8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شعبك يا أكبر الشهداء يشهد اليوم لقيامتك

كأننا، بعد شهر من استشهادك، في اليوم الأول. بل في اللحظة الأولى، مرت الأيام ولم تمرّ. كرت الساعات ولم تكر. توقفت بحزن، وفاجعة، وكسور، في تلك البرهة التي اغتالك فيها الخونة والمجرمون.
لحظة من شهر. شهر من لحظة. بل لحظة من دهر. دهر من لحظة. ما زالت العيون التي شهدت مقتلك مفتوحة بكل أبصارها، وذهولها. ما زالت الأفواه الفاغرة بكل أوجاعها، تصرخ في البيوت وفي الشوارع والساحات والدساكر والجرود والمدن والسواحل.
صرخات ما زالت على طزاجتها وعلى قوة ما فيها من هول واستنكار. وما زالت الناس وكأنها من فور تلقيها النبأ، مهراقة الدمع. مسفوكة الألم. وها هي الجموع تتكاثر، وتتناكب، في صيحة الغضب والانتفاضة، على امتداد هذا الشهر، الذي اكتنز ما تكتنزه سنوات؛ وها هو ضريحك لا تذبل فيه الورود ولا الأكاليل، ولا تنطفئ حوله الشموع، ولا تجف فيه الدموع، ولا تتعب الأيدي، ولا القامات، ولا البحة في الحنجرة، ولا الصرخة في كل الجسد.
ثلاثون يوماً بلا زمن. وبلا مسافة. وبلا مواقيت. كأنما تواصلت فيها الثواني والدقائق كتواصل الناس، وتواصل المشاعر، وتواصل الانتماء، وتواصل الأعلام والرايات، وتواصل الصرخات، صرخات الحرية والاستقلال والحقيقة وسقوط الأنظمة الأمنية والمخابراتية.
وفي هذا الشهر، ومن اتساع ينابيعه وروافده، كان أن تحقق ما حلمت به أيها الرفيق الشهيد (وما يخافه أعداؤك، أعداء لبنان والأمة العربية والإنسانية)، بل كأن ما سعيت إليه أدرك مرماه، وأصاب هدفه. ولهذا، نمْ أيها الرفيق الشهيد قرير الحلم، فاللبنانيون لم يخيّبوا آمالك. لم يتفرقوا. لم تؤثر فيهم شعارات الفتنة التي يبثها قتلتك والمحرضون على قتلك، والمدبرون للمجزرة، القابعون اليوم، بكل هزائمهم، في الأقبية وفي الغرف المحصّنة بالخوف، والرعب.
لم يخيّب آمالك الشباب. فالعلم الذي انتصر، فوق الجميع، جعلوه من لحم ودم. وكأنك تردد: كل علم لا يكون من لحم ودم هو علم منصول اللون، ميت المعنى، هزيل الحضور. لم يخيّبوا آمالك. جاوروك. بقوا قربك. بكل حزنهم وغضبهم. بكل حرياتهم القادمة. بكل ما يتلج في نفوسهم من إصرار، وبكل ما يتحرك فيهم من إرادات، ينشدون النشيد الوطني الذي صار كالعلم من لحم ودم، ومن أصوات وعواطف وزهو وافتخار. إنهم قربك يكملون سبيلك. يستدفئون ضريحك. يحتطبون ذكراك. يستلهمون روحك. يستحضرون حضورك، ليكون كل ذلك عوناً لهم، ودافعاً لاستمرارهم، وبوصلة لخطاهم.
لم يخيّب الناس، كل الناس آمالك. فكان الشهر شهرك وكان شهرهم.
التموا حولك كملاذ، وكملجأ، وكمزار ليتوحدوا، توحد الغيوم، وتوحد الينابيع، وتوحد الصدور. فهل كنت أيها الرفيق الشهيد، لتتصور كيف أن ما زرعته على امتداد عقود، قد نما فجأة وأينع وأثمر وكبُر؟ فهل كنت لتتصور ما فعلت يداك في هذا الشعب، الذي عرف أنك علمته كيف يكون الوطن واحداً. وكيف تكون الأرض أرضاً. وكيف تكون الحرية حرية. وكيف يؤخذ الاستقلال. وكيف تنتزع السيادة، وكيف يلمع الإنتماء بكل توهجاته وألوانه وتنوعاته.
اليوم، أيها الرفيق الشهيد، سيعودك لبنان. من كل الجهات التي حضنتها، ورعيتها، من كل الفئات، والأعمار، ومن كل الأصوات.
اليوم، سيحجّ إليك لبنان من أقصى جنوبه الى أقصى شماله، من متنه وجبله، وكسروانه وجبيله وطرابلسه وصيداه وصوره وبعلبكه وبقاعه... حتى لتتنحى الحجارة ان تكون بشراً لتزحف إليك. حتى ليتمكن المطر أن يصير أصواتاً ليضمك. حتى لتتمنى الأشجار أن تكون لها خطى لتمشي إليك. حتى الغيم أن يكون دمعاً ليهطل عليك. حتى لتتمنى الأنهار أن تسابق ماءها لتتدفق إليك.
اليوم، يقصدونك. كلهم، الأحياء، الحالمون، المصغون الى لغة الوطن السرية. الى لغة الأرض الجوانية. الى الينابيع الى التاريخ.
اليوم، يقصدونك، حاملين من أصواتهم الأنقى ليلاقوك بها. ومن مشاعرهم الأصفى ليردوا شيئاً من جميلك. ومن إراداتهم الأمضى ليستمروا، ويملوا ما بدأته. ذلك أن الشعوب لا تحيا إلا بقدرتها على الرفض. ذلك أن الشعوب لا تبقى إلا بإصرارها على الوفاء لقيمها. ذلك أن الشعوب التي تخنع وتخضع شعوب ميتة ولو تحركت بالأغلال أو تنفست بالذل، أو تضمخت بطيوب التحنيط.
شعبك، يا أكبر الشهداء، يشهد اليوم لك.
شعبك الذي كان يعرف ويعجز عن الكلام ها هو يعرف ويمتلك صوته. شعبك الذي كان يعرف ويعض الجروح، ها هي جروحه تقوده الى الحقيقة المعلنة، الى الحقيقة الصارخة.
شعبك الذي يعرف جيداً من قتلك ومن حاول قتل مروان حمادة، رمى كل الأقنعة. رمى الصمت وإن ذهباً، رمى السكوت وإن كنوزاً. وسيقول وسيقول عالياً من قتلك ذلك لأنه خبرهم وعرفهم. سيقول بصدوره وحناجره وأكفه وماضيه وحاضره ومستقبله من قتلك. الحقيقة، أيها الرفيق الشهيد تسطع على جباه شعبك. صور المجرمين ترتفع على مفاصلها. أيديهم الآثمة أسيرة بصماتها، تيجانهم ونجومهم هرهرت قبل نضوج التين والعنب.
اليوم، لحظة عالية من لحظات الفجر، ويمكنك وأنت، قرير الحلم، ان ترى كيف يطلع الفجر في أبهته، في الظهيرة أحياناً، وفي الليل أحياناً. وكيف يطلع الفجر أحياناً من عيون الأطفال، ومشيب الشعور، ونضارة الشباب، وعَرَق العمّال، وتعب الفقراء، ونظرات المفجوعين بكرامتهم وعزتهم، والمحرومين من حرياتهم.
اليوم الرابع عشر من آذار، رابع عشر آخر. وآذار آخر سبق فيه أهلك الربيع. وغيّروا الفصول حتى صارت كلها فصلاً واحداً من الربيع. ففي بلادك تصنع الفصول. وكل يوم يُصنع ربيع، وكل ربيع يصنع ربيعاً آخر. فالمطر يصبح ربيعاً. والغيم يصير ربيعاً. والسهل يصير ربيعاً. والجبل والحجر والشجر والورد تصير ربيعاً واحداً. إذ كيف لا يمكن لشعب يصنع مثل هذا الربيع، ولا يكون هو ربيعاً.
إنه الربيع سبقه أطفالك وأبناؤك بل سبقته أنت، فكنت بشيره وفوحه وطيبه وانقشاعه.
اليوم، الرابع عشر من آذار، كأنه تقويم جديد، تقويم يصنعه أهل الحرية. وكل تقويم جديد لا يصنعه سوى أهل الحرية. ويعني أيها الرفيق الشهيد، أن التقاويم المجبولة بالذل، والمهانة، وبالجبروت، وبالظلم، والعدوانية، والمصادرة، هي تقاويم عارضة، مفروضة، وأن الأزمنة التي يقسِّم مواقيتها القتلة والاستبداديون واللصوص والمخابراتيون هي مواقيت خاطئة، عابرة، بلا زمن ولا ناس، مواقيت من زبد.
اليوم يأتونك كالهواء من كل الجهات، أهل الوفاء، يأتونك حاملين وفاءَهم كما يحملون صراخهم ودموعهم وكلماتهم.
فيوم الوفاء لا بد أن يكون أكثر من وفاء. وأجمل من يوم عرفان الجميل. وأروع من يوم استذكار. يوم الوفاء يعني بالنسبة لهذه الجموع المؤلفة يوم الانتماء الكبير، الانتماء النضر للبنان الواحد، للبنان الحرية، للبنان الغد. فالوفاء لك أيها الرفيق الشهيد، هو وفاء للبنان الآخر، الخارج من السجون والخوف والاستكبار والاستبداد.
إنه يوم الوفاء للشهيد. وهو يوم الوفاء للبنان. ذلك أن الشهيد يختزل لبنان، ذلك أن لبنان لا بد أن ينهض من دم الشهيد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00