8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إنتخبْ لكي لا تنتخب!

تذكَّرْ انه يجب عليك أن تنتخب لكي لا تنتخب. ثم عليك ألا تنتخب لكي تنتخب. ثم عليك أن تنتخب ولا تنتخب لتكون النتيجة لمصلحتك، ثم عليك ألا تنتخب وتنتخب لتكون النتيجة لمصلحتك أيضاً. فالانتخاب واجب وطني. والواجب الوطني تستطيع أن تنتخبه بحسب ما تتطلب الواجبات الوطنية بكل مسؤولية وموضوعية وأريحية. فهذه هي القاعدة. وأنت، ومن خلال هذا الواجب الوطني المُلِح، عليك أن تنتخب قبل أن تصوّت قانونَ انتخاب يجعلك تصوّت من دون أن تنتخب، ثم تنتخب من دون أن تصوّت، وتكون النتيجة أن قانون الانتخاب قد يصوّت معك، أو قد تصوّت ويصوّت معك. فاختيارك قانوناً انتخابياً يعني اختيارك شكل الديموقراطية التي تحب أن تمارسها؛ والممارسة الديموقراطية شيء مقدّس في بلد كل شيء فيه "مقدّس". خصوصاً إذا كانت مبنية على وعيك العميق، وعلى أخذ الأمور بظروفها ومقاديرها وحاجاتها. فأنت مواطن صالح وعليك أن تمارس ديموقراطية صالحة تجعلك تختار اليوم قانوناً انتخابياً صالحاً، تماماً كما اخترت في الدورة السابقة قانوناً انتخابياً صالحاً وإن مختلفاً عما سبقه وعما تبعه.
وهكذا عليك أن تجاري الوتيرة المتحوّلة التي تجعل قانون الانتخابات السابق (الصالح آنئذ) غير عملي وحتى غير صالح. ولأننا مؤمنون بحسك العالي، وضعنا أمامك عدة مشاريع قوانين انتخابية، لتنتقي الملائم منها لمصلحتك ولمصلحة البلد، ولمصلحة النظام، والجمهورية، والبلدية والمخترة، والحرية، والسيادة...
فها أمامك قانون يأخذ بالنسبية ضمن الأكثرية. أو الأكثرية ضمن النسبية. و"هذا من شأنه أن يضعف الحس الطائفي، والتقسيمي والكانتوني". ذلك أنه يتيح "ديموقراطية" عريضة وطويلة تصل إلى كل الناس كمياه الشفة والكهرباء، والشمس والهواء. لكن عليك أن تتأكد من أن هذه الأكثرية غير العددية (ومَنْ قال عددية) هي التي تقوي اختياراتك الفردية والوردية في تعاطيك مع المسائل الاجتماعية والوطنية والقضائية والأمنية! إنها بقوة الموج العاتي لكن برقة عصافير الجنة.
وها أمامك قانون الدائرة الصغرى (القضاء) فهذا من شأنه، أن يعرقل هيمنة "الأكثريات" والمحادل والكسارات والجرافات. وهكذا وبكل تؤدة وحميمية وهدوء يمكن أن تختار مَنْ يمثلك في المجلس النيابي ومَنْ لا يمثلك أيضاً، فالحرية لك في كل الأحوال. وعندها، يمكنك أن تختار بنداً من قانون النسبية، وآخر من الدائرة الصغرى، وإذا لم يُرضِ ذلك مزاجك ورغباتك، فيمكن أن تكب على قانون المحافظات: البين بين. وعندها، تنظر إلى الأمور والمرشحين والبرامج والشعارات والخطط بعين رحبة، رحابة المحافظة، لكن بخطوة لا هي طويلة مع الدائرة الكبرى، ولا صغيرة مع الصغرى. فلنقل نصف خطوة لكن بحجم الوطن الذين يخطو أحياناً نصف خطوة ويحسب أنه خطا المسافات. وأحياناً يخطو مسافات ويحس أنه خطا نصف خطوة... أو لم يخطُ إطلاقاً أو أنه خطا ولم يعرف أنه خطا، أو لم يخطُ ولم يعرف أنه لم يخط. إذاً أنت أمام خيارات مصيرية. فعليك كمواطن نبيه ولبيب أن تناقش وتأخذ وتعطي وتجادل. فهذا من حقك الطبيعي. ويكفي أن تكون أمامك هذه الخيارات لتختار فتحس بالجمهورية من أقصاها إلى أقصاها، وبالحرية من أول وردة إلى آخر جبل. فهذا من حقك. ولكن حذار أيها المواطن الصالح، فثمة ظروف دقيقة تمر بها البلاد (والأمة طبعاً ونحن جزء من هذه الأمة)، عليك أخذها بالاعتبار. فأنت تعرف أن القوانين الانتخابية وغيرها وضعت لخدمة الوطن، وليس العكس. وعليه، فيمكن أن تختار هذا القانون ثم لا تجده. أو لا تختاره ثم تجده. أو تجد كل القوانين صالحة دفعة واحدة للعملية الانتخابية. بل ويمكن أن تجري الانتخابات من دون هذه القوانين كلها. أو على الأقل من دون بنودها النافرة أو الظاهرة خصوصاً تلك التي تهدد الوحدة الوطنية وتخدم أهداف العدو. وعندها بالذات عليك أن تنتظر قوانين أخرى يحتاج إليها الوطن أكثر من هذه القوانين المتداولة. بل وعليك أن تنتظر انتخابات تجري بلا قوانين. فالاتكال أولاً وأخيراً على الحس الوطني الرهيف لدى المواطن الصالح. بل وعليك، ومن باب الحرص على حدود الوطن، وعملته الوطنية، وحريته المسؤولة، وتجنباً للفتن والمؤامرات، أن ينجح في الانتخابات أناس لم يترشحوا. وقد يكونون أمواتاً أو مهاجرين. أو يسقط في الانتخابات أناس نجحوا. فأصول اللعبة أن تضبط النتائج، وتوازن بين الخطط والمناطق. بل يمكن أن يصوّت أناس لم يصوتوا. ولا يصوت أناس صوتوا. فهذه أمور عملانية تتصل بحرص الأمن والأجهزة والعسكر والجهات العليا على إرادة الناس. إذ أن الناس تعرف أنها تعرف أيضاً. ولا تعرف أنها لا تعرف أحياناً كثيرة. ويمكن على هذا الأساس أن نعلن النتائج التي نراها منسجمة مع "الظرف" الدقيق، ومع مواجهة الهجمة الخارجية الشرسة على الوطن والأمة. وهنا بالذات عليك ألا تفاجأ. وألا يشط بك الخيال، وتتهم من تريد أن تتهم بالتزوير أو بالضغط، أو بسرقة الصناديق، أو بتغيير الأرقام والناس والانتخابات برمتها. فهذا شأن يتولاه مَنْ يجب أن يتولاه من أهل الحرص على الوطن وعلى دولة القانون والمؤسسات وعلى هيبة الأمن والقضاء وعليك وعلى مستقبلك، ومستقبل الصراع مع العدو، ومع العالم كله... إذاً، ناقش الآن القوانين الانتخابية المطروحة، بحسك العالي المعهود، وقدم ما شئت من الاقتراحات الجدية وجادل ما استطعت، فهذا من حقك، أما الباقي فاتركه لنا... فالممارسة الحرة التي تستمتعها هي أهم من النتائج، ذلك أن النتائج من مسؤولية أناس آخرين، يضعون القوانين، ثم لا يضعونها، ويعلنون النتائج ثم لا يعلنونها، ويحكمون البلد وتظن أنك تحكمه!
أوليست هذه قمة المتعة السيادية والديموقراطية والسياسية؟
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00