، والحسنات لهم يجترحونها لنا، حباً بنا، وشفقة علينا وخدمة لنا.
ولو عدنا بالذاكرة الى بعض ما وَصَفنا به هؤلاء، منذ 1975 وحتى الآن نجد أن فحوى قولهم هو التالي: اللبنانيون جرائمهم منهم. ومجازرهم صنع ايديهم، موزعون قبائل وشعوباً وطوائف تتناحر. وعندما، حدث "الانقلاب" على هؤلاء الذين يمكن اختزالهم بأنظمة الوصاية، قالوا إن هذه الحركة الشعبية السلمية، والانتفاضة الاستقلالية، والمطالبة باسقاط الاستبداد، وبكشف حقيقة من اغتال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مؤامرة من الخارج، وارتهاناً بأميركا واسرائيل، وخروجاً على "العروبة" (هل من يدلنا على نظام عروبي واحد؟) وشروعاً في حرب أهلية مدمرة...
فشرورنا منا، وانضمامنا الى الحرية من صنع الخارج. وفي الحالين استمرار في تأكيد الصورة الدونية والمشوهة للبنانيين، استمرار في تبني العقلية الاستعمارية ازاء الشعوب المُستعمرة.
لكن 13 نيسان 2005 والمتصل بالشرارة التي اطلقها اغتيال الحريري، كان الانقلاب الكبير والشامل والسافر والجلي والواضح على الصورة المشوهة التي رَسَمَنا بها هؤلاء. ولعل تراكم الذل والكبت والتظاهر بقبولنا ما فُرض علينا من "قسمات" "ابدية"، هي التي فجرت هذه الطاقات و"المكبوتات" والارادات والمشاعر والمواقف، انها حركة "تصحيح" الفكرة عن ذواتنا، تصحيح الصورة. ترسيم الحقائق المطموسة، والتواريخ المسبية، والجغرافيا الممزقة، فالذين ما عادوا يتعرفون الى ذواتهم نفضوا الغبار عنها ليروها مجلوة. الذين سكتوا عن الاساءات التي ضربوا بها صرخوا. والذين قُيّض لهم ان يدفنوا احلامهم في أقبية نفوسهم، نبشوها وأخرجوها من القبور وكأن كل لبنان تماهى بالعازر. وكل لبناني انضم الى مواكب القيامة. وهذا ما يفسر والى حد كبير، هذه الطاقات التي يبدو أنها لن تستنفد قبل أن تستعيد ملامح الوطن الحية، وقسماته الانسانية والحضارية والسياسية التي تبناها طويلاً، وانتُزعتْ منه بقوة الاستبداد والطغيان والبطش والاحتلالات المتنوعة.
على هذا الاساس نرى في 13 نيسان 2005، وما سبقه منذ اغتيال الشهيد الحريري، وما مهد له على امتداد العقد الأخير، و كأنه حلقة واحدة موصولة، متبلورة، ومتصاعدة، تتلخص في انتفاضة المجتمع المدني المكبوت والموطوء من أجل نفسه. والذين دأبوا على اعطائنا دروساً في عروبة (خانوها)، ووحدة (فككوها)، ومقاومة (ضربوها) وحضارة (امتهنوها)، ها هم في الموقع الأصلي المكشوف، ها هم في الزمن الذي ينتمون اليه. حتى، وبفعل الزخم المستمر لإجلاء صورتنا عن أنفسنا، انكشفت مواقع هؤلاء، فاذا بهم في العالم القديم البالي، العفن، المنتن (عالم الجثث المهترئة)، وها الانتفاضة في العالم الآتي. في العالم الجديد، اذا، هو صراع بين عالمين، ومجموع قيم، ومواقع، وافكار، بل هو صراع صُوَر وكادرات وفضاءات:
الاستبداديون جعلهم استبدادهم في لحظات ثابتة، متخلفة، موتورة، يدافعون عن امكنتهم المتداعية، والانتفاضيون دفعتهم انتفاضتم الطازجة، الشبابية، الى المواقع الامامية، الى القيم الحضارية، والديموقراطية، والاستقلالية الجديدة. فـ13 نيسان 2005 هو ربيعهم، بكل نضارته، وضوئه، وانقشاعه، ووضوحه هو ذلك الربيع الذي يبدأ ربيعاً ولا ينتهي ربيعه، هذه هي ارادات الشعوب: الربيع المقبل باستمرار، الربيع الدائم يظلله علم يشبه كل وردة. وكل ثمرة وكل شجرة. وكل ينبوع وكل شاب وطفل. (أخذ علينا احد الشعراء قولنا في مقال "وفجأة اكتشفت كم ان علم بلادي جميل، اخذ علينا هذا الغراب المشهود له بنعيقه النرجسي حبنا لِعَلَمنا، وقد اكتشفنا هذا العلم عندما انتقل من تحت ارجل الوافدين والميليشيات الى ايدي الانتفاضيين والناس. ذلك ان هذا الشاعر ـ البومة لو كان يحب علم بلاده وبلاده حقا لأحب كل الاعلام الأخرى. الى هذا الممروض بذاته الذي وصف المتظاهرين بالاغنام نقول: ان هؤلاء هم الذين ينتفضون على سياسة القطعان، وعلى منطق استفتاءات الـ 99.99. الى هذا المرابي الثقافي نقول: لم نعرفك سوى خروف بين الخرفان. وغرابا بين الغربان، ولست انت الموطوء بالذل والخنوع من يُعَلّمنا كيف ننتفض وكيف نثور. ولست انت الكاره للبشرية من يعلمنا حب الشعب السوري، فهؤلاء اهلنا، واحبابنا، واخوتنا بالتاريخ والدم والمشاعر والمصير).
عالمان اذا يتواكبان في ربيع 2005. عالم ما زال قابعا في مناخات "ربيع 1975، وآخر يريد ان يصوغ و يستعيد او يعيد رسم صورته، وحريته. عالم ديناصوري متسلل من عفن الانظمة الاستبدادية ورواسبها المحلية، وادواتها المخابراتية، ووسائلها القسرية، ومناخاتها "الطوائفية"، وآخر يرى الحاضر مشروعا دائما كمستقبل، عروبة الخمسينات المتجمدة في اقبية القتل والتعذيب والترويع والارهاب، وعروبة منتفضة في شوارع بيروت، مطلة بناسها، متجلببة بديموقراطيتها، مجلوة بحريتها، مغسولة بحضاريتها، محمولة بأصوات الملايين، مدفوعة بايمان الناس بأن الانظمة والاحزاب التي اغتصبت السلطة باسمها ثم دفنتها في اراشيف المخابرات، لم تنجح في قتلها، فالعروبة الشعبية الحية كمشروع مركب لا ينتهي، انتفضت مع المنتفضين، صرخت بالحناجر الفتية التي تريد ان تصوغ عروبتها غير الرسمية، وهويتها غير المميتة، انبعثت وحدها بكل طاقاتها المكبوتة.
ومن يتابع اليوم التداعيات التي حدثت بعد استشهاد الحريري، وصولاً الى الاستحقاقات الراهنة، يُعد وبكل بساطة، اكتشاف هذين العالمين: سلطة "متعربنة" زوراً بأنظمة ازهقت العروبة، ما زالت برغم وهنها وهزيمتها، تخطف "الاستحقاق" وتخون ارادة الناس (كعادتها على امتداد عقود)، وتشوِّه الانجازات والاحلام التي جسدها الشارع اللبناني، وتلجأ الى مختلف الاساليب البائدة، الطغيانية، والمخابراتية، لتؤخر سقوطها الاخير، او لتزور الواقع الذي صنعه الناس عبر انتفاضتهم، وتسفّه الروح الملحمية التي تجلت في الحركات الشبابية، وفي المقلب الآخر اناس من كل المشارب والمسالك والطوائف والانتماءات، يصرون على استكمال المشروع التحريري، والديموقراطي، والسياسي، لمحاولة رسم صورة جديدة للبنان آخر، لوطن آخر، ولزمن آخر، حفنة من فلول النظام المخابراتي البائد تسعى بالحيلة، والنصب، الى التأكيد ان الوصاية ما زالت وصية، وان انتفاضة الاستقلال ستواجه الحائط المسدود، مشفوعة بالتهديدات وتفجير السيارات وخلق اجواء حروب وتوزيع اسلحة وترويع، لترسيخ الصورة التي وضعها عن الشعب اللبناني، كل الذين وفدوا الينا بأطماعهم المفجوعة، وبشعاراتهم الكاذبة والفارغة. انه الانقلاب على الانقلاب. محاولة انقلاب الاوصياء والبقايا والرمم والقبعات والأمن على انقلاب المجتمع المدني على انقلابهم. انقلاب العزلة يقوم به فاسدو النظام الامني المشترك، قتلة رفيق الحريري، ومحاولو قتل مروان حمادة، ومغتالو روح الوطن، ونهابو خيراته، وسالبو آماله، ومنتهكو قوانينه ودولته في مواجهة انقلاب المجتمع على صورته التي رسمها لها هؤلاء المشوّهون، وعلى الواقع الذي فرضه هؤلاء عليه و"الانقلابان" الشعبيان (ويا لمفارقة ضم العبارتين) ولكي يستكملا او يلتقيا، لا بد من تغيير ما تكرس زورا، اي محاولة نقل المجتمع من موقع الاسير والمصادر الى موقع المتحرر، ومن موقع الانئسار بالمعطيات الآتية الى موقع النهوض عبر تفاعل القوى المتنوعة بمشروع مستقبلي نهضوي، يعيد التوازن الى العلاقة بين الشعب والسلطة، بين القانون والعدالة، بين الدولة والنخب، بين القضاء والسياسة، اي تحرير الناس من مخلفات العسكرة، وتيجان "بتوع" الامن، والتشبت باستحقاق انتخابي تطرح فيه مشاريع "لبنان الجديد"، واحلام الشباب الذين صنعوه، وتحطيم مفهوم الدولة القائمة على المحاصصة، وتبادل الفساد، والاستغلال، والاقطاع، والتبعية.
وعندها يكون ربيع 1975 آخر ربيع اسود، وآخر ربيع أَنبتَ زهوراً مسمومة ووجوهاً مجدورة، وعقولاً مجرمة، وأوهاماً قاتلة، وزرقة مغشوشة، وعندها يكون ربيع 1975 آخر ربيع لا ينجب ربيعاً مثله. وعندها يكون ربيع 1975 آخر ربيع ترسم فيه صورتنا بالوحل والدم والقيء والقاذورات.
عندها نكون جديرين بربيع 2005، ربيع عودة لبنان الى لبنان، والشعب الى الشعب، والحياة الى الحياة، والحلم الى الحلم، والمجتمع الى المجتمع، وعندها بالذات يكون ربيعنا الاول هو الربيع الذي لا بد ان يولد كل يوم، تماما كما ولد هذا الربيع، من ربيع الانتفاضة الاولى رفيق الحريري، هذا الحي، النضر، الذي ومن وراء موته، ومن قلب ضريحه، هزم غربان القتل والاقبية، ومغتالي الحلم، وسَفَكَة الوطن.
اذا ربيعان: واحد ينضر قرب مسجد الامين، وآخر ينضر في ساحة الحرية التي تبدأ من هناك، ولا تنتهي في اي بقعة من بقاع الوطن، ربيعان في واحد ربيعان في نيسان واحد.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.