كان اللبنانيون أمس، في الجمعة العظيمة، في لوحة موزاييك متعددة المشاهد والألوان، تتنوع في ظاهرها وتجتمع في سرّها.
فهناك جنازات الآلام ودرب الجلجلة. وهناك الاعتصام المستمر في ساحة الشهداء قرب ضريح الرئيس الشهيد الحريري. وثم هناك آثار إرهاب مجرمي الحرب في تفجير عبوات نيو جديدة والكسليك. وثم هناك أربعون الرئيس الشهيد في قريطم وفي كل بيت لبناني. وهناك تقرير لجنة الاستقصاء في اغتيال الشهيد ورفاقه، وهناك أخيراً ملامح انهيار الفريسيين، وتجار الهيكل وأبناء يوضاس وبيلاطس "الأبرار" والأغرار... كأنه مشهد موزاييكي من زوايا عدة، ننتظر أن تظلّله القيامة، قيامة لبنان الحي الحر، ودحرجة الصخر عن صدره، وخروجه من القبر الطويل... الأمد..
هذه الجلجلة "السنوية" المناسبية باتت منذ ثلاثة عقود، من يوميات معاناة اللبنانيين. اعتادوا دروبها، وأشواكها، ودماءها، حتى باتت كل دقيقة من حياتهم جلجلة مجلجلة، ودرب آلام واسعاً. وفي هذه الجلجلة الثلاثينية كم عَبَر بنا عشرات البيلاطُسيين، وعشرات اليوضاسيين ومئات بل آلاف الفريسيين، وشذاذ الإيمان والعقائد والإرهابيين والقتلة، حتى غدا لبنان، المستباح من كل صوب (وباسم كل العقائد والقوميات والأديان والطوائف) محجاً لكل من يرى في هذا البلد محطاً لإجرامه وانتهاكه وحروبه...
لكن "جلجلة" هذا العام جاءت مختلفة. فالشعب الذي حمل "صلبان" البشرية كلها، كأنه وصل الى نهايات المطاف. فمن مواصفات كل جلجلة أن تكون لها نهاية، ونهايتها انبعاث وقيامة. ومن المشهديات المؤثرة أن جنازات الآلام التي تمت أمس في الكنائس قابلتها "جنازات" كبرى في ساحات الحرية ترفع من لافتات "القيامة" والنهوض ما يبشّر بأن الذي استشهد وسبق الجميع الى "القبر" سبق الجميع الى الضوء، والى القيامة. رفيق الحريري استشهد بأيدي يوضاسيّي العروبة والشعارات والعمالة، وفريسيّي القتل، بعد جلجلته الطويلة مع هؤلاء، ابتداء بغربان القصر والأجهزة الأمنية، وانتهاء بغربان الوصاية. فها هو رفيق الحريري يدحرج الصخر ويدحرجه معه مئات الألوف من الذين هزهم رحيلهم، لكن صقلهم ورفعهم الى مستوى الحرية، الى مستوى الوطن.
لكن لصوص الهيكل من "فريسيّي العروبة" وتجار القوميات المتعددة، وزوّار الجرائم، أبوا إلاّ أن يشقّوا دروباً أخرى موازية من الآلام، فأقدموا، وفي الليل (كل الانقلابات الثورية (من ثَوْر لا من ثورة) العربية تمت في العتمة وكأنّ أبطالها من اللصوص)، على التفجير و القتل وترويع الناس، وكأنهم يريدون أن يقولوا لنا أن لمخاضكم الى الحرية ثمناً باهظاً ستدفعونه من ممتلكاتهم وأرواحكم وخوفكم. فنحن (كما يوحون) أسياد القتل. أباطرة التخريب. وكل منا يساوي ألف يوضاس. وخيانتنا لكم وللأمة العربية تساوي ألف بيلاطس. ولا تصدقونا إذا ما غسلنا أيدينا من دمكم الصدّيق، فنحن نرفع دماءكم ونُعلنها على الملأ لتكون عبرة لمن ينادي بالحرية، ولمن يمشي على درب الحرية، ولمن يقبض على الحرية بأيد من الجمر.
لكن هذه الرسالة الدموية والتخريبية التي ورثوا قواعدها وتقاليدها من العدو الصهيوني، يمارسونها علينا بأبشع ما مارسه علينا شارون وبيغن ونتنياهو وبيريز. هذه الرسالة فهمنا فحواها: نفعل في اللبنانيين ما نخجل أو نخشى أن نفعله في العدو الذي ما زال يحتل أراضينا من مزارع شبعا الى فلسطين الى الجولان... فأنتم أيها اللبنانيون، كما يوحون، مُصنّفون، حتى إشعار آخر، في الخانة الأخطر من العدو. نقتلكم بأبشع ما قتلكم الصهاينة. ندمر مرافقكم بأفدح مما دمرته الآلة العسكرية الصهيونية. نُرَوّعكم بأروع ما روّعكم به الكيان العبري. وليس عندنا لا ضير ولا خجل ولا استيحاء. فشعاراتنا القومية جاهزة. وعملاؤنا جاهزون. ولن "ينجدكم" أحد. فأنتم رهائن عندنا. نحاصركم ونبيدكم عن بكرة أبيكم وأمهاتكم وأخواتكم وإخوانكم وعائلاتكم وذريتكم. فاللعب "معنا" هو لعب مع الجحيم نفتحه عليكم متى شئنا. والمشي نحو الاستقلال مشي على حرابنا، والتوق الى مستقبل أفضل يمر على أسلاكنا المكهربة وزنزاناتنا وسجوننا وآلات التعذيب المبتكرة عندنا وأجندات الاغتيال المبوّبة.
تريدون الاستقلال؟ خذوه! مبروك عليكم! لكننا بالمرصاد.. لن نترك لكم بقعة آمنة تنعمون بها. لن نترك لكم مساحة واحدة تتمتعون بها بهذا الاستقلال. فنحن "استقلالكم". ونحن "حريتكم". ونحن "نوافذكم". ونحن آتيكم! ونحن موتكم. ونحن حياتكم. فاختاروا. وماذا عساكم تفعلون؟ اغتلنا رفيق الحريري. وقبلها حاولنا اغتيال مروان حمادة... وها نحن ننتقل من القتل الفردي الى القتل الجماعي. من العقاب الفردي الى العقاب الجماعي. وليس لنا اختيار سوى ذلك. لأننا لا نتقن سوى ذلك. ولأننا محترفو إبادة. بها قُمنا ونشأنا وبها استمررنا. وبها "ننتصر" عليكم!
كل هذه الرسائل اليوضاسية الفريسية والمتصهينة حفظها اللبنانيون وتجرعوا مراراتها وذاقوا أوجاعها وعانوا مآسيها على امتداد عقود. وكل رسالة من هذه الرسائل كانت على امتداد عقود جلجلة يومية. لكن بلا قيامة. صلباً يومياً لكن بلا نزول عن الصليب. قبراً مفتوحاً لكن بلا صخرة تتدحرج. كان المسرح أحادياً لا يتحرك على خشبته سوى السفاحين. أما الضحايا فكانت أدوارهم في الكواليس وخارج القاعة وخارج النصوص. كان الضحايا غير موجودين. بلا صوت، ولا ملامح. ولا نبرات. كانوا صمتاً يتكدس فوق صمت. كانوا ذلاً يتراكم فوق ذلّ. كانوا موتاً يستحضر موتاً. يأساً يستدعي يأساً. إحباطاً يستولد إحباطاً. كانت جلجلتهم سرية. ممنوعة من الظهور. ممنوعة من سلوك أي درب. ممنوعة من أي وصول. كانت جلجلتهم، البلا طريق، تحفر في عمق. في لحمها. في جروحها. تحفر في شوكها. وفي دمها. وفي عذاباتها. تستسلم للسياط. وللحراب. بصمت الحملان، وقبول النعاج. كانوا أكباش فداء بلا تاريخ. حتى بلا جغرافيا. وبلا فضاء. ولم يكن من مشهد آخر مواز سوى بعض التململات، أو الحشرجات المكبوتة، والصرخات الممعوسة بالبوطات والجزم والبنادق. جلجلة طويلة بلا درب. وبلا أصداء. جلجلة تختزن عذابها. تحفظه في سرها. تسقيه في كتمانها. تربّيه في ضلوعها. حتى جاءت اللحظة المزلزلة. لمعت العلامة كالبرق استشهد الحريري بأيدي فريسيّي الداخل والخارج، بأيدي "العروبيين" المتصهينين، بأيدي الأعداء المقنعين ببراقع الأهل والأقارب. كان اغتياله كمن يدحرج كل الصخور. كمن يفتح كل الأبواب. كمن يهتف بكل العواصف: "أنْ هُبّي"، أنْ كنّسي هؤلاء القتلة. هؤلاء المتسلطين. هؤلاء الخونة من أول شعرة في رؤوسهم الى آخر ناب من أنيابهم.
جلجلة الأمس، لم تكن مجرد جلجلة عابرة. لم تكن طقوساً مألوفة. ولا صلوات مكررة. لم تكن في أماكن العبادة الخاصة والكنائس. كانت في كل بيت. وفي كل نافذة. كانت ارتساماً لدرب القيامة. كانت تحمل كل الإشارات والمفارقات الرائعة. اختلط الدم والموت بالضوء. امتزج الخوف بالكبرياء. تداخلت الفجائع بالنهايات المبكرة.
كأنها الجلجلة الأولى، بعد عقود، تآلف فيها الصوت والصمت. الخوف والحرية. القتل والانبعاث. الوجع والشفاء. أرادوها دمويةً هزيمتهم! أرادوها درباً لآلام الأحرار. أرادوها تتويجاً بأكاليل الشوك. لكنها صرخة النهايات إزاء صرخة الوداعات. دمعة الخسارة إزاء دمعة الانتصار. حقد الفريسيين من بتوع العروبة "المهوّدة" إزاء مشاعر الحرية العالية. فهنا عبرات. وهناك أفول. وهنالك مجيء بالشعانين وإشارات النصر. كأنها من السورياليات الجميلة، تجمع ما لا يجمع. أو الأحرى تجمع ما يجتمع عادة في زمنين مختلفين: زمن التولّي وزمن العودة. زمن الانتكاسات وزمن العُلُوّ والزُهوّ. زمن الموتى وزمن الأحياء. زمن الجلجلة والأثمان الفادحة، وزمن الحقائق الكبرى المعلنة. زمن الماضي بكلكله وأحماله وعتمته ومعدنه وزمن الآتي باسم الحرية والتحرير. زمن القمع والفاشية والاستبداد وزمن الديموقراطية. زمن الطغمة الأمنية والمخابرات التافهة وزمن الناس المتدفقين من كل جهات الوطن. زمن الزنازين وآلات التعذيب والتوحش والتخلف والبربرية وزمن الشرفات العالية والورد. زمن الكبت والصمت والخوف وزمن التفجر في الساحات والدساكر والجرود والمدن. كأنها الأزمنة المتعاكسة تتصادم. الجلجلات الخارجة على الجلجلات. الآلات المتمردة على الآلام. كانت كلها بنقائضها وتناقضاتها تتقاطع أمس والأسابيع الغائبة. وكان عليها أن تتقاطع، لأن من يصنع الموت وقد صنعه طويلاً، أصغر من أن يرى. أكثر عماء من أن يُبصر. أكثر جنوناً من أن يعي. أكثر تشبثاً بضحاياه وخرائبه من أن يلمح معالم الخروج، أكثر عناداً من أن يعترف بالحقيقة الآتية، أتفه من أن يتحقق من هزيمته المدوية. صُنّاع الموت ومهندسو الخراب، ومجترحو الاستبداد، ونحاتو القتل، ومعماريو الفساد والدكتاتوريات والتسلط، أوضع من أن يستشفوا ما للانقشاع الحي، وما للأمكنة المغسولة من نفاياتهم وأوبئتهم، ما للفضاءات المتسعة بأصوات القادمين الى الحرية، وما لعلامات الفجر من وهج واحمرار وإشراق. فكأنهم وهم "يحتضرون" في غرفهم المعتمة، وهم يشيّعون أيديهم وبزاتهم وأصواتهم وجثامينهم وآمالهم وجَبَرَوتهم واستعلاءَهم أصيبوا بعطب في حواسهم. أصيبوا في فجائعهم، حتى تبلبلت بصائرهم وعقولهم وتملكهم جنون النهايات، جنون القتل الأخير، جنون الطلقات المتبقية يفرغونها عشوائياً من يأسهم ومن ساديتهم وعدوانيتهم. كأنها طلقات النزع الأخير يوجهونها عبوات هنا وسيارات مفخخة هناك، كأن أصابعهم الميتة هي التي تضغط على الزناد، وهي التي تضغط على العبوة.
سكان الأقبية، ورُصَّاد الحياة، وقُطَّاع الأعناق، ها هم في المشهد الأخير: كراسيهم مهزوزة. قبعاتهم مرمية، نياشينهم موطوءة. تيجانهم ونجومهم شاحبة كوجوههم. ها هم، سكان اللحظات الأخيرة، كأنما أصابتهم الطلقات الأخيرة التي أطلقوها على الناس والعباد، أصابتهم في مقاتلهم نتائجُ تحقيق لجنة الاستقصاء الدولية. أدانتهم، عرَّتهم. أكدت أحداسَ الناس وهواجسهم وتكهناتهم... جعلتهم في غرف انتظار مصائرهم... وأمام منصات حكم العدالة، ولن يُعينهم مُعين. إنها لحظات العزلة الواطئة (لأنهم لا يعرفون ما معنى العزلات العالية) تلك التي تضعهم أمام مراياهم القذرة الموحلة المدماة.
لحظات جلجلتهم القادمة، جلجلة طويلة لن تقوم لها قيامة. ولن يشرق عليها ضوء. ولن تذرف عليها دمعة... ونظن أنهم، ومن جبنهم (والجبان الجبان هو الذي يستقوي على أهله، ويقتل العزّل) سينهارون، سينهارون ذرة ذرة. قطعة قطعة. ثوباً ثوباً. صوتاً صوتاً. روثاً روثاً. حذاءً حذاءً. سينهارون كما انهار كبار الطغاة، وصغار "اليوضاسيين"... بلا حول ولا قوة ولا رحمة ولا شفقة.
أمس، وفي الأسابيع السابقة، كم تمَّت معجزات: قيامات عديدة نهضت أمامنا: قيامة الشهيد رفيق الحريري في هذه الملايين من الناس حاملي ثورة الانتفاضة وأصوات الحقيقة وسر الوحدة الوطنية، وقيامة اللبنانيين في حريتهم واستقلالهم، قيامة لبنان بجغرافيته الكبيرة...
إنها كلها، حقاً قامت من بين الأموات... أما يوضاسيو الوطن فأمام جلجلاتهم السوداء... أمام عدالة القانون والناس، يبحثون عن مأوى ولا يجدون، وعن شفيع ولا يجدون، وعن مفر ولا يجدون.
إنه سر الجلجلات الكبيرة فاح اليوم بقياماته الكثيرة!
فنم أيها الرفيق الشهيد قرير الحلم، لأن حلمك الكبير قد بدأ يتحقق، ولأن قيامتك هلَّت بقيامة لبنان واللبنانيين بكل آمالهم بالحرية والاستقلال والديموقراطية!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.