... ثم حَطَّتْ رِحالُهم في بيروت، أهل "الخط"، والتخطيط ليتفرغوا لها، بعد ترحالات في شعاب الجبل والسهل والدساكر، محملين بالقوانين والبنود والمقصات والمشارط، وهم يسوحون على خريطة الوطن. وفي ترحالاتهم، وزعوا ما وزعوا من الهدايا والاكراميات: قضاء لهذه المرجعية، ومنطقة كاملة لتلك، ونيابات لمخبرين، ووزارات لتابعين، ورخص بينغو تشجيعاً على الثقافة والعلم والتنوير والأخلاق الحسنة.
فأهل "الخط" مقتنعون بمباركة الأجهزة والغرف المعتمة وعساكر الرفاهية، بأنهم أدوا في المناطق كلها واجباتهم "القومية" أولاً، والوطنية ثانياً، والمقاوِمة ثالثاً. وها هي المناطق والمدن تنعم بقانون انتخابي يقوم على القضاء (الذين كانوا يعتبرونه تنفيذاً للكانتونيين) بعد المحافظة، والنسبية وغير النسبية، الى آخر ما أملته عليهم المراجع الأمنية (غير المستأمنة).
إذاً جاء دور بيروت، وبذلك الحس الوحدوي القومي العروبي الشامل، وبذلك النَفَس العقلاني ـ المدني ـ العلماني، وبشعور رفيع وشاهق وسامق من المسؤولية، مددوا بيروت، (وكأنها جثة للتشريح) على المشرحة، وشهروا مقصاتهم ومشارطهم (وعيونهم المعدنية وألسنتهم الحلزونية وحناجرهم المنفوخة بالقش) وراحوا يمعنون فيها تمزيقاً.
على أن هذه العملية الجراحية (وهي تجميلية في رأيهم!) ليست من النوع الذي يجري في الخفاء (كتفخيخ السيارات، والتهويل بالحروب الأهلية، واستخدام القانون ضد الدولة، واستخدام الدولة ضد القانون، واستخدام الاثنين ضد الناس)، وإنما جاء باقتناع مخابراتي واثق، وصدقي، ودقيق، بتقطيع مدروس، وببتر موضوعي، جعل بيروت، عاصمة العرب مجموعة أعضاء وأطراف مجروحة (بسواطير اللحامين) نازفة، وجعل أهليها قطعاناً "كانتونية"، طائفية ومذهبية وزاروبية "وزقاقية"، بهدف تحجيم مرجع سياسي يعرفون جيّداً (أقصد بتوع الخط)، حجمه الشعبي وتالياً الانتخابي. أي بشعارات وحدوية، ووطنية، يمارسون حسابات كيدية، وبذرائع مقاومة العدو والمرحلة الدقيقة يرسمون خططاً تزويرية جاهزة، تعززها استعدادات قمعية تدرب عليها المخابرات وبعض المخبرين وبتوع الأجهزة (وهم من أهل الخط). يقتلون روح مدينة، كانت مختبر النهضة العربية، والتنوير العربي، والقومية العربية، والطليعية العربية والريادية العربية، والصمود العربي الذي يكاد يمون وحيداً في وجه العدو الصهيوني، والاستعمار الغربي.
هكذا بيروت، وبجرة قلم (جاهل وانتهازي) تفصل بين أحيائها وأزقتها وأبنيتها خطوط تماس جديدة، من مذهبية إلى طائفية إلى عائلية، وتُقطع كخريطة من ورق وكرتون (وجبنة ولبنة ولبننة) وليس من خريطة انسانية وتاريخية واجتماعية وثقافية. وكأن الحلم الصهيوني بتدمير دور هذه المدينة عبر تحويلها كانتونات (راجعوا مشاريع تقسيم لبنان عبر حرب الـ15 سنة)، تماماً كما يدمر "الحلم" الصهيوني وحدة فلسطين عبر إقامة السور بين المناطق والأحياء والشوارع الفلسطينية الواحدة. ومَنْ قال ان من المستحيل الاستفادة من الحلم الصهيوني بتجزئة الأمة العربية عبر تفكيك بنيانها الجغرافية والتاريخية؟
بمعنى آخر، يريدون إلغاء بيروت كوحدة نابضة، وإطار جامع، وتحويلها مجرّد صناديق وأوراق وأرقام انتخابية. تحويلها مجموعة هوامش، ودساكر، (ومقاطعات) لكي لا أقول "مستوطنات" سياسية معزولة، كل هذا بحسابات تافهة تشبه أصحاب هذه الحسابات. وذهنيات ضيّقة تشبه أصحاب هذه الذهنيات. وكأن هؤلاء الصغار لا يدرون أنهم، وعبر محاولات هذه التجزئة، يضربون المجتمع في تكاوينه ووشائجه وتطلعاته، بل كأن هؤلاء يريدون أن يثأروا من عاصمة شرخوها بخطوط تماس من الدم، عادت والتحمت وتحوّلت بؤرة ومركزاً لاستعادة ملامح مجتمع مدني يقاوم كل أشكال الطغيان والهيمنة والتقسيم والاستبداد. بيروت ككل، رفضت وقاومت محاولات تفكيكها (عبر المشروع الصهيوني) وها هي اليوم ترفض وتقاوم محاولات تفكيكها عبر مشاريع مماثلة، لكن بأقنعة "الخط..."، والاستراتيجيا الوطنية، والمحافظة على وحدة لبنان... وتنفيذ الطائف... و"محاربة العدو الصهيوني". تأملوا: من شروط الصمود في وجه العدو تقسيم بيروت! وهذا لا يبدو غريباً. فالذين يهولون كل يوم بحرب أهلية طائفية (مزعومة) لإبقاء البلد على "شفير" القسمة، من الطبيعي أن يكملوا "خطهم"... وخططهم بزرع الفتنة التقسيمية في قلب العاصمة الأم. وعندما يتفكك المركز ماذا يبقى من الأطراف؟ وعندما يضرب المجتمع المدني ماذا يتبقى سوى جنون الغرائز والعسكرة والنظام الأمني والترهيب بالجملة والمفرَّق.
لكن وكما هزمت بيروت المؤامرات الصهيونية وصدّت الغزو الاسرائيلي، ستهزم (بإذنه تعالى)، الغزو "العبراني" المقنّع والمتجدد.
ونظن أن هذه التقسيمات، وبقوة الناس وبإرادة المجتمع، لن تكون أكثر من خدوش في جسم هذه المدينة العريقة؛ ونظن أنه حتى هذه "المحاولات الانتخابية (الساذجة والعمياء) لن يكتب لها النجاح. ستلتم بيروت بأهلها، بجمعها، وتخيّب آمال "التقسيميين" (الجدد باسم "الخط")، وآمال الاستبداديين، وستستمر في دورها الطليعي المدني، التنويري في مواجهة أهل العتمة والأجهزة السوداء والنيات الناعقة بالخراب.
مشكلة هؤلاء بل مصيبتهم أن بيروت دائماً تنتصر. هذا ما غاب عن بالهم وبلبالهم.
مشكلة هؤلاء (الانعزاليين الجدد) أنهم يتعاملون مع بيروت وكأنها خرائط من ورق، وقد فاتهم أن كل الذين تعرّضوا لهذه المدينة العظيمة (شرف العروبة الأخير) تحوّلوا ناساً من كرتون وورق ونواقل... ومجرّد ذكرى تنضح بالقيء والقيح والنتن.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.