عندما رأيته، للمرة الأخيرة، منذ قرابة أسبوعين في مهرجان دمشق المسرحي، كان يبدو من مشيته، ولهاثه، على منصة التكريم، وكأنه استنفد مقاومته الشرسة للمرض الذي أصابه قبل عدة سنوات.
ممدوح عدوان، رحل مساء أمس في دمشق وكأنه لم يرحل، بل كأنه كان يريد، عبر أيامه الأخيرة، ان يصل الحياة بالحياة، عبر الآلام التي كابدها، والأوجاع التي عاناها، كأنها كانت جزءاً من الحياة، لا جزءاً من طريق محتوم، إلى النهاية، ومن كان يلتقي ممدوح عدوان، حتى في عز "مرضه" الذي لا يرحم كان يعرف ان هذا الشاعر والمسرحي والمترجم والناقد والملتزم يقاوم الموت بالكتابة، يقاوم الموت بحس تراجيدي نبيل بالاقبال على الحياة. لم يتخل عن عاداته، ولافارقت المزحة كلامه، ولم يترك السيجارة، ولا الشرب، ولا السهر مع الأصحاب، ولا المشاركة في الندوات والمهرجانات، ولا إصدار الكتب، كان حياة تواجه الحياة.. المنطفئة، شعلة حية ترتعش بكل قوتها، أمام القمة المتعاظمة من دمشق، إلى بيروت، إلى باريس، رافق مرضه، ورافقه مرضه، من الداخل، من الأحشاء، حتى اللحم، والدم. ومن هذه المدن الثلاث هزم المرض مرات كثيرة، انتصر عليه بقوة الشغف بالحياة، وبالكتابة، وبهذه البقية من الأنفاس التي ظلت حرّى، لكن المرض، وبهذا الفعل التراجيدي الذي عرفه قبله سعدالله ونوس وآخرون من النسيج الكبير ذاته، ربح المعركة الأخيرة في هذه الحرب الطويلة، الوعرة، الشاقة، القاسية.
ممدوح عدوان، بقي شامخ الروح والجسد واليقظة، والمشاعر، في أزمته، ومات، واقفاً، محتفظاً بكل عدة حياته وأشيائه: القلم الذي لم ينضب حبره، الكأس التي بقيت في يده، السيجارة التي بقيت مشعلة بين أصابعه، ضحكته العالية، عناده الكبير، احزانه الكثيرة، وتلك الورقة البيضاء، الغالية التي واكبته، منذ ان بدأ الكتابة إلى أن تحولت ورقة نعيه.
ممدوح عدوان صاحب "يألفونك فانفر"، نفَر أخيراً ممن يألفونه.. وهم كثر. وممن صادقوه وهم كثر، وممن قرأوه وهم كثر.. نفر وحده هكذا، تاركاً وراءه ما يجعلنا نألفه وأن نفر.. وإن غاب، وإن ترك لنا منه، كائنات وظلالاً، وحيوات كثيرة.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.