ذهبت الأنظمة والمؤسسات والأفكار والأرض والأيديولوجيات والشعارات والديموقراطيات والحريات ومفاهيم الدولة الحديثة وكرامة الانسان، كلها ذهبت ونجا على انقاضها وخرابها وغربانها شيء رائع تراكم ونمت فروعه، وتفتحت وروده، وسمقت أشجاره، ونضجت ثماره، هذا الشيء الرائع الذي صمد في وجه "الأعاصير"، وقاوم التحولات والتبدلات وعصى على الهزائم هو ثقافة التخوين.
هذه الثقافة المزدهرة في أوقات الشدة، وفي الأزمات، لم تنقطع يوماً في سياق الحوار بين الأنظمة والأحزاب والمؤسسات العربية، وبين قادتها الأبرار (معظمها سفاح)، حتى انتشرت وشاعت بين الأفراد والجماعات انتشاراً مذهلاً، كبديل من الأفكار وصراعها، والعقلانية وأدواتها.
أتذكر، ومنذ صغري، أنه لم يشذ نظام عربي واحد عن تخوين نظام آخر على صراع أو خلاف معه، حتى بين "أهل" الحزب الواحد، والعقيدة الواحدة والصف الواحد...
فالعراق خون النظام السوري مرات عديدة، واتهمه بخيانة الشعب والأمة والانحراف عن العقيدة البعثية. وهذا ما رد به النظام السوري، بأطيب وأعطر منه. وكلنا يذكر السجالات "الفكرية" الديموقراطية "المخونة" بين النظامين.
ومصر خوّنت العراق أيام نوري السعيد ورد العراق بتخوين مصر. الأولى اعتبرت النظام "الشقيق" خائناً (ضمن حلف بغداد) مرتمياً في أحضان "الامبريالية" وبالطبع الصهيونية. والثاني أي عراق نوري السعيد لم يقصّر في اتهام مصر عبد الناصر بالارتماء في أحضان الاتحاد السوفياتي (وإن عبر دول عدم الانحياز).
هذه الانجازات الفكرية التخوينية شهدنا من فصولها كثيراً في الحرب اليمنية التي تدخّل فيها الجيش المصري. وقد دبج في هذا المجال الكثير من آيات "التخوين" المتبادلة. ولا ننسى في هذا المجال المبادرات "الأخوية" بين سوريا ومنظمة التحرير في صراعها السياسي لا سيما في لبنان، عندما كان كل طرف يكيل للآخر الاتهامات التخوينية (عن جدارة وعقلانية ووطنية وقومية وصمود وتصد). ونسوق هنا لمن نسي تلك اليافطات التي رفعت في بيروت في منتصف السبعينات وحتى الثمانينات والتي تندد بالنظام السوري على قاعدة مديح ياسر عرفات ومنظماته.
حتى ضمن الجبهة الفلسطينية لم يتردد الأطراف (على قاعدة مقاومة العدو) في سحب أسلحة "التخوين" في وجه بعضها.
اذاً ارث طويل وعريق من ثقافة التخوين المظفرة هيمنت على اشكال الصراعات العربية. ويبدو ان هذا الارث العظيم لا يحتاج الى من يجدّده، فهو يجدد حيويته من تفاهة الأنظمة، ورديفتها الأجهزة والمخابرات، ومشتقاتها من الأحزاب القومية والوطنية واليمينية البائدة. ويكفي ان نسترجع "بلاغات" هذه اللغة وفصاحاتها وأدبياتها في السنوات الأخيرة في لبنان، وعلى ألسنة مسنونة بخيباتها، حتى نتأكد كم أن الزمن لا يتغير في بعض العقول المهترئة، وفي بعض الأمخاخ المرتهنة. فالرئيس الشهيد رفيق الحريري تعرض على امتداد العقد الأخير لأبشع أنواع الاتهامات، وحاول كثيرون ولا سيما ذوي "الأيادي السود" تشويه انجازاته، وتلويث صورته، وتخوينه. والتهمة الجاهزة (لدى هؤلاء المهزومين) هي اسرائيل وأميركا... وكأنما كان كل ذلك تمهيداً لاغتياله (ربما من قبل الذين مهدوا بحملاتهم المنظمة عليه). والزعيم الكبير وليد جنبلاط يبدو أنه اليوم، وبعد استشهاد الحريري، "نجم" هذه الاتهامات و"فريستها"... لتشمل نعمة التخوين (من قبل خونة الوطن) كل من يناهض السياسات المفروضة.
كل هذا كان مفهوماً. لكن يبدو أن الألسنة الظلامية لا تريد أن توفر أحداً. وها هي خفافيش الأجهزة، تسلط ارهابها على تلفزيون "المستقبل" (سبق لها أن أطلقت صاروخين على مبناه عام 2003)، لتضعه أيضاً في دائرة التخوين، وتضيف اليه لائحة جديدة ـ تتضمن اسماء بعض نواب بيروت. فتلفزيون "المستقبل" الذي يلعب دوراً رئيسياً في انتفاضة الاستقلال، وفي التركيز على كشف الحقيقة والتوصل الى معرفة الجناة المجرمين (وهم معروفون. اسألوا أي انسان عادي في لبنان، ويعطيكم الجواب الشافي) الذين اغتالوا الرئيس الشهيد. أما نواب بيروت "الموصومون" بتهمة خفافيش النظام الأمني وقادته الذين "أبدعوا" في محاولة قتل المجتمع المدني ومؤسسات الحياة السياسية ونشر ثقافة الترهيب والارهاب، فقد "أفردوا" في هذا التصنيف (اضافة الى تلفزيون المستقبل)، ليس لأنهم قرروا المضي في كشف "الحقيقة" والمطالبة بإقالة رؤساء الأجهزة الأمنية (وانجازاتهم في هزم العدو الصهيوني كثيرة جداً جداً) فقط، بل لأنهم من ارث الرئيس الشهيد وكأنهم بذلك لم يكتفوا بجريمتهم المدوية (هم مجرمو حرب وينتظرهم ميلوسوفيتش في معتقله على أحر من الجمر، فليستعدوا)، بل ويريدون ان يقتلوا رفيق الحريري في قبره. يريدون ان يدمروا نهجه التوحيدي، ويشوهوا لبنانيته العروبية الناصعة (وهم خونة العروبة ولبنان والقومية والتقدم)، ويقضوا على روح انجازاته، وعلى كل ما من شأنه ان يبث الروح المنتفضة في المجتمع اللبناني العصي على مخابراتهم وتفاهاتهم وفسادهم. ويكفي ان يخون هؤلاء المجرمون والسفاحون تلفزيون رفيق الحريري ونوابه، لنعرف الى أي مدى بلغ يأسهم وأسقط في أيديهم... ولم يتبق لهم (وأيامهم معدودة انشاء الله) سوى أمل واحد يدغدغ قلوبهم المتحجرة العفنة) ومخيلاتهم المعدنية وهو بث الفتنة الطائفية (التخوينية) في صفوف اللبنانيين الذين وحّدهم الحريري تحت علمهم اللبناني الجميل الرائع الحر الحي بأجسادهم، وخيب ظنونهم باحتمال افتعال "حروب أهلية" هم "صُنّاعها"، وهم منفذوها... خدمة لاسرائيل وللصهيونية، لتأجيل سقوطهم الذي سيكون مدوياً، وفي حجم الوحدة العظيمة التي حققها أهلنا في كل جهات الوطن.
والمضحك، ان ربيبي الأجهزة السخيفة ومن وراءهم، يتلطون وراء العروبة ليخونوا الناس باسمها. أعداء العروبة يتكلمون باسم العروبة. وسفاحو القومية العربية يرفعون راياتها. وناحرو الديموقراطية يلهجون بمحاسنها. وجزارو الحرية يهتفون بفضائلها. فأي عروبة يعرف هؤلاء الأميون الجهلة؟ وأي قومية يدعون الانتساب اليها هؤلاء الخوارج الجدد؟ وأي حوار يدعون اليه، هؤلاء القتلة، الذين قام مجدهم على التفرقة، والقسمة وبث الفتن الطائفية تبريراً لسيطرتهم وادامة سلطتهم وجورهم وقمعهم وفسادهم؟
جنرالات الهزائم التاريخية المدوية، هم جنرالات التخوين. وجنرالات الصفقات المعروفة مع العدو الصهيوني والامبراطورية الأميركية هم جنرالات التخوين. وجنرالات النهب والسرقة هم جنرالات التخوين. وجنرالات الابادة الجماعية هم جنرالات التخوين وماذا سنفعل بجنرالات تلمع نجومهم بالخيبة والقتل والارهاب والترويع سوى ان نقول لهم: نجومكم وتيجانكم من سقط المتاع، ومن روث التاريخ، وجهودكم البائسة للحؤول دون انهيار سلطتكم الأمنية فاشلة سلفاً، مهما خوفتم ومارستم الارهاب الأمني على الناس، ومحاولتكم ابعاد كأس اقالة رؤوس الأجهزة الأمنية سيكتب لها (إن شان) الفشل ايضاً، لأن ملفاتكم المحرضة، والمتواطئة والمهملة، وتاريخكم على امتداد العقد الماضي أبلغ دليل على ادانتكم. ولكم ان تفعلوا ما تشاؤون لتأجيل ادانتكم، وسحبكم الى جوار مجرمي الحرب، ولكم ان تفعلوا ما تشاؤون لكي تموهوا الحقائق وتضللوا التحقيق في جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، ومحاولة اغتيال مروان حمادة، وارهاب وليد جنبلاط ونواب بيروت وتلفزيون "المستقبل"، لكم ان تفعلوا ما تشاؤون، وتتآمروا على شعبكم ما تشاؤون، لكن مصيركم محتوم. ولن يجدي اللعب على التناقضات، وبث الفتنة، وترويج الاشاعات، وتوزيع المناشير (كلها آتية من الزمن الغابر، فكم هم متخلفون وأميون... وتافهون)، وترهيب الناس بإفلات مخابراتكم ليعتدوا عليهم، كل ذلك قد يؤخر "الاستحقاق" الذي ينتظركم... لكن رؤوساً كبيرة ستتدحرج، وتيجاناً ونجوماً كثيرة ستنطفئ، فالانتفاضة من أجل الحرية مكملة دربها، باسم التغيير، والديموقراطية، ووحدة الشعب الآتية لا ريب... الآتية على اكتاف شباب كل لبنان جنوباً، وشمالاً وجبلاً وسهلاً وساحلاً... ومن كل الفئات والأحزاب والطوائف والمناطق.
ونقول لكم أكثر: الوحدة الشعبية تحققت في عمق التظاهرتين: في ساحة رياض الصلح وفي ساحة الحرية. الم تلاحظوا، برغم كل شيء، ان وحدة داخلية سرية، رائعة باتت تلمع في تلك الأجساد والعيون والأصوات الصارخة في لبنان، في كل لبنان.
كلمة أخيرة: أترون أيها القتلة كيف انتصر الحريري عليكم مرتين: مرة في حياته ومرة في مماته. أترون كيف تلاحقكم انجازاته الوطنية والعمرانية، حتى داخل مخابئكم وأقبيتكم وغرفكم السرية المعتمة؟
فالموت أيها المجرمون يكون أحياناً كثيرة ولادات كثيرة... وها هي هذه الولادات تفوح وتنتشر في كل ساحات الوطن وشوارعه ودوره وبقاعه! أترون كم مرة يولد الحريري في كل لحظة في عقول الناس وفي آمالهم وأحلامكم؟ الا ترون كم مرة يولد الحريري في العروق المنتفضة، في العيون المشرقة، في الشباب المنضم الى وطنه كله؟ الى الأطفال المتطلعين الى زمن تكون فيه الحرية صنو الحياة وصنو المستقبل؟ بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.