فجأة، غادر عارف الريس ألوانه وأوراقه الكثيرة، ورحل. وفجأة كان له ان يستكين، وهو الذي لم يعرف الاستكانة، ولا الهدوء، ولا الطمأنينة في ما يعطيه وينجزه، ولا في ما عاشه. ربما نظر الصديق الكبير عارف، في لوحاته الأخيرة، امتص ألوانها كلها، وبياضها كلها، وخطوطها كلها، وغاب.
عارف الريس، الرائد الذي تجاوز شروط الريادة وعاداتها ومظاهرها السائدة، مفجّر الفضاءات والأشكال والتجارب وقد جافى التجمد (أو التأسلب)، عند أي لحظة نهائية. المنتمي العميق الذي عرف كيف يربط وشائجه الاجتماعية والانسانية الملتزمة بفردية حرة مفتوحة. المجنون الجميل، المتمرد على اللوحة الثابتة، ومتطلبات الرواج والإعلان واغراءات الصالونات، وحسابات الغاليريات، ومنطق الربح والخسارة، دائماً مقبل من ذاته، دائماً مقبل من أمكنة جديدة الى أمكنة جديدة.
عرف كل المدارس والتيارات والاتجاهات ولم ينأسر بواحدة منها، ولم يخضع لاعتسافاتها. كأنما تجربته من كل الفضاءات الحية، يختزل منها ما يختزل، ويكسر ما يكسر، ويحوّل ما يحوّل، بقلق، قلماً عرفه فنانونا. بل لأن عارف الريس من أكثر الرسامين انفتاحاً على طزاجة الحديث، ومن أكثرهم إصراراً على جعل الرسم ممارسة حياة، والحياة ممارسة رسم، ليكون العمل أعمق من ممارسة شكلية،وأرهف من تعامل "اجتماعي"، وأكثر من جمالية زخرفية أو تزويقية، وأخطر من تأكيد على حقائق أبدية راسخة.
ولهذا، رأى عارف ان الرسم فعل وجودي قبل كل شيء. فعل جذوري. فعل مواجهة الموت، وتماهٍ بالحياة حتى عندما يأخذ الشغل سمات "العبث"، وذر الوقت، ونزوع العدمية واللاجدوى وهذا الخراب الشاسع في الحروب والنكسات والمآسي والعنف واللامعقول وما بعدها.
غادرنا عارف فجأة، مخلفاً فينا وداعات لم تتم، وقهقهة من قهقهاته المجلجلة، ولهفة المخصص، والصادق، والأصيل، وحيوية من لا يعترف إلا بزمن اجتراح الجديد، لتفتق كل لحظة جديداً، وكل لوحة جديدة، وكل حاضر آتياً آخر.
آلمنا كثيراً رحيلك ايها الصديق الكبير. آلمنا كثيراً ان تفتح الأبواب كلها وتخرج بلا وداعات، ولا مناديل، ولا كلام.
كأنه رحيل الذين لا يرحلون أبداً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.