قد نفهم ونتفهّم محاولات بعضهم تصعيد الخطاب السياسي بطريقة جنونية جامحة (يائسة) إلى درجة التهويل بالحرب الأهلية، وتخوين أكثر من نصف اللبنانيين، والتهديد بالاغتيال، والتخريب، والتدمير، وتفكيك المجتمع، وقلب الطاولات والكراسي والمواثيق والدساتير والمعادلات، والتحريض على النعرات الطائفية، وإثارة الفتن المذهبية: قد نفهم ونتفهم هذه اللغة المهلوسة باعتبارها رسالة موجهة "إلى الخارج" أكثر مما هي رسالة موجهة إلى الداخل. كأن يُقال ما مغزاه وفحواه وإيحاءاته ومجازاته، إن هذا الشعب عاجز عن أن يكون شعباً. بل عاجز حتى أن يكون "شعوباً" متعايشة، أو حتى قبائل متجاورة. بل عاجز عن يكون من فصيلة البشر "الأسوياء"، الطبيعيين. إذ، وكما يريد أن يرسمه بعضهم على صورتهم بالطبع، غابة ليس فيها سوى وحوش وهمج لا شغل لديهم ولا هاجس إلا بأكل بعضهم، وشن الغزوات والسبي والحروب. بمعنى آخر، إن اللبنانيين خطر على أنفسهم وخطر على جوارهم وربما على العالم. ومن المستحيل، في ظل هذه المواصفات البربرية، أن يُتركوا وحدهم، من دون مروّضي حيوانات، وأطباء نفسانيين (وهم مرضى بالقتل والحرب)، ومهندسي حدائق حيوان، وبنّائي أقفاص ورافعي قضبان، ومختصين بمعالجة جنونهم وقصورهم وتخلفهم العقلي والاجتماعي والسياسي.
قد نتفهم كل ذلك (تأملوا أن نتفهم هذه الصورة التي يرسمونها عنا!) لا لأننا نصدقها (وهي مزوّرة ومزيّفة كواضعيها ومروّجيها)، وإنما لأننا اعتدنا هذه المعاملة "الحضارية" المشكورة، من "حضاريين" و"آدميين" وأساتذة في الديموقراطية والحرية، وجهابذة في تلقين معاني الانسانية، على امتداد نحو أربعة عقود تناوب فيها علينا العديد من الحريصين على صحة سلامتنا العقلية، ووحدتنا الاجتماعية، وصمودنا... وعنفوان عروبتنا وقوميتنا ووطنيتنا! (واللبنانيون يمكن أن يسترجعوا كل تلك السُحَن التي روّجت لأمراضنا... لتكون الطبيب والمعالج والدواء... (وهي الداء)!.
قد نتفهم ما وراء هؤلاء "الآدميين"؛ لكن ما لا نستطيع تفهمه الآن، وبرغم التجارب والتجاريب، محاولات هذا البعض (آخر السُحَن الكالحة) وفي السياق الذي أشرنا إليه، تبرير القتل. تبرير أي اغتيال تم بطريقة علنية سافرة مشهودة ومُعَاينة. ومعروفة. أو الأحرى تبرير الجريمة العادية المفضوحة في وضح النهار، بلا خجل، ولا استحياء، ولا ضمير.
إن أشدّ ما أذهلني محاولات بعضهم، من ساسة وآخرين تبرير اغتيال كمال جنبلاط. نحن نتفهم أن تُدرج الجريمة مع جرائم ومجازر كثيرة في سجل الحرب، من ضمن إرادة إرساء السلم الأهلي، وعدم نكء الجراح، وتناسي الأخطاء. هذا مفهوم! لكن تبرير الجريمة، وفي هذا الوقت بالذات، يتجاوزها، لا لتبرير الجرائم السابقة إبان الحرب فقط، وإنما لتبرير كل جريمة سياسية يمكن (أو يُنتظر) أن تُرتكب. كأنها دعوة سافرة، ومباشرة، وملحاح، لقتل كل مَنْ تسول نفسه، أو يفكر، أو يعمد إلى "الخروج"، على "الخط" (الهمايوني). بمعنى آخر، تبدو الدعوة إلى وليمة القتل "عمومية" لا تقتصر على أفراد معينين، وإنما لجعلها ظاهرة عادية، طبيعية، ترتكب وفعلتها مجهولون ـ معروفون، يتمتعون بالحماية التي توفر لأفراد المافيات، أو للمرتبطين بالأجهزة الأمنية المرتبطة بالأجهزة القضائية! أوليس هذا ما يفعله الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين؟ أوليس هذا ما يرتكبه "الموساد" كل يوم، عبر اغتيال كل من "يُهدّد" أمنه، واحتلاله، ووجوده على أرض فلسطين؟ وما الفارق بين عدو يغتال أهلنا في فلسطين (وفي العراق) وبين جهاز أمني من ظهرانينا، يخطط للاغتيالات، والتخريب، والتهويل بالحروب، والاعتداء اليومي على كل مَنْ يعارضه أو يعارض مرجعياته؟
إن تكريس هذه الظاهرة، عبر تبريرها، من بعض الساسة وسواهم، إنما يصب في هذه المناحي، ليتجاوزها إلى الأمور الأخرى: من اغتيال الطائف إلى اغتيال قانون الانتخابات إلى اغتيال الاعلام، وحرية التعبير، إلى اغتيال بيروت (عبر تقسيمها الكانتوني الانعزالي). فهل المطلوب، كرسالة إلى الخارج، أن نصدر أيضاً لبنان وكأنه البلد الذي يُغتال فيه كل شيء (على أيدي اللبنانيين طبعاً!). (صورة أخرى مرعبة). والمُرعب، والوَقح، والقَذِر ألا يكتفي بعض هؤلاء بالتواطؤ وتبرير الجرائم "المشهودة"، وإنما يعمدون بكل سفالة، بمحاكمة الضحية. (ألا يحاكمون كمال جنبلاط دون سواه بتبرير قتله؟). وهل ننسى كيف استُدعي مروان حمادة للشهادة على نفسه في قضية محاولة اغتياله بسيارة "أمنية" مفخخة؟ وهل ننسى كيف أن الذين برروا قتل الزعيم الكبير كمال جنبلاط، يطالبون بمحاكمة ابنه وليد؟ شيء مقزز أن يُعاقب ابن الشهيد على شهادة أبيه.
ونظن، ومن ضمن سياسة "الخط" (الهمايوني)، ولكي تكتمل فصول الرسالة ذات الاتجاهين: إلى الداخل وإلى الخارج، يجدر بهؤلاء أن يستدعوا كل مَنْ أيَّدَ كمال جنبلاط، ويؤيد وليد جنبلاط، إلى المحاكمة أيضاً، باعتبارهم "متواطئين" مع "الخونة وعملاء الخارج". وهكذا يطمئنون إلى أن "ماكيناتهم الأمنية" (المرفودة بقضاء أمني وحكم أمني) قادرة على معاقبة الناس أيضاً بقدر ما هي قادرة على معاقبة مَنْ يمثلهم.
وهكذا يمكن بجعرة زلعوم أو بجرّة قلم من أحد المواطنين الصالحين، أن نخوّن ثلاثة أرباع الشعب اللبناني بانتظار تخوين الربع الآخر في ظروف أخرى، لتكتمل الصورة السوداء. شعب كامل من المجرمين والطائفيين والمذهبيين والفاسدين والعملاء والخوّنة! أوليس هذا ما يحصل وإن بطريقة "مجازية" أحياناً، عندما يُصوّر هذا الشعب، وكأنه آتٍ من غابات الأمازون، ومن أكلة لحوم البشر، وأنه لا يجيد سوى صنع حروبه الأهلية وصنع موته اليومي، وأنه غير جدير لا بحكم نفسه، ولا بالتعامل مع ذاته، ولا حتى بالتحاور؟ وماذا يعني كل ذلك سوى وضع اللبنانيين في زنزانات المجرمين، أو في مستشفيات المجانين، في انتظار مَنْ يروّضهم ويشفيهم من أمراضهم وأوصابهم الجسدية والنفسية والعقلية المزمنة.
لكن يبدو أن هذه المحاولات، على بشاعتها وقبحها وآثارها السيئة، لم تعد مجدية. كأنها مواد انتهت صلاحيتها. صارت من متاع الخردة، ومن نصيب الصبيان.
فالرسائل "المتوحشة" التي يبثها بعض الساسة إلى الداخل والخارج، ترويجاً لصورة نموذجية عن اللبنانيين، لم تعد تصل إلى غير مرسليها. صارت بلا مسافة. وعلى الأكثر صارت رسائل طائشة بلا بوصلة... ولا وجهة! ذلك أن اللبنانيين في الداخل، والعرب، والعالم، باتوا يعرفون جيّداً "مصدر" هذه الرسائل، وشيفراتها، وحامليها، وخطاطيها، ومعلنيها... باتوا يعرفون أنها لم تعد سوى مجرّد رسائل... رسائل من ورق. مجرّد ورق وحبر وماء. لا أكثر.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.