8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

غربان الحروب "الأهلية"

لا أعرف لماذا يحسب بعضهم، من هنا وهناك وهنالك، أننا، نحن اللبنانيين ليس عندنا لا شغل ولا شاغل، ولا هاجس، ولا وسواس إلا التحضير للحرب الأهلية. لا أعرف لماذا يحسب بعضهم، أننا لا نستطيع أن نحيا ونتمتّع ونستلذ بالحياة (والموت) والزواج والتفكير والعشق والمال والكتابة والانتاج، إلا إذا كنّا مهووسين بالحرب الأهلية؛ لماذا يحسب بعضهم أننا إذا عشنا لحظة من دون تلك الحرب، عانينا الأمرّين، وشعرنا بأننا نخون ذواتنا (وواجباتنا الحربية) وضمائرنا الوطنية، وأريحياتنا، ومروءاتنا وشرفنا وقيمنا الدينية والروحانية والدنيوية؟ هكذا يرسموننا كل يوم. هكذا يحفرون ملامحنا، وهكذا يقدموننا إلى العالم: الشعب الذي لا يطيق العيش بلا تناحر ولا مذابح. الشعب الذي يولد طائفياً. ويترعرع طائفياً. ويموت طائفياً. ويُبعث طائفياً. ويصعد إلى الجنّة طائفياً. ويهبط إلى الجحيم طائفياً.
وعندما يتحدثون بهذه اللجاجة والإصرار والإلحاح (المَرَضي) عن حرب أهلية، إنما يعنون مداورة ومباشرة حرباً طائفية. أو مذهبية. فاللبنانيون بحسب هؤلاء لا يجيدون سوى هذه اللغة، فهم أهلوها. وأبناؤها. وأحفادها. لا يعرفون التوافق. ولا الحوار. ولا السلم (الأهلي). ولا الفكر. ولا العلم. ولا الانفتاح ولا الأدب. ولا الحوار. ولا السجال. ولا راحة البال. لا شيء سوى الحرب الأهلية ـ الطائفية. باعتبارنا "شعباً لا يتعلّم".
ولا يفقه (وهم عباقرة!) لا تجاربَه ولا تاريخه، دائماً يبدأ من صفر الطائفية وحربها، وينتهي بصفر الطائفية وحربها. وعليه، فإن التوحش والجنون والعنف صفات لازبة، قدرية، تميّزنا عن محيطنا "العقلاني"، الفهيم الحكيم، المسالم، المناضل، المجتهد الديموقراطي العلماني، المنتج. فمن الطبيعي إذاً أن تكون الحرب الأهلية ـ الطائفية ـ المذهبية وراء كل باب، وكل نافذة، وكل عين، وكل وجه، وكل جسد، وكل إشارة. ومن الطبيعي عندها أن نكون في حاجة، بصفاتنا المتوحشة، إلى أقفاص وروادع تمنعنا من افتراس بعضنا، ومن قتل بعضنا. فكأن لبنان بحسب بعضهم (وبعضهم عميل متنقل) حديقة حيوانات مفترسة يجب أن تُحرس جيّداً، وتُروّض جيّداً، بأنظمة رقابة صارمة، وبأجهزة دقيقة، وبكلاب بوليسية مدرّبة، فغير مسموح لشعب لا يمتلك غير الغرائز الشريرة أن يتحرر من القضبان، والأسوار، والقيود، والأصفاد والأغلال. فهذا لمصلحته، ولمصلحة محيطه وجواره وبعيده.
واستناداً إلى هذه الصورة "الدراكولية" يذكروننا، بمناسبة وبلا مناسبة، وعند أي تفصيل، أو مطلب، أو قرار، بأن الحرب الأهلية بين اللبنانيين على وشك أن تنفجر. كل يوم يعلن أحدهم حرباً أهلية مزمعة، حتى لو جمعنا إعلانات هذه الغربان الناعقة، لوقعت مئات الحروب. فإذا طولب الجيش بالانتشار على الحدود الجنوبية، هوّلوا بحرب أهلية. وإذا صدر قرار دولي لا يعجبهم (1559) (ولا يعجبنا أصلاً) هوّلوا بحرب أهلية. وإذا اختاروا القضاء كوحدة انتخابية هوّلوا بحرب أهلية. وإذا صرّح أحد غلمان الطائفية "بانتسابه" إلى "النوعية" قالوا ان هذا التصريح (تأملوا مجرّد تصريح) مقدّمة لحرب أهلية. وإذا طالب بعضهم بانسحاب الجيش السوري جزئياً أو كلياً، وعدونا بحرب أهلية. وإذا عارض بعضهم "التمديد" أمطرونا بعدة حروب أهلية. وإذا تكلم أحدهم بالأكثرية (أي أكثرية) هددونا بحروب أهلية. وإذا عطس واحد، أو انزلقت قدمه، أو أصيب بعسر هضم، ذكّرونا ـ بالحروب الأهلية.
حروب أهلية، حروب أهلية، وإلى متى تستمر جوقة الحروب الأهلية التي لا يمكن فصل "أعضائها" عن خطة الهيمنة والسيطرة والعسكرة، والأمننة وتفخيخ السيارات، واغتيال الناس وترويعهم.
هذه الجوقة "المُلَقَّمَة" بهذه الأنغام الحالمة بالحروب، والمروّجة لها، والمحرّضة، والمشوّشة على الأمن الأهلي، والمجتمع المدني، كأنها بكلماتها الفارغة هذه لا تخدم سوى العدو الصهيوني. فهي، بتردادتها الببغائية هذه تبرئ أولاً هذا العدو من كل اعتداء قد يشنّه على لبنان، ومن كل محاولة له لتفكيك المجتمع أو لإثارة الفتن. فعندما يكون هذا الشعب "مَصْنعاً يومياً" للحروب الطائفية وعندما يصوّر هذا الشعب بأنه لا يفعل سوى التحضير لها، فيعني، أن كل مؤامرة اسرائيلية عليه (أو غير اسرائيلية) مستبعدة. فدود الخل منه وفيه. فالشعب الذي صنع حربه "الأهلية" على امتداد 15 عاماً(!) (ومن دون أي تدخل أو مشاركة من أي طرف عربي أو غير عربي)، فمن الطبيعي أن يصنع بيديه اليوم أو في أي لحظة حرباً أهلية جديدة بنفسه، يخطط لها، يتآمر على نفسه، يموّلها (كلفت حرب الـ15 سنة مليارات الدولارات من خزائن الأنظمة العربية ومن مال شعوبها المقهورة) يرسم خطوط التماس، يذبح على الهوية، يهجِّر الناس من بيوتهم، يدمر المدن، يحرق المحاصيل...
كل هذا بنظر الجوقة (فرقة حسب الله القديمة ـ الجديدة) جارٍ على قدم وساق، وإلا كيف تَعِدُنا وتبشّرنا بقيام قيامة الحروب في أي لحظة، وبأن المجتمع اللبناني "منقسم" عمودياً ومشروخ أفقياً، و"مقسوم" من كل الجهات ومفصول، ومهزوز، لا يمكن جمعه، لا باتفاق ولا بمصالحة ولا بلقاء ولا بمعارضة ولا موالاة.
إذاً، لا شيء ثابتاً في لبنان سوى الحروب الطائفية. وأن حادثة عابرة أو مسألة أو إعلان أو حتى تصريح، من شأنها أن تعيد الأمور إلى زمن الاقتتال والتحارب... حتى "يهلّ" "المنقذ" (وكلٌّ عنده منقذه) الذي ينتظر على "الكوع" ليخلصنا من شرورنا، ومن آثامنا، ومن وحشيتنا، ويعيدنا إلى صوابنا، ويدجن مذهبيتنا، ويملّس طائفيتنا، ويرجع اللحمة والسلام والوئام إلينا، وعندها، علينا أن نوجه إليه الشكران والغفران والابتهالات والصلوات والذبائح والأضحيات والتقدمات كعربون تقدير وعرفان جميل... وتوبة وندامة عن كل أخطائنا وخطايانا... آمين!
ألم تكن هذه لعبة الحرب التي فرضها علينا "الآخرون" على امتداد 15 عاماً عبر "واجهات" بلدية... ما زال بعضها مجرّد واجهة وقناعاً وزلعوماً ببغائياً؟ مجرّد بوم ينعق بالدم والقتل والترهيب!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00