يمكن أن تكون الشيء ولا تكونه. ويمكن ألا تكونه وتكونه. والمسألة هنا غير عويصة كما يتبدى. ويمكن أن تكون عويصة جداً كما يتبدى أيضاً. ذلك أنك يمكن أن تكون شخصاً واحداً وتظن نفسك شخصين. ويمكن أن تكون شخصين وتظنّ نفسك شخصاً واحداً. فالمسألة نسبية ويمكن أن تكون مطلقة. فالنسبي أحياناً مطلق، والمطلق نسبي. هذه ميزة التناقضات والمفارقات أيضاً. وعليه، فيمكن أن تكون مثلاً رئيساً لشيء ما ولا تكونه. ويمكن ألا تكونه، وتكونه. وعليه، فيمكن أن تكون، مثلاً، رئيساً لحكومة ما، في زمن ما، وفي مكانٍ ما، وفي ظروف ما، ولا تكون، في الوقت نفسه رئيساً للحكومة. وعندها تنقسم الى اثنين: رئيس حكومة وعدمه.
فتارة تصرّ على أن تكون رئيس الحكومة، بالهندام والصوت والصورة والنبرة والخطة وكذلك السلطة، وتارة تصرّ على ألا تكون رئيس الحكومة، بالهندام والصوت والصورة والنبرة والخطة وكذلك السلطة.
وهكذا تختار ما تختار، وهكذا لا يلتبس الأمر كثيراً، لأن ما تختاره قد يكون من اختيارك، وقد لا يكون من اختيارك. فأنت صباحاً تُختار أن تكون رئيس الحكومة، بالصلاحيات والهيبة والموكب، وفي المساء يُختار لك ألا تكون رئيس الحكومة. وعليك أن تألف الدورين. والشخصيتين. والظِلّين. والقناعين، لتكون بهذا، وبهذه الثنائية المزدوجة، رئيساً مثالياً لحكومة مثالية، موجودة وغير موجودة.
وهكذا يمكن أن تحكم ولا تحكم. أن يكون الوزراء وزراء وألا يكونوا وزراء. وكذلك النواب. وكذلك رئيس مجلس النواب. فهذه حلقة متراصة مترابطة في الأنظمة الأمنية قد تبدأ ولا تنتهي عند رئيس جمهورية، أو عند رئيس "مخفي" يُظهِّر بالنيغاتيف هنا، وبالصورة هناك، وهكذا يمكن أن تستقيل ولا تستقيل من رئاسة الحكومة. فتكون عندها تارة رئيساً مستقيلاً وتارة رئيساً غير مستقيل. وتكون عندها رئيساً موجوداً ورئيساً غير موجود. ويمكن في الحالين أن يكون هناك صوت وهناك صدى. وعليك عندها أن تختار بين أن تكون رئيساً في جمهورية أو رئيساً على جماعة. رئيساً في جمهورية معروفة أو رئيساً في مشاع غير معروف. فلرئيس الحكومة الحق، بحسب هذه الجمهورية، أو ذاك المشاع، أن يتنقل بلا حرج وبسلاسة بين الموقعين. موقع مسؤول جداً. وحريص جداً وعمومي جداً. وموقع متفلت وسائب، وخاص جداً. ولرئيس الحكومة، انطلاقاً من كل ذلك، أن يكون رئيساً تابعاً لجمهورية ولسلطة، ولقانون ولدستور، أو رئيساً تابعاً لعصابة غانفستر متعددة الفروع، ولمافيا أو لجهاز، أو لجماعة خارجة على القانون وهي في القانون، أو داخلة في القانون وهي خارجة على القانون. أو منخرطة في الدولة وهي خارجة على الدولة، أو خارج الدولة وهي منخرطة في الدولة. وعليه، يمكن أن يكون رئيس الحكومة في الحالين رئيساً بلا حكومة. ثم يكون في حكومة بلا رئيس. وفي الظن يكون في الأولى رئيساً ولا رئيس. وفي الثانية في حكومة ولا حكومة. يصدر الأوامر في الأولى بلا أوامر. وبلا أوامر في الثانية ويُصدر الأوامر. وهكذا يستطيع بكل راحة بال أن يحكم ولا يحكم. أن يكون ولا يكون. أن يختفي كما يظهر. وأن يظهر كما يختفي. أن يقول لكي لا يقول. وألا يقول لكي يقول. وأن يتحرّك من موقف إلى آخر لكي لا يتحرّك. وألا يتحرّك من موقف إلى آخر لكي يتحرّك. حتى تلتبس عليه الأمور كثيراً. فيظن أنه رئيس الحكومة، ويكون رئيس الحكومة شخصاً آخر. ثم يظن أنه ليس رئيس الحكومة ويكون هو رئيس الحكومة. ويزداد الالتباس عليه، عندما ينسى كيف يكن أن يتصرّف ويحكي رئيس الحكومة، ثم يتذكر كيف يتصرّف ويحكي رئيس الحكومة. لأنه في لعبة الظلال. أو في لعبة الأقنعة. حتى يتحسس القناع بوصفه وجهه. ثم يتحسس الوجه بوصفه قناعاً. ثم، يمكن أن يتفقد صوته ويكتشف أنه صوت سواه، أو صوت مسجلة مزروعة في مكان ما من جسمه، أو يكتشف أنه صوته الخاص طالع من صوت سواه. وهي ليست أحجية إذا حاججنا معاني الأحجية وطلاسمها وألغازها. ذلك أنه من واجب رئيس الحكومة، أو رئيس الجمهورية، أو رئيس مجلس النواب، أو أي رئيس لجهاز، أو لقطاع في النظام الأمني أن يكونوا رؤساء وغير رؤساء. فأن يكون رئيس الجمهورية رئيساً للجمهورية يعني ألا يكون رئيساً للجمهورية. أو أن يُختار له متى يكون رئيساً للجمهورية، بكل السطوة والسلطة والموكب والزمامير، ومتى لا يكون رئيساً للجمهورية. متى عليه أن يأمر فيطاع ومتى عليه أن يؤمر فيطاع. متى عليه أن يكون رئيساً لفريق كرة قدم، ومتى عليه أن يكون رئيساً لفريق عمل. متى عليه أن يحكي إذا لم يحكِ. ومتى عليه ألا يحكي إذا حكى. متى عليه أن يكون في دولة القانون والمؤسسات. ومتى عليه أن يكون في لا الدولة ولا القانون ولا المؤسسات. فالدولة والقانون والمؤسسات أمور غير ثابتة. وأحياناً غير منظورة. وغير محظورة على أحد. فيمكن مثلاً أن يكون رئيس دولة المؤسسات والقانون من خارج حدود دولة القانون والمؤسسات. وحتى خارج الجمهورية وعلى رئيس الجمهورية أن يفهم أن الجمهورية اتسعت لتصير أكبر من الجمهورية، لأنها صارت في جمهورية أخرى يحكمها رئيس جمهورية أخرى. ورئيس حكومة أخرى. ورئيس مجلس نواب آخر. ورؤساء أجهزة آخرون. وهكذا يمكن أن يكون كل واحد من هؤلاء في جمهورية لبنان الكبير، وفي الوقت ذاته في جمهورية الموز الكبرى. وهذا من شأنه أن يوسع حقول الموز إلى حقول اللوز، وحقول الفستق إلى غابات الأرز الخالدة إلى درجة تخلط فيها بين أشجار الفستق وأشجار الأرز.
وهذا من شأنه أن يمحو الحدود بين جمهورية لبنان الكبير، وبين جمهورية الموز الثورية، فيتحد النشيدان الوطنيان وهما منفصلان، وينفصل العلمان المرفرفان وهما متحدان. وهذا رائع! إذ أن تماهي الأولى بالثانية يجعل المسار الأول مساراً ثانياً، والمسار الثاني مساراً أول. بل ويجعل من المصير المشترك، مشتركاً للأول وغير مشترك للثاني. وكل هذا من طبائع الجغرافيا والتاريخ والأخوّة. فمن الأخوّة أن تكون أخاً ثم لا تكون. وتكون قريباً ثم لا تكون. وشريكاً ثم لا تكون. وأنت بحكم حسك "العائلي" العالي، عليك أن تعرف أنك كلٌّ في واحد. لكنك واحد في غير كل. وعليك أن تعرف أنك إما أن تكون حاملاً موز جمهورية الموز أو تكون محمولاً. وهنا بالذات تتشابه التوائم. بين التوأم الأكبر والتوأم الأصغر. وعليه، فأنت، وإن لم تكن توأماً فعليك أن تكون توأماً: في الشكل وفي الهندام وفي النظام أيضاً. وعليه، فأنت من واجباتك العائلية واتساعاً إلى الوطنية والقومية، عليك أن تثق كل الثقة بأخوتك المتوأمين. أن تثق بأنهم يحمونك وهم لا يحمونك. ويعطونك وهم لا يعطونك. ويأخذون منك كأنهم يمنحونك ويرثونك وتظن أنك ترثهم... هذه هي الأواصر والوشائج. وإذا خطر لك أن تفصل بين هذه التوأمات، لأسباب أو لأعذار، فعليك أن تعتبر أنك ترتكب الكبائر، وتقترف الخيانات، وتعبث بالمصائر، وتفسد الثوابت. وإذا خطر لك أن تفكر بأنك موجود بالقوة أو بالعقل، فعليك أن تعتبر أيضاً أنك صرت غير موجود بالقوة ولا بالعقل.
فالأخ الأكبر في جمهورية الموز مسؤول عن الأخ الأصغر، بناسه وأقربائه ومواشيه ومائه ودجاجه وبنوكه ومرافئه ومرافقه وملاهيه وكازينواته. إنه الشريك الأكبر في حصة الأخ الأصغر، بل الشريك الأكبر في مصير الأخ الأصغر، وعلى هذا الأخير أن يعتبر أنه إذا خرج على تقاليد العائلة، وضلّ طريقه، فعلى الأخ الأكبر أن يعيده إلى جادة الصواب. فإذا أراد أن يستعيد ماله، فعليه أن يعرف أن ليس له أن يستعيد ماله. فمالُه ليس له. وإذا أراد أن يعيد الاعتبار إلى نفسه. فعليه أن يعرف أنه ليس عنده اعتبار إلا بما يعتبره الشقيق الأكبر. ولهذا فإذا أراد أن يشذ على أواصر "الأخوّة" التاريخية والدموية والبيولوجية والجينية فيعني أنه يشذ عن ذاته، ويخون ذاته، ويمكن في هذه الحال أن يعاقبه الأخ الأكبر معاقبة من خان القبيلة حتى الموت. والعقاب هنا قد يكون فردياً وقد يكون جماعياً. فردياً بالتصفية الحاسمة الجازمة بلا تردد ولا ندم ولا شفقة ولا رحمة. بل وأحياناً بحقد وكراهية يصلان إلى حدود نبش القبور ومحاكمة الموتى. أما العقاب الجماعي فيمكن أن ينال الأهل والأخوة والأقرباء والممتلكات والأراضي والاقتصاد وكل ما له صلة بإرث الأخ الأصغر. لاعتبار بسيط: أن الأخ الأكبر يرث الأصغر حتى عندما يقتله أو ينفيه أو يسجنه. وليس على قابيل أن يعتذر من قايين. وليس على أحد أن يعتذر من أحد. فمن يحرق الناس لا يعتذر منهم بعد إحراقهم. ومن يستبح العِرض باسم العرض، والأهل باسم الأهل، والارث باسم الارث، والدم باسم الدم، ليس له أن يرى في كل ذلك سوى تنفيذ حكم التاريخ والجغرافيا والعدالة والحقوق المشروعة. ولهذا يمكن أن يكون الأخ في جمهورية الموز الديموقراطية. ويمكن وبحس تعاطفي عالٍ قد يستدر العواطف الميلودرامية، أن يستولي الأخ الأكبر في جمهورية الفستق على جمهورية الأخ الأصغر الديموقراطية بهدف لمّ الشمل، وتوحيد الجهود، وكذلك البنادق، والخنادق والسرادق في مواجهة العدو الدائم المتربص بجمهوريتي الفستق والبندق، تعزيزاً للصمود والتصدي وللروح القتالية في الدفاع عن المسارين والمصالح المشتركة والأراضي المهددة والسليبة. وهكذا يمكن أن يعتبر الأخ الأكبر جمهورية الأرز الأخضر بديلاً من الأرض السليبة التي احتلها العدو الغاشم. ويمكن أن يعتبر أيضاً أن شعب جمهورية الأرز الأخضر أيضاً بديلاً موضوعياً من شعب جمهورية الفستق المحتل. وهذا نوع من العدالة التي يجب بها معالجة العلاقات الأخوية. فما للأخ الأصغر هو للأخ الأكبر. وما للأخ الأكبر هو للأخ الأكبر. وهكذا دواليك إلى الدرجة التي تتداخل فيه الملكيات والحقوق والحكومات ومجالس النواب ورئاسة الجمهورية. فتكون كلها للأخ الأكبر، ويكون للأخ الأصغر أن يتنازل، حفاظاً على الحقوق الوطنية المشروعة، وحفاظاً على الروح القومية الخالدة، وحفاظاً على أواصر القربى، أن يقبل شاكراً التنازل عن كل شيء، لأنه في هذا التنازل يحقق الحلم العربي، ويساهم في معركة الصمود والمواجهة، وكذلك في الازدهار الاقتصادي. وهنا عليه أن يقبل بطيبة خاطر، ومن خلال الاتفاقيات والعهود، أن يتحمّل وزر اقتصادين لنظامين ويعترف بأنه لا يتحمّل وزر اقتصادين لنظامين.
كل هذا لا يمكن أن يتمَ، ويُنَفَذّ بروحية زاخرة بالعطاء، والديموقراطية، والشفافية، إلا إذا كان كل شيء في جمهورية الأرز الخالدة، في مناخات من الاصرار على أن يكون كل شيء في حالة سديمية دائمة. أي في حالة من الفوضى العضوية، والتداخلات السوريالية والغرائبية. أي أن يكون رئيس الوزراء رئيساً وغير رئيس. ورئيس الجمهورية رئيساً من دون جمهورية. أو تكون الجمهورية بلا رئيس. ورئيس مجلس النواب ناطوراً لمبنى فارغ. أو يكون المبنى الفارغ مبنىً لغير مجلس النواب. وأن تكون الأجهزة فوق الجميع إلى درجة تحل فيها محل المجتمع والناس. وعليه فان على كل إجراء (ولكي يصب في مصلحة الأخ الأكبر) أن يكون ممسوكاً من الأجهزة قبل أن يفلت من الناس. وعلى الناس أن تطالب الأجهزة بإمساكها. وعلى الحكومة أن تكون في الأجهزة. وعلى الأجهزة أن تكون في الحكومة. وعلى رئيس الجمهورية أن يتماهى بالأجهزة، وعلى الأجهزة أن تتماهى برئيس الجمهورية. وعلى القضاء لكي يحكم بقسطاط الأخ الأكبر والأجهزة أن يكون بلا قضاء. وبلا قوانين. ولا دساتير. فكل شيء قابل للتعديل والتحوير والتدوير والتغيير. وعلى هذا الأساس يمكن أن يُرتكب أي شيء وكأنه لم يرتكب. ويمكن أن ترتكب أي جريمة وكأنها لم ترتكب. ذلك أنّ تداخل الرئاسات والأجهزة والقوانين والقضاء من شأنه أن يبدد كل شيء، ويخفي كل دليل. بل ومن شأنه أن يجعل الجمهورية بلا جمهورية. والأمن بلا أمن. والطوارئ بلا طوارئ. والقوانين بلا قوانين. والمرجعيات بلا مرجعيات لصالح الأخ الأكبر الذي عليه أن يبدو، من دون أن يبدو، المرجع والفيصل والقاضي والقانون والجهاز. إذاً هناك نقطة مركزية يجب أن تلتقي فيها هذه الفوضى العميمة. وهذه النقطة المركزية يجب أن تكون "مقدّسة". وفوق الشبهات. وفوق النقد. وفوق التشكيك. وإذا كان على أحد أن يُفكر بالتحوّل عن هذه النقطة المركزية، فعليه أن يفكر بفحوى وجوده ذاته. وعلى هذا فالويل له. لأنه إذا لم يبصم على إرادات النقطة المركزية عند الأخ الأكبر في جمهورية الموز والفستق والبطاطا، فقد بصم على قرار إعدامه. وإذا فكر أحد ما بالتمرّد على هذه النقطة المركزية، فعليه أن يفكر بأنه صار من تلقائه في خانة الخيانة. وفي خانة العمالة للعدو. أما إذا وصل الأمر ببعضهم إلى إيصال الأمر إلى الناس، فيعني أنه الانقلاب الكبير، الخيانة العظمى. ذلك أن أهل جمهورية الموز والفستق والبندق يخافون كثيراً الناس حتى ولو كانت بالعشرات. فكيف إذا كانت بمئات الألوف كما حدث بعد استشهاد الحريري. فكيف إذا كانت واضحة جداً كأعلامها. وكيف إذا كانت حاسمة كانتفاضتها. وكيف إذا كانت استقلالية بأفكارها ورغباتها. ذلك أن زمن الالتباس، الالتباس الذي زرعته جمهورية الموز والفستق والبندق في بلاد الأرز، لا يمكن أن يبقى وسط هذه الاعلانات الجازمة، والبيانات المعلنة.
ذلك أن زمن أن تكون جمهورية ولا تكون، يبدو أنه يتولى. وأن زمن أن يكون رئيس جمهورية ولا يكون، يبدو أنه يتولى أيضاً. وزمن أن تكون رئيس وزراء ولا تكون يبدو أنه يتولى. وأن زمن أن يكون لك وطن ولا يكون... يبدو أنه يتولى مع أراشيف وسجلات وأزمنة الأخ الأكبر في جمهورية الموز والفستق والبندق!
كل ما يفعله بعض يتامى "الماضي" لا يتعدى كونه تأجيلاً لتجرّع آخر ما تبقى في الكأس المرّة.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.