لم أكتشف، لا في طفولتي ولا في مرحلة من حياتي كم أن العَلَم اللبناني جميل. فجأة رأيته ملوحاً، خفاقاً، عالياً بلونيه الأبيض والأحمر وبأرزته الخضراء؛ فجأة رأيت ألوانه. عرفت أن اللون الأحمر كم أحمره جميل. عرفت كم أن اللون الأبيض أبيضه جميل. عرفت كم أن الأرزة، على صلابتها، وعتقها، تشبه الهواء، بل أخف من الهواء. وتشبه الشباب، بل أكثر شباباً من الشباب.
هكذا فجأة عرفت علمي. ربما كان ينتمي الى أزمان وقسمات وأيد. ربما كانت ألوانه مجرد ألوان. ومستطيلاته مجرد مستطيلات. ربما كان "شيئاً" فولكلورياً. عادياً. ملولاً. تراه ولا تراه. وإذا رأيته كأنما ترى ما لا يشدك. ما لا يصدم حواسك. ما لا يجعلك تحمله. بل وأتذكر انه قلّماً حملت علماً لبنانياً باعتباره شيئاً استثنائياً. باعتاره من جماليات مميزة. أو من دلالات تتجاوزه كشيء قابع مهمل، يسحب في المناسبات يرفع، ثم يضبضب لمناسبات قادمة. قلّما حملت علماً باعتباره شيئاً يخصني. شيئاً من جسمي. ومشاعري. وانتمائي. وأفكاري. كأنما جعلوه رقعة، بلا زمان ولا مكان، ولا لون، ولا فضاء، ولا ناس. كان علماً يبحث عن ناسه. يبحث عن الأيدي العالية، لترفعه عالياً. عن عيون تراه وكأنه شمسها. أو قمرها. أو درب من دروبها.
اكتشفته كلّه، بعد استشهاد الكبير رفيق الحريري في انتفاضة الحقيقة والاستقلال والحرية. رأيته كله. هكذا. بالحاسة. والخفق. والضعف. والحلم. والإيمان. والخوف. رأيته كلّه، كمن ينظر الى وليده بكل كيانه. اكتشفت أن هذ العلم، طالع من كل ألوان بلادي. من أبيض الثلج في القمم. ومن أبيض الزبد في الموج. ومن أبيض البراعم في الثمار والشجر. من أبيض الأمل في القلوب. من أبيض الصفاء. من أبيض الوطن من أقصاه الى أقصاه. طالع من كل ألوان بلادي هكذا اكتشفته. وكل ألوان بلادي طالعة منه. لون العلم من ألوان ما يأتي. وربما لا يأتي. من ألوان ما سيأتي. لم أعرف اني سأكتشف يوماً كم أن علم بلادي هو قدر. قدر لا ينتهي. يمشي خلفه، طوعاً، وشغفاً، كل من يريد أن يستجيب قدره، كل من يلبي ذلك النداء الغامض الواضح المضمر والسافر القاسي والحنون، الهادئ والجموح، نداء من لم يُعد يرى سوى علم يضم الحرية من أول يد الى آخر سنبلة، ومن أقصى وجه الى أول شجرة. هكذا، ومن دون مقدمات، ولا أفكار، ولا إيديولوجيا، ولا طوارئ، ولا مذاهب، ولا قبائل، ولا عصائب، ولا أوشام، رأيت العلم، عارياً إلاّ من ذؤابات الصبح. إلاّ من أصابع شباب، رأى شبابه فيه. إلاّ من شيب رأوا بياض أيامهم القادمة في بياضه. إلاّ من نساء رأين في خفقانه، ما يهزّ سرائرهن، وآمالهن، وما تنطق به حناجرهن.
لم أعرف يوماً أن علم بلادي على هذا الجمال، والأناقة، والذوق، واللياقة، والعلو. كان، إذا ارتفع، كأن يرتفع بلا رفعة. أياد تشده الى الأسفل. وكان إذا انخفض كأن يخفضه خجله من نفسه. وكان إذا لفّ كأنّ يلتف بيأسه، أو يخشى من فضائه، وهوائه، ومائه، وشجره، وأطفاله وماضيه.
كان ذات يوم، وكأنه مريض بالانطواء. مريض بالعزلة، كأنه كان يشبه الملك لير الذي تخلّى عنه أهلوه وأبناؤه والسماء كلها، هكذا كان تراه ولا تراه. ويراك ولا يراك. تحمله ولا تحمله. يحملك ولا يحملك. هاوية بينكما. ذلك، أنك لم تفكر لماذا ما كان في مقدورك أن تفلشه أمامك. أو تشهره أمام عينيك. أو تمرره على جسمك. أو تداعبه بأناملك وعينيك. وأن تعامله ككائن موجود. أو يعاملك ككائن مجهول. وتسأل من حفر تلك الفجوة بينك وبينه. من أوجد ذلك الجفاء، أو على الأقل، ذلك الإحساس باللاجدوى بينك وبينه. كان علماً من أعلام كثيرة لا تعرفها. ثم لاتعرفه بينها. كان علماً أحلته أعلام كثيرة لا تعرفها، كان علماً مجهولاً بين أعلام مجهولة. تبحث عنه ولا تعثر عليه. تعد ألوانه وتنساها، تفحص الأحمر وكأنه من طلاء. والأبيض كأنه من طبشور. والأرزة كأنها من خشب.
لكن ما الذي جعلك تراه فجأة. ما الذي جعلك تراه للمرة الأولى وكأنه طالع من يديك وطفولتك، وشبابك، وأيامك، ورغباتك، وبصرك، وحواسك، حتى بت تعجز، وأنت تتفقده بما تبقى لديك من عزم، أن تفرق بين ألوانه وبين ألوانك، ألوانك كلها. من كلماتك إلى جلدك، إلى شعرك، إلى يقظتك، إلى نومك، وحتى إلى كوابيسك، صار ألوانك، صرت ألوانه، وكم أحسست صرت تشبهه، وصار يشبهك، وأن كل شيء فيك صار يشبهه، الحرية التي تحلمها تشبهه، الوطن الذي يمتد في عروقك يشبهه، الأطفال يشبهونه، الأنهر، الجبال، البحر، الشوارع، المدن، القرى، الحدائق، والبساتين والغابات تشبهه. كيف صار كل شيء يشبه هذا العلم. كيف صار العلم يشبه كل شيء. وفي الوقت ذاته لا يشبهه شيء، هكذا اكتشفت أن العلم الذي يشبه كل شيء في بلادك، لا يشبه أي علم آخر في الأصقاع والأقطار، لا يشبه أي علم آخر في الأصقاع والأقطار والأوطان الأخرى. وحده هكذا ارتفع بكل خصبه. وحده الأجمل تحرره ألوانه. وحده الأبهر يخفق كألف ذاكرة، وألف مخيلة... وألف غدٍ.
فجأة، اكتشفت كم أن علم بلادك جميل. فجأة اكتشفته بين أيدي الشباب، أكثر شباباً، يمسكه الآلاف وكأنه أكثر. يمسكه الملايين وكأنه أكثر. يغطي الساحات وكأنه أوسع. يرفرف في النوافذ وكأنه أرحب. يتنفس في الهواء وكأنه رئة الهواء. مشى العلم أخيراً في قاماته العالية، مشى في القلوب ليوسّع منها، مشى في الشوارع ليمنحها الألفة، والأمان، والحنان. مشى في الغابات ليكثر من كائناتها وشجرها ونباتها. مشى في القمم ليرفعها. إلى الوديان ليفجر صمتها وينابيعها.
أين كان علم بلادي كل هذه المدة؟
بمَ كان يغطي وجهه؟ بمَ كان يطمس ألوانه؟ بمَ كان يخنق هواءه؟ بمَ كان يستر أسراره الكثيرة؟ بمَ كان يعزل نفسه؟ بمَ كان يخفي هويته؟ بمَ كان يكتم صوته وصراخه وأناشيده؟
أين كان علم بلادي الذي وجدته في النهاية، في بؤبؤ العيون، وفي شرايين القلوب، وفي لون دفء المشاعر، وفي كل الدروب، كل الدروب التي توصل إلى الحرية.
فيا عَلَمَ بلادي، كم أعتذر منك، بعدما عميت عن رؤيتك طويلاً، وكم أعتذر منك، لأني خجلت منك طويلاً، وتنكرت لك طويلاً، وأنكرتك ثلاثاً ذات زمن... طويلاً وطويلاً!
أنا اليوم، الابن الضال الذي يحتضن ضالته، يا علم بلادي، يفتخر بك بقدر ما يخشى ألا تغفر له، ويضمك خوف أن تفلت من حواسه وأمانيه، ويلتف بك خوف أن يصيبه البرد، ويذود بك في الشدائد، والمصاعب.
وأخيراً وجدتك يا علمي، بكل بهائك، وأبهتك، وحضورك، وجدتك عندما وجدت كل ما افتقدته ذات زمن، طويلاً وطويلاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.