ليس غريباً القول اننا نعيش (أو نعاني) حالات انقلابية مستمرة (ومتنوّعة) وبوتائر متصاعدة، إلى درجة يمكن القول فيها ان الأنظمة العربية خير تعبير وأنصع بيان عن هذه الحالات، وحتى إن فكرة النظام العربي (عموماً) قد لا تشذ عن هذه القاعدة الذهبية.
ولهذا لا نفاجأ، اليوم (كالأمس) أن يعمد أفرقاء الصراع في لبنان، إلى اتهام كل منهم الآخر "بالانقلابي". فهذا أكثر من طبيعي منذ أن "أُدخل" لبنان أو "أُقحم"، ومنذ أكثر من ثلاثة عقود في "فردوس" الانقلابية العربية "المجيدة" ـ عبر حروب الآخرين (وما أدراك ما الآخرين) عليه، بكل أنواع الابتزاز والضغوط والشعارات. فالحرب التي "أُعلنت" في لبنان (ولم تكن لبنانية برغم بعض واجهاتها البلدية) هي انقلاب على الحالات الديموقراطية والحرية والاستقلال والدور التي كان يتميّز بها لبنان (وإن نسبياً) عن محيطه المدجج حتى الأضراس والكواحل والعقول بالدكتاتوريات المعسكرة وبالجيوش التي كان من المفترض ألا "تُصنع" (أساساً) لحماية ظاهرة الانقلابات المطردة. وبهذا نُزِعَت عن البلد الذي كان على عتبات تحوّلات ديموقراطية صفة "الاستثناء" غير الانقلابية، لينضم إلى قطعان الأنظمة الموسومة (والموصومة) بتلك النزعات المتأصلة والمستأصلة حتى الأصولية.
وعندما تم اتفاق الطائف برعايات عربية وأجنبية لإنهاء الحرب (أي لوضع حد للاجتياح الانقلابي علينا) كان ثمة شعور بأن هذا الاتفاق لا بد أن ينهي تلك الحالات التي صارت جزءاً من تفكيرنا وممارساتنا وأصالتنا. ومنذ ذلك الوقت، بدأت حالات العودة إلى المجتمع المدني كمصدر للسلطة، وإلى الديموقراطية كوسيلة للتعبير عن الحرية وإلى الاستقلال كحق طبيعي يجسّد إرادة الناس في تولي أمورها، واتخاذ قراراتها، من دون أن ننسى ضرورة "الانتماء العربي" كفضاء يجمع كل المتناقضات، على قاعدة التزام القضايا العربية المتمثلة أساساً بالصراع العربي الاسرائيلي والأراضي العربية المحتلة من الجنوب (آنئذ) والجولان وفلسطين طبعاً (وليس التزام الأنظمة والأجهزة).
هذا هو الطائف بعناوينه البارزة، لكن الوثائق والاتفاقيات على الورق شيء، وتحقيقها على أرض الواقع شيء آخر. وكما بدا أن كثيرين ممن وافقوا على الطائف، مناورة أو امتصاصاً للضغوط، أو استيعاباً، أو مراهنة على الوقت، أخذوا عناوينه وأفرغوها من فحواها. أي حاولوا وبلا هوادة، وبطرق مباشرة وغير مباشرة، الانقلاب عليه، هنا، أو تمويهه هناك. وبدلاً من أن يسعى الجميع، وتحت سقف الطائف، إلى إعادة بناء المجتمع المدني بعناصره الأساسية بالفكر والممارسة، وتعزيزه، ليتاح له التعبير عن تفاعلاته وطاقاته واحتمالاته الشتى، فعلوا العكس: تدمير آليات المجتمع، وتقنين الحريات، ومصادرة الديموقراطية، وقمع التحرّكات، وفتح الملفات، واستخدام الصواريخ، والعبث بقانون الانتخابات، والتهويل على الاعلام، وغزو المؤسسات التربوية والجامعات، في محاولة مبرمجة لأمننة النظام وعسكرته، ووأد ما تبقى من الأرماق الديموقراطية، بمعنى آخر، كان ثمة محاولات انقلابية لإضعاف المكوّنات المدنية في هذا البلد، والاهتداء إلى بعض النماذج العربية الاستبدادية، لتكون بديلاً كاملاً منها. وليس غريباً القول ان هذا الاختراق المعسكر للمؤسسات والبنى كان في الوقت نفسه تجديداً وتمتيناً لاختراق استقلالي من بنود الطائف وروحه.
وعلى هذا الأساس تقوم المواجهة المتصاعدة بين الانقلابيين على المجتمع، وبين المناهضين لهذه الانقلابية، التي تضرب، في ما تضرب، ما يسمى "هوية" لبنان العربية، والقومية، والانسانية. إذ أن مجتمعاً معسكراً و"مجهزناً" (الأجهزة) هو مجتمع بلا هوية، ولا انتماء. ولا حتى قضية (إلا نفسه) والتجارب العربية الرسمية غير دليل على ذلك.
واللافت أن هذه المواجهة بين "المدنيين" وخصوم المجتمع، اتخذت، في منحاها الانقلابي، صوراً شتى: من تعطيل القانون باسم القانون، وتحطيم المؤسسات باسم المؤسسات. ومصادرة الشارع باسم الشارع. وتسخير القضاء باسم سيادته، وضم السلطات (بدل فصلها) باسم خدمتها، والتهويل بقانون انتخابات يسقط من يسقط من المعارضة، ودفع الاعلام إلى نقطة الايهام بالانقسام لتزييف التعددية، واللعب على أوتار الطائفية، واسطوانات التخوين... كل ذلك "عدّة" عربية معروفة على مدى نصف قرن، تستخدم ابتزازاً وتهويلاً وترعيباً وتخويفاً وصولاً إلى تفخيخ السيارات والتهديد بالويل والثبور والحروب الأهلية والخراب والدمار: عدة نصب وابتزاز كاملة الأوصاف.
هذا المنحى الانقلابي الوافد، والشامل، والمعمم والمموَّه، يبدو وكأنه بدأ يستنفد "زخمه"، وامتداده (المظاهرة الرسمية)، ليبدو في عزلة قاسية هي عزلة الأنظمة الأمنية عادة (عن الناس وعن العالم)، ولم يبق لهذه "البنى" الفوقية (الناشئة) سوى القوة، وسوى التصعيد اللفظي، وسوى العزف على أوتار بات معظمها مقطعاً وناشراً.
يقابل ذلك تنامي القوى المدنية المختلفة والشعبية، الديموقراطية والاستقلالية، بحيث انها باتت تشكل طاقة مبلورة ضاغطة من ضمن الأهداف المحددة برفض قيام دكتاتورية "معربنة"، وتعميم حالة انقسامية (طائفية)، وهيمنة مسيسة على القضاء، وتأميم للقانون، على مدى حالة عربية مفتوحة على ذاتها، وعلى العالم، أبعد من المؤسسات المهترئة، والأنظمة البائدة، والذهنيات الاحادية، كأنها حركة مدنية مضادة للحالات الانقلابية. بل كأنها من المرات القلائل، منذ أكثر من عقود، يقف المجتمع في حالاته الاستنفارية القصوى، لا ليدافع عن مكوّناته فحسب، وإنما أيضاً ليصوغ مشروعاً يخرج لبنان من أزمات الارتهان ومن أخطار الوقوع في قبضة الأجهزة... والقوة العمياء، والقمع العميم.
حالتان تسودان اليوم: منقلبية جشعة فاسدة، رعناء وأخرى مدنية تفتح طاقاتها على كل الاحتمالات الديموقراطية والاستقلالية والمستقبلية.
كأننا نعيش اليوم "انقلاباً" واحداً لا انقلابين، أبعد من ثنائية "التفاؤل" الطفولي... و"التشاؤم" "الكهولي" والراشد!
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.