يتساءل الناس، بعد تفجير السيارة في نيو جديدة، والأحداث المتفرقة "المدبرة" التي تقع في هذه المنطقة أو تلك، وبعد خطبة "حجّاجنا" الأمني على الشاشات وغير الشاشات، أين ستكون الضربة الثانية؟
ومع أن اللبنانيين كانوا يتوقعون منذ أشهر تنفيذ سيناريوات القتل الفردي والجماعي وتخريب الأمكنة والاعمار، إلاّ أنهم بعد عملية التفجير (وبعد اغتيال الشهيد الحريري) تحولوا الى منجمين سياسيين وأمنيين معاً؟
ولأنهم يعرفون طبيعة الأيدي القذرة الملطخة بالدم والفساد، فانهم باتوا يتساءلون أين سيضون السيارة المفخخة الثانية، والسيارات الأخرى؟ وهل يوزعونها بالقسطاط والفسطاط على المناطق لتعميم "انجازاتهم" القومية والعروبية والديموقراطية والعاطفية أيضاً؟ هذه وضعوها في الجديدة، فهل يضعون الثانية مثلاً في البسطة أو في الضنية، أو في الشوف أو في عكار أو في طرابلس أو بعلبك؟ ترى هل يقسم مقسمو الأرزاق والاعناق، جرائمهم الجماعية على كل طائفة على حدة؟ أم يخلطون الجريمة بالجريمة، والطائفة بالطائفة، والمذهب بالمذهب، لتكون ردود الفعل التي يقومون بها هم (أقصد المجرمين) كبرى، بحيث تحول الانظار عما يجري. ويعيق التحقيقات باستشهاد الحريري، ويؤجل أو يؤخر استحقاق اقالة رؤساء الأجهزة الأمنية، أو يحول دون تأليف لجنة تحقيق دولية، أو يغطي على نتائج التحقيقات التي أجرتها لجنة الاستقصاء الدولية؟ ربما؟ ويتساءل الناس ترى هل يلجأون الى تكبير العبوات من 25 كلغ في الجديدة الى مئات الكيلوات، ليحدثوا دماراً أعظم ويوقعوا أكبر عدد من الضحايا اللبنانيين، فيستريح بالهم وبلبالهم (القومي ـ العروبي ـ الصمودي أفقياً وعمودياً في رحاب الاستبداد)، ويرتوي تعطشهم الى الدماء (وهي ليست دماء العدو التي تعز ربما عليهم)، ويشفي غليلهم من الانتقام والثأر، الى درجة تجعل اللبنايين يشعرون وكأن "مفاعيل 17 ايار الذي وعدنا بها قد بدأت سلفاً. بل كأنهم "سلفونا" ثمن "خيانتنا" بعقد اتفاق مع العدو، علماً بأن العديد من الأنظمة العربية عقدت اتفاقيات هدنة غير معلنة مع اسرائيل، وتقاطعاً لا بأس به بين مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني!
برافو! والله برافو!
ثم يتساءل اللبنانيون هل وضع "أعداء لبنان" (وهذه المرة ليست اسرائيل!) بل، دود الخل منه وفيه)، السيناريو الموضوع أصلاً من زمان استعداداً لما جرى، أترى هل يستمرون في "انجازاتهم القومية بقتل الناس"، حتى يجهزوا على الاقتصاد اللبناني والسياحة والتجارة، ليثبتوا للعالم أنهم وحدهم القادرون (وليس وحدنا) على تأمين المناخات لاستمرار تطور الوضع الاقتصادي؟ وتالياً يشعر اللبنانيون أن هؤلاء المجرمين المتعاقدين مع شياطين النظام الأمني المزدوج والمتكامل، وكأنهم يريدون، بائسين، أن يرهبوا الشعب اللبناني (يرهبونه منذ زمان لا سيما عند كل استحقاق كالطائف مثلاً)، ويهددونه بحياته، وبوحدته، وكيانه، ودولته، ولسان حالهم يقول: قد تساعدهم خبرتهم في تحقيق هذا الانتصار غير المعلن برسم الصمود والتصدي؟ لكنهم يستدركون وبشفافية من صقلته الحروب والتجارب، أن المعركة هذه المرة لن تتوقف عند حدودنا. وانما ستُعرّب، بحيث تصيب من تصيب من البنى السياسي، والأنظمة القائمة. فقد يفتعلونها هنا وتنتشر الى خارج الحدود، فتنقلب عليهم الأمور والمصائر، وتدركهم النهايات المحتومة، بل ويقول لسان الكثير من اللبنانيين: من سيلعب بالنار القديمة في لبنان ستحرقه النار الجديدة من رأسه الى أخمص قدميه، ولن تكون الخريطة اللبنانية اذا "اشتعلت" وحدها التي ستشتعل. ولكن يستدرك هؤلاء اللبنانيون: يروجون لهشاشة الوضع اللبناني "الطائفي"، وكأنهم لا يدركون مدى هشاشة الوضع العربي، والأنظمة الواقفة بترنح على براكين من الطائفية والمذهبية من المحيط الى الخليج. وقد تكون بعض البلدان العربية (ولا أقصد لبنان) أكثر هشاشة من سواها، لتفاقم المشاعر الوطنية والديموقراطية وحتى المذهبية لدى الناس. ونظن أن بعض هذه الأنظمة هي التي تحتاج ترميم بنيانها الوطني، وتوحيد شرائعها، وتمتين وحدتها، أكثر من غيرها، لأن القوة لا تكفي لفرض الوحدة أو للتقسيم. ولأن القوة اذا نجحت في كبت هذه المشاعر فانها لن تنجح في الحؤول دون تفجيرها، لا سيما اذا انتقلت هذه العدوى من لبنان اليها، بل وأكثر: وقد يستدعي تمادي هذه الأجهزة الأمنية بمنحاها التخريبي والتقسيمي، وباقترافاتها الوحشية المتوقعة عبر السيارات المفخخة والاغتيالات، تدخل المجتمع العربي والمجتمع الدولي. ونظن أن هذا التدخل لن يقتصر على لبنان، بل سيتجاوزه الى أمكنة أخرى، حيث سيكون كثير من هذه الأنظمة على كف عفريت! ونظن، كما يظن كثير من اللبنانيين ان اثارة الفتن، وزعزعة الأوضاع عندنا، ومحاولة ترسيم حروب أهلية (لن تقع)، لن تحرف انظار العالم والعرب عن الوضع المتفاقم على كل المستويات في بعض هذه الأنظمة. بل ولن يؤدي كل ذلك الى أن تغض أنظار العالم عما يجري من انتهاكات داخل هذه الأنظمة وخارجها!
على هذا الأساس بات اللبنانيون لا يتخوفون فقط على مصيرهم، وانما على مصير غيرهم باعتبار وحدة المصيرين. من هنا يتمنى اللبنانيون ان يلتزم الآخرون بالحكمة (لا بالرعونة) وبالتبصر (لا بالعماء)، وبالحس التاريخي، لكي يساهموا في درء المخاطر عن لبنان وعن غير لبنان.
واذا لم يفعلوا ذلك، فستفاجئنا جميعاً النتائج الوخيمة.. وعندها لن ينفع لا نظام أمني ولا مخابرات ولا اختبار قوة ولا مجازر ولا قمع ولا حتى هروب... الى آخر الدنيا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.