8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رحيل الفنان الكبير أحمد زكي

كأن أحمد زكي الذي توفي أول من أمس عن (56 عاماً) كان يؤجل موته باستمرار. كان يصارعه بتكافؤ أحياناً وبعدم تكافؤ احياناً اخرى. بالصمود هنا لكن بالفن هنا وهناك. تماماً كعبد الحليم حافظ. فكأن حياتهما كانت مسألة صراع مع الموت ومع الإبداع. بل كأن في حياتهما ومسيرتهما الصعبة منذ طفولتهما الفقيرة وعبورهما المناطق الوعرة لاحتلال مكان متسع في الفن والحياة تماهت الى حد كبير، الى درجة جمع موتهما الربيع وشهر آذار، والسابع والعشرين من شهر آذار وهو اليوم الذي توفي فيه عبد الحليم منذ 27 سنة وتوفي فيه أحمد زكي امس. بل كأن التماهي هذا برز عندما مات أحمد زكي وفي شفتيه وقلبه وذاكرته وقائع فيلم "حليم"، كأنما عاش في عبد الحليم وتوفي في موته، فيا للمصادفة! ويا للمفارقة معاً، بدا كأنه صارع المرض بما استلهمه من صراع عبد الحليم مع المرض. مرضان مختلفان والموت واحد. مسيرتان متشابهتان والفن واحد. بل كأن نجاحين مختلفين والجمهور واحد.
والمحزن ان أحمد زكي لم يكن يصارع الموت الداهم المتغلغل في جسمه، والمفترس خلاياه، من أجل ان ينجو منه فقط، بل لكي يؤجله ليكمل دوره في فيلم "حليم". حالفه القدر الى حين، لكنه خذله في اللحظات الاخيرة، عندما انهى وبجهود تفوق جسمه النحيل ومناعاته الهشة تصوير 90 في المئة من الفيلم، وبقي الجزء الأخير: وقائع موت عبد الحليم. فترك هذه المشاهد الأخيرة على البلاتوه وأكملها بجسده المنهوش.
أحمد زكي، هذا الفتى الاسمر، الذي جاء من قريته في محافظة الشرقية، ومن بيئة فقيرة، عرف معنى الصعوبة، ومعنى ان يتمكن شاب مجهول من صعود سلم النجاح درجة درجة. كلمة كلمة. مشهداً مشهداً. وها هو في أدوار قصيرة يمثل بعض المسرحيات كـ"هالو شبلي" ومن ثم في أدوار أكبر في أعمال مسرحية شعبية كـ"مدرسة المشاغبين" أمام عادل إمام وسعيد صالح، وثم في "العيال كبرت" لكنه عرف، وبرغم نجاحه المسرحي، ان عليه ان ينتقل من الخشبة الى البلاتوه.
من الجمهور المباشر الى أمام الكاميرا، من المسرح الى السينما. وهنا تبلورت موهبته وصيغ ذهب حضوره، ولم يخلُ تقدمه في هذه المهنة من مصاعب ربما بسبب سمرته "الداكنة" (إزاء شقرة حسين فهمي مثلاً) وشعره الاجعد، ووسامته الآتية من أمكنة اخرى. لكنه تجاوز كل ذلك لتتحول هذه "المعوقات" الى جاذبية، لا سيما عندما لعب أدواره الأولى أمام سعاد حسني (ساندريلا السينما المصرية آنئذ) في الفيلم الشهير "الكرنك" وهو أول أدواره الكبيرة. ثم تتالت الافلام امام سعاد حسني كـ"الدعوة الى العشاء"، و"هو وهي"، و"شفيقة ومتولي" و"الراعي والنساء". على ان ما يميز أحمد زكي عن سواه من مجايليه انه نوّع كثيراً في أدواره، من الدراما السياسية "زوجة رجل مهم" و"ناصر 56"، و"السادات"، و"البيه البواب" الى الكوميديا، والى "التراجيديات" الاجتماعية، فإلى ادوار الحركة "الباشا". على انه أكثر ما تميز به ليس فقط هذا التنوع، بل ايضاً هذا الحضور الطاغي الذي لم يقم لا على التقاليد الميلودرامية التي وقع فيها معظم الممثلين المصريين، ولا على التهريج الكوميدي، ولا على الأدوار الفضفاضة ذات النبرات الارشادية والوعظية... ولا على تنازلات يقدمها للجمهور، وانما في هذا الخط المتصاعد من الأداء الداخلي العاري والمتجرد والصارم الى حد كبير، وفي هذا الامتلاك القوي لأداءاته، من دون برانية، أو كليشيهات، أو انماط جاهزة. أداؤه نبع من عمق احساسه بالنص وفهمه له، بحيث لا يكون هذا الأداء تفسيراً للنص، أو "اختراعاً" لنص مواز، بقدر ما يصبح تماهياً عميقاً تلتقي فيه الشخصية والممثل بالدور.
كل هذا جعل أحمد زكي ممثلاً من طراز خاص. من حضور لا يشبه أي حضور آخر. حضور صنعه من موهبته الكبيرة ومن تعبه ومن اخلاصه العميق المتفاني للفن. وكأنه كان يقول الفن العظيم هو الفن الصعب. هو الفن ـ المغامرة، المغامرة التي لا تنتهي.
على ان مغامرته الأخيرة حطت عند صديقه الأخير عبد الحليم. واحد كان صورة من صور "الزمن الجميل"، زمن الحلم والثورة والتغيير، وواحد جاء بعده ليكون صورة عما بعد زمن الحلم والثورة والتغيير. الزمن الملتبس. الزمن الرمادي. الزمن الآخر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00