8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إطمئن أيها الرفيق الشهيد فقد أزٍفَت ساعة الطغاة

الاغتيال السياسي تاريخ وجغرافيا وثقافة وايديولوجيا ونمط تفكير، وطريقة إحساس، عندنا، لدُن، أنظمتنا العربية، التي قام عديدها على الاغتيال واستمر به، وانتعش بهزائمه المظفرة، وبزهوّه المنكسر، بهذا التعامل ليس مع خصومه المباشرين، بل مع شعبه. ولو عدنا إلى الذاكرة "المطيبة" بالجرائم التي اقترفتها الأنظمة التي اعتلت السلطة بالدبابات والأسلحة، وأفردت "انتشارها" على الحكم بأوبئة القتل المتغلغلة فيها، لوجدنا ومن دون جهد، أن هذا القتل الذي تحوّل عندهم بفضل "اتقانهم" (لم يتقنوا سواه) إلى غريزة، وإلى طبيعة ثانية، يتوارثها الأبناء عن الآباء، و"خير خلف من خير سلف".
فالاغتيال السياسي عند معظم حكامنا من الأوامر اليومية، ومن أطباقهم المفضلة. كمصاصي الدماء لا يرتوون إلا بشرايين أهلهم المفتوحة على أفواههم وبطونهم. ولا يشبعون إلا من لحوم شعوبهم. كأن كل قطرة دم تسري في عروقهم، هي من دماء أهرقوها. وكل قطعة لحم في أكنافهم هي من لحوم قطعوها إرباً إرباً، وكل بصر يسكن عيونهم مستل من العيون التي فقأوها، وكل لسان ينطقون به شراً وكذباً مسحوب من الألسنة التي اقتلعوها.
فهؤلاء المجرمون (بالجينة المتوارثة) لم يستفيدوا من إرث البشرية، سوى من جانبه المظلم، المعتم، إرث القتلة لا يرثه سوى القتلة. تأملوا وجوههم، واحداً واحداً، وأجسادهم (الميتة) جسداً جسداً، وعيونهم (المطفأة) عيناً عيناً، وقسماتهم الممحوة قطعة قطعة، لتعرفوا كم أنهم كائنات باتت مركبة ومجبولة بضحاياهم وقتلاهم، حتى بتنا نعرفهم من ومض أرماشهم، ومن خفق صدورهم، ومن بصمات أكفهم، بأنهم، لا يجيدون لا الفكر، ولا العقيدة، ولا الدين، ولا الأخلاق، ولا المتعة، ولا الأيديولوجيا... لا يجيدون شيئاً من كل هذا، سوى فن الاغتيال حتى باتوا "عباقرة" في هذا المضمار، يجترحون القتل كما تجترح المعجزات، ويمارسون هواياتهم فيه، كأعتى الأبطال.
قتلوا رفيق الحريري. وما زالت أجنداتهم الدموية حافلة، واستراتيجيتهم الدموية مكتظة. هذا الرجل المعتدل، الوطني، العربي، العالمي، الانساني بامتياز. باني لبنان الحديث، لم يرتدعوا عن إلغائه بأبشع الطرق، وأحطها، وأغدرها وأسفلها، وأذلها، وأكثرها وضاعة وحقارة، هي من سماتهم وصفاتهم وطبائعهم وتركيب عقولهم الفارغة.
هؤلاء النهّابون، السرّاقون، اللصوص، الحرامية، الفجعانون، كأنما لم يكفهم ما استباحوه، واغتصبوه، واقترفوه فعمدوا إلى تتويج رغباتهم الدنيئة بقتل رجل اسمه رفيق الحريري، كان أكبر منهم، وأعظم منهم: عملاق أمام أقزام أمنية تافهة. شاهق أمام كائنات مندثرة، لم يتبق لها من عقول وأمخاخ ومشاعر، لم يتبقَ منها سوى إرادات مجرمة، وبطون وفواه وأجهزة هضمية متخمة بخيرات الآخرين، وبآمال الآخرين، وأحلام الآخرين.
هذه الكائنات البلا عقول، والكثيرة الرعونة، والمفرغة من كل ما يجعل الانسان انساناً، والرجل رجلاً، كأنما على مشارف نهاياتها. كأنها على فوهة الحفرة التي حفرتها لرفيق الحريري وسواه. كأنها بدأت تتسمم بما ازدرته، وابتلعته (كالحيوانات والمواشي والكلاب). كأنها الجثث التي بدأت تتنفخ بما علفت أنفسها به، هذه الجثث، التي لا تشعر برعشة حياة عابرة، إلا بتكديس جثث الآخرين. هذه الجثث التي يفوح نتنها أمام شعوبها وأمام العالم، حتى بات عليك أن تسدّ أنفك، إذا ما ذكرت، أو رأيت من ملامحها، أو سمعت من أخبارها. عالم من الجثث عالمها. عالم من المعدن والقذارة والنفايات عالمها. تذكرنا بكبار زملائها في التاريخ من هولاكو إلى هتلر إلى جمال باشا إلى ميلوسوفيتش الذين ينتظرهم على أحر من الجمر في ذله وفي سجنه.
ولكن، ومع كل ما يعتمل في نفوسنا من قرف منهم، واحتقار، وازدراء (باعتبارهم لا ينتمون لا إلى الجنس البشري ولا إلى الجنس الحيواني، ولا حتى إلى الجنس النباتي)، ومع كل ما يثور فينا من علامات الغضب والتقيؤ، نبشرهم، بأن نهايتهم أزفت. وبأن كراسيهم ستكون نعوشهم. وأن بطونهم وخزائنهم التي اكتظت بخيرات الآخرين وبآمالهم ستتخلع. ولن يبقى لديهم مأوى يؤون إليه، ولا ملجأ يلجأون إليه، ولا رحمة يترحم بها كلب عليهم، ولا شفقة يطلقها انسان عليهم. إنهم وحيدون في نهاياتهم. معزولون في "أبهتهم" الكاذبة، مفجوعون في سلطانهم المكسور، مضروبون في أحلامهم الصغيرة، محطومون في تواطؤاتهم الخبيثة.
إنهم في الأدراك. وفي الحضيض، يدورون على أنفسهم، كما يدور الكلب الذي فقد عظمته، أو الذئب الذي فقد فريسته، أو الأفعى التي فقدت أنيابها وسمومها.
لقد دقت ساعتهم وقرعت نواقيس جنازاتهم في كل درب يسلكونها. وفي كل بيت يسكنونه، وفي كل كلمة يقولونها.
فنمْ أيه الشهيد، يا شهيدنا، يا رفيق الحريري، نمْ قرير العين. نمْ قرير الحلم. لأن هؤلاء الذين قتلوك، لن يشعروا بالراحة بعد الآن. لن ينجوا من عقاب الله والشعب والقانون. ولن يتمكنوا من غسل أيديهم المضرجة بدمك. فها هو العالم كله أيها الشهيد، يضعهم واحداً واحداً، أمام مقصلة، وفي حبال المشانق. نمْ قرير العين أيها الشهيد الرفيق، فقد تركت من يثأر لك. ومن ينتقم من هولاء. ومن يكشف الحقيقة. ومن يقض مضاجعهم.
نمْ قرير الحلم، فشبابك اليوم، الذين يحملون العلم الذي رفعته، وينشدون النشيد الوطني الذي أنشدته، لن يخيبوا أملك. وسيكونون عند حسن ظنك وأكثر. ها هم كالقصائد البشرية، يتلون الصلوات عليك، ويتلون "تراتيل" الحرية والاستقلال، ويرفعون قبضاتهم الفتية الطاهرة، مطالبين بكشف الحقيقة. كل الحقيقة. مطالبين باستعادة الوطن. كل الوطن. باستعادة إرثك، وإنجازاتك، وأحلامك.
نمْ قرير الحلم أيها الشهيد الكبير، فشبابك من كل جهات وطنك الذي أحببته، لن يهدأ لهم بال إلاّ بسقوط الطغاة، الوافدين من زمن البربرية، ومن الزمن المظلم، ومن زمن الاستبداد.
نمْ قرير العين والحلم والقلب أيها الرفيق الشهيد، لأن ساعتهم أزفت، وأن دقاتها التي تعلن نهايتهم، ستدقّ أيضاً في عروقك، وفي عروق شعبك، معلنة افتتاح فجر جديد مشرع على الحرية والديموقراطية والاستقلال.
نمْ قرير العين أيها الرفيق، فبيروت اليوم تعيش ملحمة النهوض، بعدما عاشت معك ملحمة البناء والإعمار والعطاء.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00