كأن كل شيء بات تحت مجهر الحظر في لبنان، كل شيء فوقه ما يهدده وما يُهوِّل عليه وما يجعله في حالة من الخوف، واللااستقرار، بل كأن كل شيء عندنا يعيش في موسم دائم من الهجرات. فلا ثابت. ولا مطمئن. ولا قائم. هذا الانطباع المترجرج، كوّنه مَنْ يريدون أن يجعلوا اللبناني على رَحْلٍ دائم إلاّ اذا جعل نفسه فريسة اراداتهم ومشيئاتهم ومصائرهم. إخضعْ تسلم ويسلمْ معك الوطن. والأهل والروح والنفس الخالدة... تحرك وكأنك واثق تحم رأسك من الحركة، انت حُر فيعني أنك تضحي بأعز من الحرية. تطالب بالديموقراطية فيعني أن للغير ان يتمتعوا "بديموقراطية" قتلك أو تخوينك أو تهديدك أو نسفك بسيارة ملغومة، أو برصاص أو باختفاء أو بتلفيق ملف عارم لك (والقضاء "العادل" موجود)، أو باتهامك بالتعامل مع الخارج (اسرائيل التي لم يعد يحاربها أي نظام عربي موجودة). إذاً عليك لكي تبقى على وجه الأرض لا تحتها أن تكون جزءاً من القطيع الذي يُختار لك بلونه وجنسه وقرونه وأذياله ومرعاه. كن متواضعاً بمطالبك. كن عاقلاً لا مغامراً. وكن يائساً (لامتفائلاً) حتى العظم وفوبيا التغيير من أي تحول في الواقع الذي تعيشه. عالمك كله مهدد، الأدوات الاجتماعية مهددة. الشعب مهدد بالشرخ (الطائفي). الاعلام مُهدد بالمنع. الأحزاب مهددة بالتفكك. المجتمع مُهدد أيضاً بالتمزق. كل ذلك يجب أن تأخذه بالحسبان.
فالحرب "الأهلية" التي "فبركتها" دوائر بعض الأنظمة العربية والأميركية واسرائيل، يمكن إعادة فبركتها من جديد، بويلاتها، وتذكاراتها وخرابها. (ومعظم ما "تحقق" في هذا المجال اشرفت عليه مخابرات عربية واسرائيلية!). فاياك إياك. وإلاّ فأنت أيها اللبناني (الطائفي، المتوحش) ستكون المسؤول.
والاعلام المرئي والمسموع، على محك المحاصرة، والتقنين، والمنع، والحظر؛ ولن يسلم الاعلام المكتوب. فالاعلام العمومي المخالف أو المعارض يجب أن يعيش في البلد الذي يحاولون "عربنة" نظامه (نسبة إلى الأنظمة العربية!) وكأنه إعلام وجوده افتراضي، وهش، امام الاعلام الرسمي الأحادي حامل الحقائق "الوطنية" و"القومية" وباعث مشاعر "الصمود" و"البطولة" والمقاومة. فأنت لست متأكداً من أن هذه المحطة التلفزيونية، أو هذه الجريدة، أو هذه الاذاعة... ستبقى قائمة. وما عليك إلاّ أن تثق بحكومة البنغو و"حكومة رح نفرجيهن للمعارضة" ومشروع القانون الذي قدمته للمجلس النيابي.
وأنت حتى اللحظة لا تعرف أي قانون انتخابي سيُعتمد: القضاء الذي وافقت عليه السلطة ومن فوقها (من باب المقايضة) أو "المحافظة" أو الدائرة الواحدة مع النسبية، التي تهدد من يملك أن يهدد باعتمادها كوسيلة ضغط على هذه المرجعية أو تلك الجهة بل ومن هذا السياق عدت لا تعرف ما اذا كانت الانتخابات ستجري فعلاً أم ستهيأ ظروف "قاهرة" لتأجيلها أو حتى لإلغائها. فلا شيء ثابتاً.
ثم أنت لا تعرف من سيرضى عنه أهل الرضا من المعارضة أو الموالاة. ومن سيصمد أمام الترهيب والترغيب ومن لن يصمد. بل وأكاد أقول من سيبقى على قيد الحياة ومن لن يبقى، انطلاقاً من لغة التهديد المباشر بقتل بعض الزعامات يطلقها من أُعطي وأُمر ان يطلقها بكل قومية ووطنية وشرف وراحة ضمير.
على انك لا يمكنك أن تخرج من هذا المناخ الكابوسي، "الكافكوي"، إلاّ اذا تأملت جيداً حركة المجتمع اللبناني التي بات له أن يصوغها بنفسه، (لا أن تصاغ له بالقوة).
وهنا بالذات تستطيع أن تفرق بين ثبات يفرضه المهوّلون، وبين تحريك يصنعه المجتمع المدني المتنامي. وتعرف عندها أن التهديدات التي تطلق على بعض الزعامات والقوى، إنما موجهة ضمناً إلى المجتمع الذي لا يريدون له أن يتماسك ويتلاحم (في تعدده) في وعيه الحاد بالواقع، وبشروطه القائمة والمقبلة.
فعندما يتلاعبون بالاعلام، إنما يتلاعبون بصوت المجتمع بشرائحه وبنياته وتطلعاته وارادته. ويتلاعبون تالياً بالانتخابات سعياً إلى تعطيل الاثنين، لتسودها سلطة المخابرات والأجهزة والعسكرة بديلاً من كل ذلك.
وعندما يتلاعبون بالقضاء (وكأنه خردة في أيدي بتوع العدالة والقانون) انما يتلاعبون بمرجعية اساسية من مرجعيات المجتمع. فإنهم يحطمون كل السقوف فوق الرؤوس، لتكون السلطة السياسية بأدواتها وعسسها وفسادها هي القضاء والقانون والمؤسسات وهي التي تحاسب نفسها، بل وهي التي تنتخب نفسها، وتؤلف نفسها....
هذه "الظواهر" الاستبدادية المتسلطة، باتت مكشوفة جيداً. وباتت على مرمى المجتمع الذي شرع في "دكها" وفي تحطيمها بعدما أزيل الكثير من حواجز الخوف التي نصبها نظام الأجهزة والقمع والفساد والارتهان، ووصلت الأمور إلى نقاط حساسة من استحقاقاتها الكبيرة، ومفترقاتها الحاسمة. وما كانت هذه الأمورلتصل لولا انخراط المجتمع المدني الذي أهين وذَلّ وشُوِّه على مدى ثلاثين عاماً، في لعبة الخروج من قبول الواقع المفروض، إلى الرفض، والانتفاض والتمرد على أساس جماعي يتجاوز العديد من التناقضات بين أهل المعارضة والاحتجاج.
المجتمع، اليوم يريد، بعد لأي وتردد وتوزع، أن يمارس حقه في صنع نفسه ونظامه. أن يصوغ ادواته المدنية، الديموقراطية، والسيادية، والاستقلالية، في وجه طواغيت الفساد والارتهان و"الانعزاليين" الجدد (متمترسين خلف شعارات وطنية وقومية!).
انها لحظة المجتمع المدني بامتياز! بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.