عندما أطلّ اللواء الركن جميل السيد من الشاشة التلفزيونية في مؤتمره الصحافي المفاجئ والطارئ، حسبنا للوهلة الأولى أن صحوة ضمير قد تكون أصابت هذا الرجل، أو "وقفة عز" رفعته، أو لفتة شجاعة حركته، وتكهّنّا على هذا الأساس أنه سيقدم استقالته تلبية لنداء مئات الألوف من اللبنانيين.
حسبنا كل ذلك وأخطأنا، عندما رحنا نكتشف "شدة بأسه"، وعنف لهجته، وصرامة كلماته، وحدّة انفعالاته، وهذيانه الطويل الذي طال كل من ليس معه، وحتى كل من معه، ومَنْ أنجبه ومن رعاه ابتداء بالمعارضة وانتهاء بزعماء الاستقلال ووصولاً الى كل من هتف بسقوطه، وطالب باستقالته مع رؤساء الأجهزة الأمنية.
وكما اختزل النظام الأمني (وهو الركن من أركانه) الحياة السياسية وحتى الاقتصادية والاجتماعية، اختزل جميل السيد كل رؤساء الأجهزة الأمنية ونطق باسمهم، وكأنهم صوت واحد، وموقف واحد في مسيرة واحدة، وفي قرار واحد. فأي موظف هذا "يصادر" مؤسسات ومسؤولين آخرين؟ ومن أين جاء بهذه السلطة التي تخوّله إعلان موقف جماعي لمسؤولين جماعيين ومن دون استشاراتهم. عال! مصادرة؟ أم تواطؤ؛ أم ارتجال أم هي روح جنرالات أميركا اللاتينية، وجمهوريات الموز والخس واللوبياء دبّت من جديد فيه، وإن متأخرة، وإن على منبر النهايات، أم هو هجوم مضاد بقنابل دخانية تهدف الى استباق التحقيق الدولي (طبعاً) أو الى تبرئة "لفظية" للنظام الأمني، أو تهويلاً في غير مكانه جاء هزيلاً وبلا صوت بعد تظاهرة المليون الإثنين الماضي.
جميل أن يذكر السيد مآثره في تنظيم مديرية الأمن العام، وهو على حق في هذه الناحية الإدارية وتُحسب له، إلاّ أن فذلكته في تزكية الدور السياسي للأمن العام بحسب القانون، وتبريره لكل الانتهاكات التي ارتكبت على مختلف الصعد السياسية، وإدانته للطبقة السياسية الفاسدة (النظام الأمني أكثر فساداً)، وللنظام السياسي ككل منذ الاستقلال وحتى اليوم ومروراً بالحروب التي يعرف جيداً أدوار غير اللبنانيين فيها، وإدانة كل من عمل في السياسة ومن دون استثناء (هكذا كان يفعل جنرالات الانقلابات العربية والعالم الثالث)، استُشِفَّ منه نوع من الهروب الى الأمام، لكن استشف أيضاً أنه يضع النظام الأمني كبديل من الحياة السياسية، وكبديل من المجتمع المدني، بمشتقاته وتعابيره الديموقراطية. أي أننا، نتكهن وبسهولة، ملامح النظام الاستبدادي (المعسكر) الذي يبشّرنا به. وفي شطحة "صوفية" وجدانية عالية، عزّز تبشيره بنظام استبدادي (طاهر وبريء) بالكلام على إنجازات النظام المؤمنن مقابل فساد الطبقة السياسية. وقد ذهب به الشطط الى إدانته النظام اللبناني ككل. عال! لكن لم نعرف من أي موقع أدان هذا النظام (وفي هذا المجال نحن معه). أمن موقع العلماني، أم من موقع أنه جاء الى مديرية الأمن العام من خارج الصيغة الطائفية ـ السياسية ـ المخابراتية السائدة؟ أهبط على منصبه بمظلة طوباوية على الرغم من المعادلات والحسابات والتوازنات الطائفية، أم أنه يعني أنه جاء بإرادة "عليا" بعيدة (وربما خارجية) حاملاً سيف الإصلاح، ومبشراً بنظام عقائدي (؟)، عقلاني (؟)، طبقي (؟)، اشتراكي أو شيوعي أو حتى مدني (؟).
ونظن أن من يمكن أن يتكلم على تفاهة هذا النظام الطائفي وبشاعته ليس هو بالتحديد، بل ناس من خارج هذا النظام، لم تلطخ أيديهم لا بالاستبداد، ولا بالصفقات، ولا بالانتهاكات، ولا بالذهنية المعسكرة المتواطئة، ولا بالطموحات والانتهازيات الصغيرة والحقيرة، ولا بالتبعية، ولا بالسرقة ولا بالجرائم.
فأي صدقية لموظف تجاوز وظيفته؟ وأي صدقية لموظف جاء من قلب المعادلات الطائفية؟ وأي صدقية لموظف جاء من تقاطع بعض الزعامات الطائفية؟ بل أي صدقية لموظف استمر في مركزه عبر تقديمه الخدمات الأمنية الجلّى للنظام المؤمنن الساعي الى التعسكر؟
بل وأي صدقية لموظف يدعي على نفسه عند نفسه. عند من؟ عند أهل القضاء الذين يشكّلون جزءاً رائعاً وجميلاً من هذا النظام الأمني البلدي المدعوم من نظام أمني إقليمي. فهو الحكم والحَكمُ؛ وهو المدعي والمدعى عليه؛ وهو الحاكم والمفترض أنه المحكوم؛ فما أروع هذه "الشجاعة" التي تخبئ وراءها ما تخبئ من استباقات لجلاء الحقيقة وجلاء الحقائق الأخرى.
ولهذا من باب الجهل بالأمور، والسذاجة ومن باب طلب المعرفة من أهل العلم والخبر و"المواطن الصالح" (هل تذكرون المواطن الصالح؟) نطرح على اللواء الركن الثوري المتمرد رافع لواء "العلمانية الثورية البروليتارية الغيفارية" (غيفارا قتلته المخابرات) ببضعة تساؤلات كم نرجو أن يجيبنا عنها، تعزيزاً لصدقيته، وتكريساً "لشجاعته"، وتأكيداً على "براءته" المبرأة، وترسيخاً "لوطنيته" غير المخابراتية.
1 ـ لم يخبرنا السيد جميل السيد أين كان هذا النظام الأمني "الممسوك" (والمتماسك) الساهر بلا ملل ولا كلل ليل نهار على أمن المواطن، الموالي والمعارض، عندما اغتيل القضاة الأربعة في صيدا. واستطراداً، وبما أنه عَرّف عن نفسه كجامع معلومات للحكومة، لم يخبرنا من قتل هؤلاء القضاة؟ وأين صارت التحقيقات بشأنهم؟ ولماذا لا يجرؤ أحد على فتح ملفاتهم؟ ولماذا تمّ قتلهم؟
2 ـ لم يخبرنا المدير العام (بما أنه خزان معلومات وناطق باسم رؤساء الأجهزة) أين كان هذا النظام الأمني (الجاحظ العينين) عندما تمت محاولة قتل النائب مروان حمادة في وضح النهار، وأي "أيد بيضاء" اختطفت وأخفت الأدلة كشريط الفيديو مثلاً. إلا إذا كان يظن أن مروان حمادة هو الذي خطط لاغتيال نفسه ففشل أو خطط لاغتيال نفسه وأنقذه "نظامه" الأمني العمومي (وهو خاص). والسؤال ذاته: من حاول قتل حمادة؟ وأين صار التحقيق "السرّي" حفاظاً على سلامته وسلامتنا وسلامة النظام "غير البوليسي"، ولماذا تمت المحاولة المجرمة؟
3 ـ لم يخبرنا سعادة المدير العام (باعتباره تابعاً لمنظومة المجتمع المدني لا الطائفي!) مَنْ قصف في وضح النهار أيضاً مبنى تلفزيون "المستقبل" عام 2003؟ وهل تمّ توقيف أي مشتبه به، حتى من باب التعمية والتضليل؟ وهل يتجرأ أن يسمي الجهة التي نفّذت هذه الجريمة؟
4 ـ لم يخبرنا سعادة المدير العام من اعتدى على الطلاب في السابع من آب بهذه الوحشية التي تذكرنا ببعض أنظمة الاستبداد العربية، والدكتاتوريات اللاتينية؟ وهل يحق لرجال الأمن أن يواجهوا تظاهرة سلمية بهذه الشراسة؟ وهل يحق للأجهزة الأمنية أن يغطوا هذه الممارسات البربرية؟
5 ـ لم يخبرنا سعادة المدير العام من وزّع منذ سنوات عدة (كان على رأس المديرية) المناشير التي وضعت الرئيس الشهيد رفيق الحريري أمام واحد من ثلاثة اختيارات: إما السجن أو النفي الى الخارج أو القتل. شيء رائع أن يتم هذا في نظام أمني يريد أن يحل محل النظام الطائفي البغيض. رائع! رائع هذا الإرهاب "العلماني" المعسكر والمدجج الذي يخدم "مصلحة الوطن العليا" و"دولة القانون والمؤسسات" عبر ترهيب الزعماء والناس...
6 ـ لم يخبرنا سعادة المدير من يوزع المناشير المحرضة على الفتنة الطائفية (بما أنه معاد للطائفية البغيضة والطائفيين "البغيضين").
7 ـ لم يخبرنا سعادة المدير (وهو "الصريح" والباسل حتى العظم) من هي الجهة التي تتولى توزيع المهمات "الوطنية" والديموقراطية على بعض الموالين من السياسيين والصحافيين (من كتبة القتل في زواياهم الغربانية) والبلطجية، والتي تخوِّن بعض أركان المعارضة، إما لابتزازهم، وإما لتشويه صورتهم، أو تمهيداً لقتلهم؟ مثلاً من كان يهيئ "الملفات" الصحافية والإعلامية (الخاطئة) بالأرقام والوقائع، التي حاولت تشويه صورة الرئيس (الذي تصفه بالشهيد فيا للاستدراك الرائع!) الحريري؟ وتالياً من هي الجهة الخارجية التي كانت تنظم فتح هذه الملفات إلاّ إذا اعتبر المدير العام نفسه "حراً مستقلاً" في قراراته الوطنية وفي "معلوماته" الخاصة وأراشيفه الصفراء؟
8 ـ لم يخبرنا المدير العام، لماذا كان وما زال يتم التنصّت والتجسّس على المكالمات التلفونية للمعارضة والموالاة والناس، وهل التجسس على هواتف المواطنين يشكّل جزءاً من الديموقراطية التي يمثّل ورؤساء الأجهزة الأمنية "دعامتها" وأملها ومستقبلها "المضيء" الذي أشرق على بعض الأنظمة المخابراتية العربية فحققت من الهزائم ما يشرّفها باعتبار أن هذه الأنظمة الاستبدادية التافهة تحوّل هزائمها انتصارات تحتفل بها في المناسبات الوطنية؟
9 ـ لم يخبرنا المدير العام (باعتبار أن الأجهزة الأمنية باتت خبيرة أيضاً بالاقتصاد تماماً كما في النموذج الشقيق) من سرق بنك المدينة، ومن نهبه! ونحن نعلم كما هو يعلم أن رنا قليلات ليست أكثر من واجهة تغطي أسماء كبيرة بلدية وأخوية وعائلية. فهل له أن يزوّدنا بالأسماء وبالمبالغ التي سرقها "العلمانيون" حلفاؤه في محاربة الزعامات الطائفية؟ وهل يستطيع أن يخبرنا بشفافياته (بجمع المؤنث السالم) ما دور القضاء اللبناني والمخابرات اللبنانية والمهيمنين، في طمس هذه القضية وجرجرتها، تغطية للفاعلين الأساسيين؟
وهل صحيح أن بعض الأقارب في السلطة، وبعض القضاة "المتميّزين"، وبعض المخابراتيين المحليين والأخويين، نالوا حصصاً لا بأس بها تقدّر بالملايين وعشرات الملايين؟ وأين صارت هذه الملايين؟ وأسأله: أتُرى خرجت أنت من هذه "المهمة" الوطنية والقومية والعروبية (ما دامت العروبة الاستبدادية تذر الرماد في العيون) خالي الوفاض، بخفي حنين وغير حنين..؟
10 ـ لم يخبرنا "أبو المراجل" (وأكاد أقول "أبو كلبجا") ماذا حلّ بالصناديق السود ابتداء بالكازينو، وانتهاء بصناديق المرفأ والمطار وسباق الخيل، ومروراً بصناديق بعض البنوك، والى من تؤول "الجزية" أو "الضريبة المضافة"، أو الخوة (البلدية والقومية) وبأي اتفاق مفروض تمّ كل ذلك؟
11 ـ لم يخبرنا "أبو الديموقراطية العلمانية" و"مانديلا" النظام الأمني، من يوزع رخص السلاح على بعض الناس وفي بعض المناطق؟ ونسأله: أيمكن ادراج توزيع هذه الأسلحة على محازبي النظام الأمني (هل تذكر ارتين الأسمر؟) ليساهموا في بناء الاستقرار والوحدة الوطنية بعيداً من طروحات الزعامات الطائفية السائدة؟
12 ـ لم يخبرنا أبو الثورة "العرابية" الحديث من يتولى بث شائعات التفرقة المذهبية والطائفية، ومن أي مختبر (أمني ـ وطني ـ قومي علي خط استراتيجيا الصمود في وجه العدو)، يضخ نعيق الحروب الأهلية (ما دام طانيوس شاهين الجديد حريصاً على التماسك الاجتماعي). بل ونسأله الا يعتبر وهو الخبير بشؤون المنطقة ومطامع الصهاينة، ان محاولة الايحاء بهشاشة الوضع، وبحتمية التصدع الاجتماعي، تخدم اسرائيل بالدرجة الأولى، الى حد يمكننا القول فيها ان ثمة "عروبة صهيونية" تتأسس لتهديم الواقع اللبناني، تبريراً لبقاء هذه الجهة العربية فيه (لحماية اللبنانيين من أنفسهم)، أو تبريراً لأي اعتداء صهيوني؟
أوليس هذا دعوة الى استباحة للبنان؟ تحت مسميات عديدة؟ وهل يكمن دور الأجهزة الأمنية في تسهيل هذه الاستباحة من قبل الداني والبعيد، الشقيق والعدو، البلدي والغريب؟ ونسأله: أبهذه الطريقة يا فخر الدين لبنان، تحارب النظام الطائفي بتأجيج الطائفية، وتكافح المذهبية باثارة المذهبية؟ أهذا هو الدور الموكول للأجهزة الأمنية؟
13 ـ لم يخبرنا "ماو تسي تونغ" الثورة الثقافية اللبنانية، من "يؤسس" (وبدون علم وخبر أحياناً) تجمعات مذهبية (وهمية) ليضعها في وجه المعارضة وتحركاتها، لتمارس عليها ارهاباً (مذهبياً مضاداً) بالسواطير والعصي والسكاكين والشعارات المشينة؟
أهكذا تواجه ايها الثوري الجماهيري (هل تساءلت لماذا لا يحبك الناس؟) ظواهر التخلف والاقطاعية والمذهبية، وتشجع على ممارسة المجتمع المدني (الذي تدعي الانتماء اليه) حريته في التعبير والتظاهر؟...
14 ـ لم يخبرنا الذي يفتدي دولة القانون والمؤسسات بدمه (وخطاب القسم الذي بشر بقطع الأيدي والرؤوس) من أين تأتي "كلمة السر" للنواب والوزراء وحتى البلديات بترشيح هذا الرئيس أو ذاك، ومن يقرر مصائر الحكومات ومجالس النواب عندنا وما هي الوسائل "الديموقراطية" العروبية التي تمارس على هؤلاء لاتخاذ مواقفهم: والسيد يذكر مثلاً "معركة" التمديد. وهو يذكر ما كانت عليه مثلاً مواقف ايلي الفرزلي (غوبلز النظام الأمني وأحمد سعيد الميلودرامي حتى التفجع والدمع والغضب أيضاً)، والرئيس حسين الحسيني والرئيس نبيه بري، ونقولا فتوش، وخصوصاً الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟ وهل له، كمقرّب من "مراكز القرار" ما هي طبيعة التهديدات التي وجهت الى وليد جنبلاط ورفيق الحريري؟ يا ليته يذكر لنا اللغة الحضارية التي "أقنع" بها بعض المسؤولين السوريين هؤلاء... ليؤيدوا التمديد. شيء يقزز البدن! وتالياً لم يخبرنا، وهو الحريص على دولة القانون والمؤسسات من يحكم لبنان فعلياً؟ السلطة اللبنانية المنتخبة؟ المخابرات السورية؟ أم النظام الأمني المشترك والمزدوج، فمن يحكم لبنان فعلياً؟ وأنت، من خلع عليك هذه "السلطة" التي لا تأتيك لا من الجماهير ولا من الطوائف ولا من اليسار ولا من اليمين؟ (مع ان كاريزمتك جماهيرية جداً) أَتَضامنُ الأجهزة الأمنية التي "تمون" أنت على رؤوسائها فتتكلم باسمهم من دون علمهم (فيا لديموقراطية الموظف الأعلى من الوظيفة، ومن وزير الداخلية، ورئيس الحكومة...)، أم هيمنة المخابرات المعروفة: من أين تستمد "جبروتك"؟ بساعد من تضرب؟ وتالياً من هي الجهة التي خولتك والأجهزة الأمنية بتفريغ المجتمع المدني من أدواته الحزبية والنقابية والاجتماعية والثقافية وحتى الجامعية وقد وصلت المخابرات الى الجامعة اللبنانية التي يفرض عليها أن تمنح شهادات دكتوراه بالقوة هل تعرف من أقصد، واللبيب من الاشارة يفهم ويفرض عليها أساتذة ويتم التدخل حتى بالبرامج وأسئلة الامتحانات. طبعاً هذا تجسيد رائع، أقصد تجسيداً مخابراتياً طليعياً للحرص على القيم الاكاديمية والعلمية واستقلال الجامعة والمؤسسات التربوية. برافو! يا باستالوزي!
15 ـ وأخيراً لا آخراً نصل الى بيت القصيد، من خطط ونفذ وقرر اغتيال رفيق الحريري بهذه الوحشية المدبرة من قبل "مجرمي الحروب" (هل توافق على أن القتلة مجرمو حرب؟ برافو!). اتظنها جريمة عاطفية؟ كان يمكن أن تحول هكذا لكن لا يمكن ان تصدق؟ اتراها جريمة ثأر عشيرية، عائلية، قبلية؟ جيد انكم لم تسوقوا لها؟ أهي جريمة "أصولية" مؤمنة. حاولتم فاتهمتم "أبو عدس" ومن ثم الحجاج الاستراليين من أصل لبناني. لم تنطل! أهي اسرائيل: تلفظتم في البداية باسمها لكنكم تراجعتم. برافو! أهي أميركا؟ لوحتم بهذه التهمة لكن تلويحاً؟ من يبقى؟ ونسألك هنا: أهي جريمة سياسية وهذا ما أشار اليه كثيرون من زبانيتكم لكن بدلاً من أن يسألوا "من قتل الحريري حولوا السؤال "من المستفيد من قتل الحريري؟ مرفقين بهذا التساؤل أن كل اللبنانيين تضرروا من استشهاده، ولا سيما السوريين. اذاً لا بعض اللبنانيين ولا بعض النظام السوري. هذا من جهتكم... المهم أنكم موافقون على أنها جريمة سياسية: الغاء أحد أقطاب المعارضة. برافو! لكن لم يخبرنا من الذي مهد لقتل الحريري (ومحاولة اغتيال مروان حمادة) من خلال1 ـ عمليات التخوين التي توزعت على ألسنة بعض المرتبطين بالعهد وبالمخابرات المزدوجة 2 ـ اتهامه بالتعامل مع اسرائيل 3 ـ تآمره على وحدة لبنان 4 ـ التشكيك بعروبته (والمشككون من خوارج العروبة)، 5 ـ التشكيك بكل مشاريعه "المشبوهة" التي تخدم "العدو الصهيوني" (الذي لم يعد يحاربه أحد من أنظمة الصمود العربية!) 6 ـ ارتباطه بفرنسا وأميركا 7 ـ الترويج بأنه وراء القرار 1559، 8 ـ اتهامه باقناع شيراك وبوش وسواهما باخراج السوريين من لبنان، وتغيير هوية لبنان (ما هي هوية الأجهزة يا جميل السيد هل لك أن تخبرنا؟)، وعليه، فتحت ملفات بعض مؤيديه والعاملين في مؤسساته (الفضل شلق، مهيب عيتاني، فؤاد نعيم...).
وأبلغ تهديدات مباشرة وغير مباشرة بالقتل أو بالنفي أو بالسجن، وعليه أيضاً تم سحب مرافقيه الرسميين من قوى الأمن... حتى أخيراً نجحت مؤامرة قتله وكانت الكارثة! (وابتسم المخططون واحتفلوا بظفرهم أقصد فرح هؤلاء الأغبياء حاملو العقول الفارغة).
16 ـ من خلال هذا التسلسل الا يحق لعائلة الحريري وللشعب اللبناني أن يسألكم يا رؤوساء الأجهزة الهضمية عفواً الأمنية من قتل رفيق الحريري وأن تحوم حتى التهمة حول مسؤوليتكم، لا سيما وأنه تم نقل كثير من الأدلة كالسيارات وسواها من مكان الجريمة. نسألك: من أمر بنقل هذه الأدلة؟ والى أين سحبت؟ وعند أي ميكانيكي أزيلت المعالم التي تفضي الى كشف خيوط الجريمة؟
أنت أيها اللواء الركن أقدر تفجعك على الحريري مع سائر خصومه وأعدائه، لكن اسألك أين كنتم ساعة وقوع الجريمة، وقبلها أثناء التحضير لها، وبعدها أثناء ازاحة الأدلة؟ وأين كانت عيونكم الساهرة؟ وكيف تفسرون تسلسل الأحداث من التخوين الى القتل؟
17 ـ حتى الآن لم تفيدونا بشيء. سوى بالأكاذيب والتلفيقات وبمحاولات تضليل التحقيق بشكل صبياني تافه. وهنا أسئلة: ما دمتم أنتم (ومن وراءاكم من أوصياء وأولياء) بريئين من دم هذا الصديق، فلماذا بالله عليكم لا تطالبون بلجنة تحقيق دولية؟ أو على الأقل تعترفون بمسؤولية التقصير وتضعون استقالاتكم بتصرف رئيس الجمهورية (رفيق دربكم ومواكبكم في كل خطواتكم السديدة حتى هذه اللحظة المديدة والممددة!).
أكثر: لماذا تريدون أن تذروا الغبار في العيون: كأن تدّعوا على انفسكم بانفسكم (والله، شاطر يا دالوز الأمن!) عند أنفسكم: عند من؟ عند أبي القضاء والعدالة والموازين الدقيقة: عدنان عضوم الذي يتحفنا منذ تسلمه التمييز بإنجازاته الرائعة، حتى وقع كل الشعب اللبناني في غرامه (وعليه أن يسأل أيضاً: لماذا "يحبه" الشعب اللبناني الى هذا الحد الجارف لا سيما وأنه عين وزيراً للعدل مكافأة له على نضاله من أجل الحق والحقيقة والنزاهة والشفافية). وبالمناسبة: لماذا لم يعينوك وزيراً. أنت تستحق مثله مكافأة على انجازاتك الطليعية! ولو هذا ظلم! لم يساووك حتى بوئام وهاب أو بناصر قنديل أو بإيلي الفرزلي؟
18 ـ اذاً لماذا بدلاً من ان تستقيلوا اتهمتم انفسكم؟ ألاستباق التحقيق الدولي! أتظن أنه تكفي ادانة "النظام الطائفي" والتهجم على الزعماء اللبنانيين لكي تموّه الأمور وتبعد الكأس عن شفاهكم، أم أنكم كسواكم تريدون أن تربحوا الوقت وتقوموا بعمليات مقايضة بدم الحريري أو مساومة... أو باغراء بعض المعارضة؟ بالطبع الحصار يضيق عليكم: تظاهرات مليونية تطالب برؤوسكم "البريئة"، لجنة التحقيق الدولية آتية، بعض نتائج لجنة الاستقصاء صدرت، وكثير من المعلومات متداولة... حوصرت اذاً. إذن فلنصعّد! وهكذا صَعّدتَ وحولت مكان المعركة الى لعبة النظام، بدلاً من أن تربط لعبة النظام الأمني بمسؤولية الجريمة.
لكن ماذا نفعل لك؟ فكأنها النهايات يا صديقي! كأنها الساعة تدق بكل قوة حقيقتها! ولن تنفع لا العنتريات ولا التبريرات، ولا الاختباء بالقضاء اللبناني المسيس والمرتهن والبلا صدقية.
بقي ان المونودراما (مسرحية من شخص واحد) التي قدمتها ليست مأخوذة من تراجيديا "الملك لير"، بل ربما من مكبث (الطاغية في مسرحية شكسبير) أي تراجيديا السقوط المدوي. أما كنت تظن أيها اللواء الركن أن الأمور ستجري على غير هذه الطريقة؟ لكن ماذا نفعل لك: مشت الأمور هذه المرة كما يجب أن تمشي وبدأت تدرك نهاياتها: أفول النظام الأمني والتبعية مع بزوغ فجر الحقيقة، سواء باكتشاف قتلة الحريري (وميلوسوفيتش ينتظرهم على أحر من الجمر) أم باستعادة الوطن السيد الحر المستقل!
انها مونودراما النهايات مثّلتها بطريقة رديئة جداً جداً جداً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.