8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مواكبة الخطاب المسرحي للواقع السياسي (2)

ـ III ـ
هذه السقوف الواطئة التي بنيت تحت سقوف المسرح، وفي عقول المسرحيين ونفوسهم وأجسادهم، أثرت عميقاً على احتمالات بلورة مسرح سياسي ذي دور وذي فاعلية على أنه، إضافة إلى هذه العوامل الموضوعية والخارجية ثمة عوامل ذاتية (مفتوحة على الأولى) ساهمت أيضاً وبشكل كبير في توجهات المضامين والتعابير وأشكال تطوّر المسرح السياسي عندنا منها:
أ ـ ضعف التجربة السياسية الحزبية والشعبية والفكرية والايديولوجية. ويمكن القول هنا ان الشرائح والبنى الأكثر حضوراً على صعيد الممارسة، لم تستطع تطوير أو تعميق مضامينها (الغربية) ولا وسائل عملها. فراحت تنتقل على امتداد العقود الماضية من فقر فكري إلى فقر فكري؛ وتحوّلت طليعيتها الثقافية (في الأربعنيات والخمسينات) من ثورية، جديدة، مغامرة، إلى رجعية، عتيقة، بالية. فالأفكار الجديدة تشيخ إذا لم تتجدد. وما كان حديثاً أمس يصير اليوم قديماً متقادماً. وما كان ثورياً منطلقاً في المجهول يصير محافظاً قابعاً في المعلوم. وما كان متحرّكاً يصير ساكناً. الأحزاب والبنى التغييرية عندنا وقعت في السكون. وفي الفقر. لا لأنها لم تجادل التاريخ والواقع فقط، وإنما لأنها لم تجادل أيضاً فكرها ونفسها. وعندما يضعف العامل الفكري يستتبع ضعفاً سياسياً في العمل وفي المسرح وفي الشعر...
ونكاد نقول أكثر: إن هذه البنى الحزبية والايديولوجية في جمودها، ساعدت على وأد مؤسساتها وكوادرها وتأثيراتها، إلى درجة نتساءل فيها اليوم: هل هذه الأحزاب ما زالت موجودة؟ بل كان يمكن أن نطرح هذا السؤال قبل ثلاثة أو أربعة عقود. فهي إما تماهت بمرجعياتها الخارجية، أو بمرجعيات الأنظمة، أو بمرجعيات القبائل والعشائر، أم بمصالحها الآنية المباشرة.
صحيح ان بعض المسرحيين وعوا هذه الحقيقة وتجاوزوا كل التزام حزبي أو عائلي، مقنن أو كل ثقافة بالية، لكن الصحيح أن هذا الخمول أصاب المسرحيين الآخرين، وأصاب الحالة المسرحية عموماً، لا سيما الناس والأجيال الطالعة. نحن قد لا نلوم كثيراً أنظمة وصلت إلى السلطة عبر افتراس الشعارات والأفكار التي وصلت بإسمها. ولكن اللوم الكبير على البنى التي أكملت دور الأنظمة في تخدير كل فكر تغييري، وكل حيوية مجتمعية. والواقع أن هذا التجمّد، وهذا الاستسلام، وهذا الخمول، ساهمت كلها أيضاً في تعطيل ما نسميه الحياة السياسية. فإذا كانت المعارضة بلا صوت. ولا حضور. ولا مواجهة. فكيف للمسرح السياسي أن يكون له صوت. وحضور. وإذا كانت الموالاة مستوعبة، مبتلعة، متراجعة، فكيف أن يمكن أن يكون ثمة حوار بين المتناقضات؟ بل كيف يمكن أن يكون تقدّم، أو تعديل، أو رؤيا.
فالبنى السياسية المحافظة (اليمينية، الوسط، الدينية) لم تكن تختلف كثيراً عن منافسها التغييري. وقعت في التجمّد ذاته. وفي الاسترجاع ذاته. وفي الخمول ذاته. لكن مَنْ يطلب من حزب محافظ مثلاً أن يحدث تحوّلاً في المجتمع بواسطة القوة والطغيان والاستبداد في عالمنا الثالث؟ وقد أدى ذلك إلى لقاء اليمينيين والتغييريين على هذه المراوحة الفكرية الواقفة في ماضيها وترجرجها وجمودها.
وسط هذا السكوت المعمم. وسط هذا التراجع الشامل. وسط مجتمع أصيبت حياته السياسية بالشلل، وجد المسرح السياسي نفسه مضروباً بالعدوى. صار وراء المجتمع بدلاً من أن يكون أمامه. صار وراء السلطة بدلاً من أن يكون أمامها. وعندما يكون الأمر على هذه الحال، فمن الصعب أن يكون المسرح السياسي تراكماً ما، وتبلوراً ما، وتطوّراً ما، وحضوراً ما.
ب ـ قد يكون المسرح العربي عوّض عن شبه غيابه "السياسي" برغبة عارمة في اجتراح تجديد شكلي، أو جمالي أو فني في لغته. وهذا ما بدا واضحاً في الفترة الممتدة من منتصف الخمسينات إلى منتصف السبعينات، أي الفترة التي سجل فيها خروج المسرح من الارث الكلاسيكي والتقليدي (سيادة النص) إلى ثورة المدارس والاتجاهات التي يلعب فيها المخرج الدور الكبير في قراءة النص وفي تحويل دلالاته، سواء عبر الممثل أم عبر التقنيات (من سينوغرافيا متحوّلة إلى ماكياج، إلى إضاءة، إلى فضاء مسرحي...).
ففي مساحة زمنية لا تتجاوز الربع قرن عرف المسرح العربي، ما حققه المسرح الغربي في قرابة ثلاثة أرباع القرن. لم يترك اتجاهاً لم يجربه. أو يتعامل معه. أو يتبناه. وبرزت في علاقته هذه أنواع من التجريبية. بل ان التجريبية كطريقة عمل وتفكير، عاشت في عصرها الذهبي، وظهر مخرجون وكتاب ومصممو سينوغرافيا، وكوريغرافيا، كبار متأثرين أيضاً بالأساليب الغربية.
لكن مسافة عقدين أو أكثر بقليل لم تكن كافية، لا لتراكم التجارب المسرحية المتضاربة. ولا لدلالاتها. ولا لتقنياتها. ولا لمفاهيمها. ربما كانت تحتاج إلى زمن أوسع وأرحب ليتسنى لها مزيداً من النضج ومزيداً من الحرية والمرونة والاستيعاب. في تلك اللحظة المسرحية الثورية تدافعت البرشتية مع الغروتوفسكية والأرتووية، وتصادمت التسجيلية (بيتر فايس) بالمسرح داخل المسرح (بيراندلو) وبالعدمية (بيكيت، يونسكو...). وعندما نقول تصادمت فلنشير إلى أن هذه الاتجاهات بقيت منفصلة عن بعضها، كبنى "ايديولوجية" أو فلسفية أو فنية مستقلة. أي أنها لم تأخذ مداها لتتحوّل مفردات، أو مواد أولية، يستطيع المسرحي الاستفادة منها مشتركة (عبرها كمفردات) في تجربة أو في مغامرة. ولهذا بدا أن مسرحيينا "قطفوا" هذه المدارس والتجارب "فجة"، وذبلت بين أيديهم وهي فجة. صحيح أن بعض كتّابنا ومخرجينا قدّموا أعمالاً مهمة ورائعة انطلاقاً من البرشتية والمسرح الفقير (غروتوفسكي) و"مسرح القسوة" (ارطو)، والمسرح التسجيلي (بيتر ايس)، وتجربة المسرح داخل المسرح (بيراندلو)، والعبثي... لكن الصحيح أيضاً أنهم لم يتمكنوا من تفكيك هذه التجارب، ونقدها، وتحويلها، في اقتباس حي، وفي مقاربة ذاتية. أي أنهم لم يضيفوا تقريباً ما يذكر على هذه التجارب، لأنهم تبنوها كإنجاز محقق، لا كاقتراح ناقص. (هذا ما حصل مع الماركسية والماركسيين، والسوريالية والسورياليين، والرمزية والرمزيين، والرومانطيقية والرومنطيقيين).
لكن الملاحظ إيجابياً أن بعض المسرحيين العرب "وظفوا" وبطريقة ذكية هذه الاتجاهات في مسرحهم السياسي، سيَّسوا ما لم يكن مسيَّساً. أو على الأقل نقلوا مضمون التسييس من موقع إلى موقع. وعلى سبيل المثال استفاد يوسف ادريس من العبثية بمضمونها البيكيتي الفلسفي (والميتافيزيقي) في نص مفتوح على السياسي واليومي والمعيش (الفرافير)، كما استخدم توفيق الحكيم العبثية نفسها في "يا طالع الشجرة" ليقارب مضموناً خاصاً. واستخدم سعد الله ونوس الآليات البرشتية وأدواتها في لغة تراثية إسقاطية على الواقع العربي. وكذلك فعل المغربي عبد القادر علولة في "الأجاويد"، وعبد الكريم برشيد في "الاحتفالية"، وجلال خوري في "جحا على الخطوط الأمامية"، وروجيه عساف في "الحكواتي" (أيام الخيام)، ومحمود دياب في "ليالي الحصاد (أخرجها جواد الأسدي)... والفاضل الجعايبي في "المجنون"...
هذا الانتقال غذى دلالات المسرح السياسي وتقنياته ورسالته وبنيته. لكن هذه التغذية وهذا الاسترخاء لم يتحولا منهجاً، أو وسيلة مركبة عموماً. أي لم يؤديا إلى تراكم يضفي صفة خاصة على كثير من الأعمال. أي لم يتحوّل مساحة اختبارية ونقدية متواصلة تسمح بابتكارات موصولة، أو بقيام أنماط أو أشكال "ذاتية".
وقد عزز فقدان هذا التراكم وقوع المسرح السياسي في فخ المباشرة والخطابة والموعظة عند عدد كبير من مسرحيينا، تحت شعار التواصل المباشر مع الجمهور وقضاياه وهمومه. هذه المباشرة أفرغت الاتجاهات الأساسية (المذكورة) من مضامينها الجذرية، ومن لعبتها وحيلتها الابداعيتين. وأثر هذا المنحى على الجمهور وأهل المسرح أنفسهم، ليختاروا بذلك الحلول السهلة والميسرة في مقاربة اللغة المسرحية.
على أن ما أصاب التراكم في صميمه تنقل المسرحيين من اتجاه مسرحي إلى آخر من دون مبرر، ومن دون استيعاب ناضج للعملية. وهكذا كنا نرى أن هذا الكاتب ينتقل من البرشتية إلى التسجيلية فإلى المسرح التجاري، من دون تواصل في التجربة، أو تطوّر، أو إبداع. يقلد البرشتية فالتسجيلية ثم يرتمي في منطق شباك التذاكر بذرائع معروفة. وهذا الانتقال "التقني" إذا صح التعبير غالباً ما كان يرافقه انتقال "سياسي" (أو ايديولوجي)، فيتحوّل الماركسي بين ليلة وضحاها إلى قومي أو إلى يميني أو إلى طائفي... أو إلى لا شيء، ليبدأ من اللاشيء أو من الصفر.
على هذا الأساس بدأ المسرح السياسي يفقد قوته، وخصوصيته، وجديته، وصدقيته، ودوره، وناسه. كأن المسرح السياسي بات من دون مسرحيين سياسيين، أو أن المسرحيين "السياسيين" صاروا من دون مسرح سياسي. استقالوا منه، أو تراجعوا. أو تنكروا له. وكأن كلما ضعف المسرح السياسي قوي المسرح الاستهلاكي. وكلما تراجع المسرح الشعبي تقدم المسرح الشعبوي. وكلما غادر المسرحيون منصة السياسي، احتلها التجار. ولهذا نقول ان المسرح التجاري ارتفع على أنقاض المسرح السياسي الجدي الذي بات يتيماً، بلا مكان ولا أهل ولا جمهور. بل ان المسرح نفسه، على امتداد الوطن العربي، بات يتيماً، بلا مكان، ولا أهل ولا جمهور، فكأن تراجع المسرح السياسي كان نذيراً لكل المسرح العربي.
ـ VI ـ
إذاً، اليوم، نحن، تقريباً بلا مسرح سياسي. صار موضة قديمة تتذكرها أو تحن إليها. وقد بدأت ملامح هذه الظاهرة منذ نهاية الثمانينات. إذ بدأ يتحوّل مسرحنا عن تاريخه، ومهامه، واختباراته، ومكوّناته الأساسية.
ونظن أن تجرّد الخشبة العربية من "هويتها" السياسية، ليس منفصلاً عن الواقع العمومي، الذي أضيفت إلى كل صفة من صفاته، أو كل اسم من أسمائه إما عبارة "معولم" أو "ما بعد". وهكذا نقرأ بسهولة "زمن ما بعد الحداثة"، وما بعد المسرح، وما بعد الايديولوجيا، وما بعد الدولة، وما بعد الاشتراكية، وما بعد القومية، وما بعد الماركسية، وما بعد الرأسمالية، وما بعد الانسان، وما بعد التاريخ... كأننا نعيش "الما بعد" في كل جوانب حياتنا. ولو أردنا تفحص ما حولنا وجدنا أن في هذا التوصيف شيئاً من الحقيقة. فأنظمتنا وبرغم تجمّدها، وبعض ثوابتها، صارت في "الما بعد". والنهضة العربية، والبنى التاريخية، والأفكار والمدارس والاتجاهات... كلها صارت إلى مآلات أخرى. ولعل أكثر ما تعرّض للاصابة، من ضمن ما أصيب، هو "السياسي" بالمعنى الملتزم، النضالي، المقاوم، المتجاوز... في الشعر وفي المسرح. مرحلة كاملة كأنها انتهت من دون أن يكون لدينا لا تصوّر لبديل، ولا عدة لنقدها. مرحلة ضبابية سديمية، يبدو كل شيء على شفا وداع؛
لكن الطريف في كل ذلك أن بعضهم يعزو انتهاء ذلك الزمن إلى "نهاية التاريخ" و"العولمة" وطغيان الاستهلاك، وهيمنة وسائط الاتصال، والتلفزيون، والانترنت، والكمبيوتر... هذا صحيح إلى حد ما. لكن الصحيح أيضاً أن أزمة الثقافة، بما فيها المسرح والسياسي أعمق بكثير. وأن هزائمنا الحضارية ترد إلى أسباب أخرى خاصة بنا أولاً وأخيراً. لأنه، إذا ربطنا كل شيء بانتصار "الآخر" (الغربي) فيعني أن الهزيمة ستستولد هزيمة وانطواءً وانغلاقاً ويأساً. فكل ما صنع نهضتنا ما زال موجوداً. وكل ما أدى إلى تراجعها ما زال موجوداً أيضاً. ولهذا، فإن تراجعنا الحضاري والثقافي هو مرحلة. ويجب أن يكون مرحلة. وتجاوز هذه المرحلة القحطاء، يتصل بشروط الانفتاح، والاستنهاض والنقد الذاتي القاسي. أي أن علينا الخروج من فكرة "المؤامرة" إلى فكرة الاعتماد على الذات. إلى فكرة النهضة. وهذا لا يمكن أن يتم إلا باختياراتنا العقلانية أولاً، والديموقراطية ثانياً، وتعزيز ثقافة المجتمع المدني ثالثاً. عندها يمكن أن نجدد المسرح السياسي لا كلغة معارضة ومدنية، بل المسرح كله، والشعر والفكر والفلسفة والعلوم والتكنولوجيا. بمعنى آخر علينا أن نكف عن أن نستهلك هزائمنا استهلاكنا انتصاراتنا، نحو فعل إبداعي يطال مختلف المجالات نحو ذات مفتوحة، وهوية تستنبت ملامحها وقسماتها من المستقبل.

(*) قدمت هذه المداخلة في الندوة الفكرية التي أقيمت على هامش مهرجان دمشق المسرحي الثاني عشر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00