قيل إنها معارضة. وقيل إنها "معارضات" وقيل انها ما خلفته "السلطة" خارج السلطة.
وقيل إنها ما صنعته "الأيدي الخارجية" وقيل إنها تحالفات آنية مصلحية، انتهازية تسعى إلى الوصول إلى السلطة، ثم "تفرنقع" ويعود كل منها إلى قواعده "الطائفية" سالماً أو غير "سالم".
هذا الكلام قد يكون صحيحاً اذا أُخذ من الاعتبارات التقليدية والعادية وبموازنات الصراع بين موالاة موجودة بقوة ارتباطها بالحكم والأجهزة وأكثرية نيابية (مشكوك في اكثريتها)، وبمعارضة موجودة بقوة بعدها عن الحكم والأجهزة.
وهذا الكلام قد يكون صحيحاً اذا خضع لقواعد "اللعبة" السياسية السائدة والمألوفة ابتداء بالمناورات، وصولاً إلى مختلف أشكال الضغط حتى الابتزاز لتكون المعارضة الوجه الآخر للموالاة، والموالاة الوجه الآخر للمعارضة.
لعبة مرايا يسمونها "تداول السلطة" (وقُمْ لأجلس مكانك)، من دون أدوار استثنائية أو "تاريخية" أو غير عادية: لعبة تبادل الأدوار والمكاسب والسلطة والتسلط والحكم والتحكم...
كل هذا صحيح. عرفناه وخبرناه وكابدناه ورفضناه.
لكن يمكن القول أيضاً انه "كان" صحيحاً، (بالتشديد على "كان")، كان صحيحاً عندما كانت كل الأمور مقبولة، وكان الجميع يتحركون تحت سقف "الأمر الواقع"، ضمن قواعد قائمة على التواطؤ والخضوع وفي افضل الأحوال.. الانتظار.
لكنه يبدو أن كل هذه الأمور اللازبة قد "تغيرت" أو في طريقها الى التغيير وان الأدوار قد تبدلت، والناس التي "انتظرت" تبدلت في انتظاراتها، وان كل ما كان يعتمل في دواخلها ويتراكم على مدى عقود، كان يصوغها بصمت، يصوغ لها دوراً أكبر من ادوارها الصامتة، أو الصابرة أو المقبلة.
واللحظة التي أغتيل فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم تكن سوى الشرارة الملتهبة التي أحرقت معها كل "الثوابت" و"الحقائق" والقواعد "المفروضة". الزلزال الذي هزّ الوطن والعالم باغتيال الحريري، دمّر كل المنصات الجاهزة، التي كانت تُحدّد ما تُحدد من مصائر وادوار. اذ أن الذين انتظروا كثيراً ليكون لهم دور يختلف عن ادوارالقطعان والمواشي "الطائفية" والحزبية ويختلف عما اسُند اليهم من ادوار ومشاهد ثانوية (كومبارس)، ومن احتياط دائم للقبول، والتقبل، والخوف، والتذكر، والحنين؛ هؤلاء، فتحوا أبوابهم ونوافذهم وحقولهم ومصانعهم ومدارسهم وجامعاتهم وخرجوا بكل عنفوانهم، وقوة احتمالهم، وبكل ما اختزنوه من ذل، الى ساحات الحرية، ليصنعوا مصيرهم الجماعي، والوطني والعروبي (غير الرسمي الاستبدادي)، وليصرخوا بالحقيقة: "أي مجرم كلب مسعور قتل رفيق الحريري؟" وهنا تبدو الحقيقة، حقيقة مَنْ قتل باني لبنان الحديث، لتتماهى بعنف وبعمق في السؤال نفسه: لكن من كان يقتلنا على امتداد هذه العقود. من كان يغتالنا كل يوم في أحلامنا، واستقلالنا، وحريتنا، ولقمتنا، ومصيرنا، وحياتنا، وموتنا، وارادتنا، ولا نجرؤ حتى على أن نسميه أو "نراه". الملايين هدرت. صاحت. غنت. بكت، نزلت من الجرود والسهول والجبال وتلاقت في النقطة التي يجب أن تلتقي فيها ولا تعود عنها. أهم ما فعلته هذه الجماهير الحية انها خرجت من سجونها و"غيتوياتها" وكسرت الحواجز، لكي لا تعود الى الوراء. انه سفر خروج من الذات "النرجسية" الموطوءة الى كل الذوات المبعثرة في الوطن. من مفهوم "التبعية" الطائفية والغيبية والمناطقية والذاتية إلى أمكنة أخرى، تصوغ فيه هذه الجماهير "المجنونة بالوطن" ـ ما تريد أن تصوغه، خارج التصنيفات الراسخة، وخارج الأعراف البائدة. بمعنى آخر خارج مربعات المعارضة والموالاة وما بينهما وما فوقهما وما تحتهما....
هذا هو المعنى الأول، والأهم لانتفاضة "الاستقلال" أو "لثورة الارز" أو لعاصفة الحرية. فالمجتمع الذي قيل فيه إنه مجرد "موزاييك" مركبة وهشة، وسريعة العطب، (بل معطوب أصلاً) وقابل في كل لحظة للانفجار، والتمزق والانكسار ومزود بآلية تدميره الذاتي التلقائي، هذا المجتمع الذي كان يكتنز وجوده ويدافع عن هوامشه الضيقة، على امتداد الحروب والاحتلالات والقمع والمجازر، ها هو يظهر اقوى من مجموع السلطات والأنظمة القائمة الداخلية والخار جية وأقوى من مجمل البنى الأمنية والمخابراتية، وأشرس من النظام نفسه. (وهذا ما كنّا نصّر على ترداده على امتداد السنوات العشر الأخيرة). خرج من مراياه المكسورة. وانضم الى نوافذه المشرعة. ليشكل الطليعية الأولى بين المجتمعات العربية، التي عاجلاً أو آجلاً ستقتدي به. وتدك صروح الاستبداد وأنظمة الطوارئ والنهب والاغتصاب والقتل. انظمة الموتى في أزمنة الموتى. ولهذا بدا المجتمع الموزاييكي (الخارج من الحروب) وكأنه يؤشر إلى انتماء توحيدي (ليس بالمعنى التوتاليتاري أو المذهبي أو الدكتاتوري) مفتوح ، إلى مشروع بل بدا وكأنه يقترح، عبر أصواته المليونية، وكأنه المشروع المستقبلي الذي يحمل في تضاعيفه، صورة لبنان الآخر، وصورة العروبة الأخرى، وصورة النظام الآخر.
فصورة لبنان الآخر لا تتمثل فقط في لقاء المسلم والمسيحي واليساري واليميني والمناطقي حول هدف الاستقلال او الحقيقة أو الحرية. وانما في لقاء عميق، ينبوعي، واعٍ، ونضر وغير ايديولوجي، وغير مقنن، لبناء ملامح تغييرية للبنان جديد. أو فلنقل للبنان آخر. لبنان الفكرة الحية المتفتحة (والأوطان ايضاَ أفكار). لبنان الذات المندفعة الى خارج ذاتها. لبنان المتنائي عن الصيغ التاريخية (الاستعمارية) الثابتة. لبنان المتحول باستمرار خارج أُطر مسالك التغيير الايديولوجية البائدة. لبنان الذي ينطلق من حقائقه المتحولة لا من حقائقه المتجمدة. من هويته المفتوحة على كل الاحتمالات والتبدلات وليس من هويته "الطائفية" الأبدية.
ومن هنا بالذات، لا بد من الكلام على ما يمكن ان نسميه ولادة عروبة جديدة في بيروت. عروبة شعبية وليس عروبة "نخبوية". عروبة تصنع ملامحها كل يوم، كمشروع مستقبلي لا ينتهي منفتح على كل انجازات الواقع والعالم. عروبة بقدر ما هي انتماء "تاريخي" وجغر افي ولغوي، هي انتماء انساني ليس بالمعنى الطوباوي وانما بالمعنى الفكري والسياسي والحضاري. عروبة تولد كل يوم مع هواجس الأجيال الجديدة، ومع همومهم، ومع انتفاضاتهم الدائمة على ما تقعّر في دواخلهم من رواسب شعارية بذرتها الأحزاب القومية (البائدة) والأنظمة الفاسدة التي يعود اليها فضل تشويه معاني العروبة وتدميرها، اذاً، عروبة لبنانية شعبية حية ديموقراطية كمشروع، وخارج مفاهيم الأنظمة.
فأي عروبة هذه اذا كانت لم تُستغل على امتداد نصف قرن إلا لتبرير الهزائم، وتغطية الفساد، والاستبداد، والدكتاتورية، بل أي عروبة هذه اختُزِلت الى جماعة أو عصابة أو حفنة أو قلة "ورّثت نفسها، وأبناءها وعائلاتها، وطوائفها! أي عروبة هذه تمر بالمخابرات وتصوغها البنى الأمنية، والمناحي المعسكرة!
عروبة العرب الجديدة تولد في بيروت اليوم! تصاغ مع لبنان العروبي الجديد، على ايدي الشبان، الذين، يتمردون على "عروبة جاهزة" أو عروبة "استبدادية" او عروبة مناسبية تسحبها الأنظمة والأحزاب من ادراجها عند الحاجة، وتعيدها الى نسيانها وغبارها عند الحاجة ايضاً، ولهذا رأينا، وعبر هؤلاء الشبان، ومن مختلف المقاصد، انهم، وعبر هذه الانتفاضة الجماعية، يعيدون النظر في كثير من "ثوابت" كرستها النخب الحاكمة، ومنها العروبة، ومنها كذلك الاختيارات التغييرية. اذ تساقطت حول هذه الانتفاضة الاستقلالية احزاب تاريخية تجمدت في لحظاتها الايديولوجية السابقة، وباتت عبئاً على احتمالات التغيير نفسه.
وهذا يعني رفض شباب الانتفاضة لكل فكر جاهز نهائي (تماماً كمفهوم العروبة) ومغلق وتجاوز كل بنية حديدية سواء تمثلت بمفهوم الأحزاب التقليدية (الغيتوية) أو بانماط الهياكل والأدوات. وهذا يعني ايضاً أن الشبان، يريدون، وإن بمفاهيم مقننة، وبمشاعر محددة، ان يبدأوا بالتغيير من الواقع. من احتمالات الواقع. من مقومات الواقع من اكتنازات الواقع، من دون أي أجهزة فكرية أو ايديولوجية قسرية، أي من دون انسقة فكرية أو ايديولوجية فوقية أو "قَبْلِية". بل كأن الوطن بدا لهم، وكأنه يولد من ساعته أمامهم. وانهم لا بد ان يختاروا له طرقه واسماءه وأحلامه وآماله وتاريخه.
ولهذا بدت الانتفاضة اوسع من بعض شعاراتها الآنية. اعمق من بعض هواجسها الضاغطة. بدت، وكأنها تولد شبابية، لكي لا تهرم أو تموت بين أيدي المتصارعين من أهل المعارضة والموالاة.
الشبان يصوغون مصير بلادهم، وأفكارهم، وحتى مشاعرهم وآمالهم. لذا، ومهما قيل في هذه الانتفاضة. تبقى انها ثورة شباب بكل ما تحمل العبارة من طزاجة، واندفاع، ووعي حي، يجمع، وإن على تعدد مختلط، بين هذه المجموعات، التي لم تذق في حياتها لا طعم الحرية ولا طعم الاستقلال ولا طعم السيادة ولا طعم الاستقرار ولا طعم المواطنية ولا طعم الديموقراطية المتكاملة. كأن هذه كانت ثماراً محرمة، أو فردوساً مرصوداً. والغريب الرائع ان هذا الحرمان من اقرب "فاكهات" الوطن، (والحقوق المدنية) وكان بعيداً واسطورياً وسديمياً وانشائياً حتى راح هؤلاء الشباب يتلمسونه، يكتشفونه، يبحثون عنه في التفاصيل وفي التاريخ وحولهم في واقعهم.
عرفوا طعم أن يصنع الانسان تحرره، واستقلاله وحلمه. عرفوا، بما يشبه المعجزة، كيف يطلع الفكر من المعيش، وكيف تبنى الأحلام من اليومي، والملموس، وكيف تُكتشف الأمكنة كمعانٍ ودلالات، وكيف يصاغ التاريخ بحجارة المدن، وشهادة الكبار، وارادة الحياة.
على هذا الأساس نظن ان الانتقاضة الشبابية الراهنة، تحولت (ويا للمفارقة!) بملايينها الى نخب جديدة، فالملايين عندما يتحولون الى نخب، يعني انهم اسقطوا كثيراً من نخب حاكمة، ونخب ثقافية، وأيديولوجية لاذت بالمصالح والنظريات الجامدة، والعلاقات البائدة والارتهانات والعمالة، فباتت وراءهم. النُخب الطليعية المزعومة التي خانت طليعيتيها، صارت و راء النخب المليونية. صارت دون سباقها. دون وتائرها. دون اجتراحاتها، والأهم ان هذه النخب المليونية ما كانت لتكون جديدة لولا لجوؤها الى الفعل السلمي. الديموقراطي، المدني، ولهذا، فهي طليعية جديدة، بقدر ما هي سمات المجتمع المدني او اجساده الحية أو مقوماته الأساسية.
ومن هذه الظواهر المتفجرة، لا بدّ من تباين المسافة السباقة بينها وبين مفهوم النخب المعارضة والموالية ومن مختلف البنى القائمة، من حيث احتمال أن تكون مشروعاَ أو مشاريع مغايرة ومختلفة. ونظن ان هذا ما سيحمل المعارضة أو الموالاة أو البين بين على اما تفتيت هذه الظاهرة الجماهيرية، واما استغلالها واجراء الصفقات "على وجودها" وإمّا جرها الى مواقعها التقليدية: الطائفية والمناطقية والاقطاعية والمذهبية، واما تشويه صورتها، وإما دفعها من جديد الى صراعات السلطة...
صحيح أن هذه الظاهرة الجماهيرية طالع كثيرُها من تلك المواقع المعهودة، ومن تلك البيئات الجغرافية والسياسية وحتى الطائفية السائدة. وصحيح أيضاً ان النخب المعارضة والموالية يمكن أن تعاملها ككتل مُتراصة توجهها، أو تقولبها، او كقعطان تسوقها بالعصا والغريزة والشعار، هذا صحيح. لكن الصحيح، ان هذه الطليعية المليونية الجديدة أوسع افقاً وتطلعاً، من أن تعود الى "الحظائر" الابدية، وأحدّ وعياً من أن تسقط في الشراك والأفخاخ التي قد تنصبها لها نخب الموالاة والمعارضة ولهذا على المعارضة خصوصاً بدلاً من ان تكون متوجسة من هذه "القماقم" التي خرجت من الزجاجة، وبدلاً من ان تختار الموقع النقيض او المستوعب بالطرق التقليدية، بدلاً من ذلك عليها ان تنفتح هذه المرة، وتصغي بعمق الى هذه الأصوات الجديدة بقوتها وهشاشاتها، بصمودها وطراوتها، لا لتقتل ابناءها بطريقة اوديبية. وانما لتعامل هؤلاء الابناء وكأنهم آباؤها الجدد. وعندها يصبح مستقبل المعارضة امامها لا وراءها. وعندها بالذات يمكن القول ان هذه الانتفاضة لم تكن مجرد حركة آنية عابرة، ولا مجرد صدى مرنان في اذن التاريخ. ولم تكن اللعبة مجرد صراع بين ناس يتركون السلطة وآخرين يريدون ان يحلوا محلهم بالشروط السابقة وبالمواصفات السابقة. وانما تاريخ بين تاريخين، ومفصل بين مفصلين، وزمن بين زمنين اي ظاهرة اكبر من لعبة الموالاة والمعارضة. واكبر من طبيعة تنافسهما.
فهل نحلم؟ هل نبالغ؟ هل نسبغ على هذه الانتفاضة هالات وصفات وهمية؟ هل نحملها ادواراً اكبر منها! هل نستقرئ لها ما ليس في نصوصها؟ ربما نعم! وربما لا! ولكن اذا كانت حققت هذه الانتفاضة، وضمن ظروف مواتية ومناسبة، ما حققته، وكان ربما أكثر من حلم يقظة، واذا كان استشهاد كبير فَعَل، ما فَعَل في النفوس، ووحد ما وحد من الناس، ونفخ ما نفخ من رياح التمرد والحرية، فيعني ان ورثة الرفيق الشهيد يمكن وبالاصرار الذي عرف عنده، ان يجتازوا ما كان يصعب اجتيازه ويمكن ان يدركوا ما كان ليس في الامكان ادراكه، ويمكن ان يصوغوا ما كان عصياً على الصوغ، اي يمكنهم، ان يكملوا الدرب، وهو صعب، درب الاستقلال الجديد، والحرية الشاسعة، والهوية المفتوحة، ولبنان العروبة الديموقراطية، والسيادة المكتملة، اي لبنان كمشروع حضاري، انساني ، بلا حدود.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.