8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تظاهرة لبنان الكبير

لبنان كله كان في وداع الشهيد رفيق الحريري. أقصد لبنان الأكثري الذي رأى في التشييع مناسبة متعددة الرسائل والدلالات والمعاني، من وفاء لأحد أسياد الوفاء للبنان، الى إعلان واضح عن وحدة الشعب، فإلى صرخة استقلالية مدوية، فإلى دمعة تحمل في مائها وملحها من التوق الى الحرية ما تحمله من توق الى السيادة، فإلى تفتح على ما يكتزه لبنان من قيم تمثلت في الراحل الكبير، كل ذلك هدر بالهتافات العالية، وبالحناجر، وبالأجساد والدمع، والعيون، والأيدي، والوجوه الغاضبة، والملامح التي يختزن صمتها ما لا يختزنه الكلام المرّ أحياناً.
تظاهرة لبنان الكبير تجلّت في الجنازة. تظاهرة لبنان الكبير الذي تمسك به كل لبناني، من جهاته الأربع، جسده الراحل الكبير، رداً على تهافت الإنعزاليين الجدد الذين ما عادوا يرون في البلد الكبير سوى خرائط ممزقة على مساحة الطائفية والمذهبية. ذلك، كأن لبنان كله، انفلش أول من أمس، وتمدد، كالماء، على كل تلك الخريطة التي أرادوها كرتونية، وكانت من أجسام وأحلام، وطموحات، وآفاق، وعمران، وثقافة، وتوحد في ظل تعدد لا ينتهي.
ذلك أن لبنان كله، يعني الناس كلهم. أقصد الناس الذين، بقدر ما تذوقوا من مرارة الحروب والمؤامرات القريبة والبعيدة، بدوا وكأنهم جاهزون لكل أمر، ولكل جواب، يمكن أن يؤدي الى كسر القيود، وتحطيم أبواب السجون. ولهذا كان لبنان كله، أول من أمس، هو لبنان الحرية. لبنان الناضج. الراشد. السلمي. الحواري. الديموقراطي. المعتدل (بدون تواطؤ) تماماً على صورة الراحل الكبير، أو الشهيد الأكبر، وكأنه كان يردد في سرّه بيت الشابي المشهور:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القدر.
وها هو، في يوم الجنازة، يلبي نداء القدر كأنه يلبي نداء النفس. وكأنه يعرف بداهة أن الحرية لا تمنح. ولا السيادة رشوة. ولا الاستقلال منة. ولا الوحدة مجرد كلام. بل هذا كله جزء من عذاب ومعاناة وتضحيات، جسدها كلها، شيخ الشهداء، رفيق الحريري، ليفتتح طريقاً الى وعورته، خلاب بهذه المعادلة الصعبة التي ترجح فيه كفة الوطن على كفة الحياة. هذه هي معاني الاستشهاد الحقيقية. ومعاني النضال الحقيقية التي لا يعرفها سوى الأحرار. بل كأن في هذه التظاهرة ـ الأم، ما يقول أن لبنان ليس لبنانَين ولا عدة لبنانات، بل واحد، وعلى هوامشه عبيد، وعملاء، ومرتزقة ومأجورون وخونة، لم يحترفوا يوماً حبه، بقدر ما احترفوا تخوين أهل الحرية، والوطنية، والخلّص، والذاهبين الى الأقصى في سعيهم الى الاستقلال، والديموقراطية، وكسر النظم الديكتاتورية، والاستبدادية، والأمنية، التي لا تعرف من الأوطان سوى سلعة تباع وصفقات وسمسرة؛ بل كأن الوطن بالنسبة الى هؤلاء ليس أكثر من بضاعة، وأهله ليسوا أكثر من قطعان تساق بالقوة والقمع.
انهم الإنعزاليون الجدد. هؤلاء الذين امتهنوا قتل القومية باسم القومية، والعروبة باسم العروبة، والتقدمية باسم التقدمية، والنضال باسم النضال، والصمود باسم الصمود، والحرية باسم الحرية.
لبنان الحقيقي كان كله هناك في جنازة الرمز، في جنازة الشهيد الأكبر في الهواء الطلق، حراً كالهواء الطلق، جميلاً كتلك السماء الجميلة، نضراً، حياً، رائعاً، حاملاً حلمه الصعب، معه، بلا تردد ولا وهن.
لبنان كله هناك. أما من سقط على قارعة الطريق، من مخبرين وعسس وقتلة وأصحاب سوابق، ومحترفي المجازر الجماعية والسيارات المفخخة، فقد سقط ولن تقوم له قيامة، بل عمّقَ سقوطه في الحفرة التي حفرها للشهيد الراحل.
بعد تظاهرة الوفاء، ستكون النوافذ أجمل، ولو على مرارة، والمنازل أكثر اتساعاً. والهواء أنقى. والوطن واضحاً كالشمس واضحاً كله كالشمس كلها ولو على افتقار وصورة رفيق الحريري كالمرآة العظيمة، لكل شغوف بوطنه وبحريته، وبسيادته، وديموقراطيته.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00